الرئيسية » مقالات » بنيامين نتانياهو: مأزق التاريخ

بنيامين نتانياهو: مأزق التاريخ

يأتي خطاب بنيامين نتانياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي الأخير يوم 16 يونيو الجاري 2009 في جامعة بار ايلان بإسرائيل مؤيدا لأول مرة قيام دولة فلسطينية إلى جنب إسرائيل ، وكأنه يستجيب لضغوط الولايات المتحدة ، ويضحك بمشروعه على الآخرين ، إذ يشترط : إلزام الفلسطينيين إلقاء السلاح ، وان يعترفوا بإسرائيل دولة يهودية وان يتخّلى اللاجئون عن هدف العودة ، وسيقبل بشروط الثلاثة قيام “دولة فلسطينية منزوعة السلاح جنبا إلى جنب مع الدولة اليهودية.” والحق هذه الشروط برفضه عمليات توسيع المستوطنات في الضفة الغربية ، قائلا : “إذا حصلنا على هذه الضمانات حول نزع السلاح ، وإذا اعترف الفلسطينيون بإسرائيل كدولة يهودية، فسنصل إلى حل يقوم على دولة فلسطينية منزوعة السلاح إلى جانب إسرائيل .. ويستوجب أن تكون الأراضي الخاضعة للسيطرة الفلسطينية مجردة من السلاح مع أحكام صارمة لأمن إسرائيل .. مع وجود علم ونشيد وطني لكل من الطرفين ” !

إنها ” صورة ” غير منسجمة أبدا ، بين دولة لها ترسانة من الأسلحة ، ودولة ستبقى خاوية ليس لها إلا أن تكون جمهورية مضحكة هشة ، وارض يحتشد عليها الملايين ، بلا جيش ولا سيطرة على الأجواء ، وبلا أية علاقات أو تحالفات . إن دعوة نتانياهو لاستئناف مفاوضات السلام بلا شروط مسبّقة ، هي دعوة لئن يرضخ الأخوة الأعداء للدخول إلى القفص بلا أي وسائل دفاع ولا أي إمكانات .. انه يريدهم العودة إلى نقطة الصفر بشروط إسرائيلية مسبقة ومن دون أي شروط فلسطينية مسبقة .. وكيف يتم تعايش الإسرائيليين مع الفلسطينيين إذا كانت الثقة منعدمة بين الطرفين ؟ وهل هو حسن جوار شكلي أم تعايش واقعي على الأرض ؟ وسواء كان هذا أو ذاك ، فكيف تكتمل الصورة مع رفض تجميد أعمال الاستيطان في الأراضي الفلسطينية ؟ وهل يعد هذا الأخير مطلبا فلسطينيا لوحده ، أم هو ما تطالب به الولايات المتحدة والمجتمع الدولي ؟ وإذا كان نتانياهو لا يرغب بالمزيد من بناء المستوطنات الجديدة ، أو التوسع بمصادرة أراض جديدة ، فكيف سيكون التعايش مع مستوطنات كانت قد سيطرت أصلا على أراض فلسطينية ؟

أما رفض عودة اللاجئين الفلسطينيين بشدة إلى ديارهم ، فكيف يمكن معالجة قضيتهم خارج حدود الدولة العبرية ؟ الم تكن نفسها سببا في تشردهم وشتاتهم ؟ وإذا كانت عودتهم إلى بلادهم تناقض استمرار إسرائيل كدولة يهودية .. فهذه مشكلة إسرائيل ، وليس مشكلة أي دولة تقع خارج حدودها ! وان الفلسطينيين إذا كان عددهم قد تضاعف جدا على حساب النمو السكاني للإسرائيليين ، فهذه ليست مشكلة الفلسطينيين ، بل مشكلة الإسرائيليين اصلا والتي لم يحسبوا حسابها أبدا منذ خمسين سنة !

لقد نسف خطاب نتانياهو كل ما تّم إحرازه ، وهو يريد الحفاظ على حقوق شعبه بمعزل عن حقوق الفلسطينيين ، ويريد أن يدخلهم مفاوضات جديدة ، وهم مجردين ليس من الوسائل والأدوات ، بل حتى من الحقوق والثوابت . إنني اعتقد بأن خطاب الرجل لم يكن إلا ردا على خطاب اوباما ، ولكي يقول للعالم : ها أنا ذا أوافق على منح هؤلاء الفلسطينيين ” دولة ” ، ولكنها هشة بلا أية مقومات ، ويسهل ابتلاعها متى أشاء ، وهو يقول بأن لا ثقة بأي اعتراف منها بإسرائيل ، كونها ستشكّل خازوقا لها مع وجود إيران وحزب الله بالذات !

السؤال الآن : هل هناك إرادة فلسطينية لإزالة الأسباب الجذرية للصراع كما هي رؤية نتانياهو ؟ هل تقبل تلك ” الإرادة ” أن تعترف بإسرائيل كونها وطن تاريخي لليهود ؟ بصراحة : لا ! إنني اعتقد أن كلا من الطرفين في مأزق حقيقي ، فلا الإسرائيليين بقادرين للتراجع عن إيديولوجيتهم الصهيونية التي بنوها لأكثر من مائة سنة ، وتعد شرعية حقيقية لوجودهم .. ولا باستطاعة الفلسطينيين التراجع عن حقوقهم وثوابتهم ، ولقد اثبت الفلسطينيون للعالم كله أنهم لا يمكنهم أن يتنازلوا أبدا عن مطاليبهم .. وهم يورثون ثوابتهم للأجيال الجديدة والقادمة دون أي كلل أو ملل .. وهذا ما أجده ليس عند المتطرفين منهم ، بل وحتى عند المعتدلين .. إن نتانياهو يدرك أن سعي بعض القادة الفلسطينيين للسلام هو غير ذاك الذي يكمن في قلوب الناس .. وان الرسائل قادمة إليه من الكتب المدرسية ، والفصول ، ووسائط الإعلام ، والخطب ، والخطاب السياسي ، وغيرها من المناطق الفلسطينية في الخطاب العام .. وهو ينسى في الوقت نفسه ما يكمن في نفوس الإسرائيليين من عداء تجاه خصومهم .. انه يطالب بالقضاء على معاداة السامية والصهيونية ، ويريد إدانة الإرهاب و “المقاومة ” ، وبإنهاء العنف من طرف واحد فقط ، ويفسر حسن الجوار مجرد سياسة خارجية .. فهل بعد كل هذا سيتمكن من بناء علاقات طبيعية في مجالات مثل التجارة والسياحة والرياضة ، والتبادلات العلمية ؟؟

انه يدرك حجم المأزق الذي هو فيه قبل الفلسطينيين عندما يقول: “شرطا أساسيا لإنهاء الصراع هو الجمهور ، الذي لا لبس فيه وملزما الفلسطينيين الاعتراف بإسرائيل بوصفها دولة قومية للشعب اليهودي”. أما مشكلة انعدام التكافؤ السكاني بين الطرفين ، فهو يريد أن يحل مشكلة اللاجئين خارج حدود إسرائيل ، خوفا من اختلال المعادلة السكانية !

إن السلام الحقيقي لا يصنعه الآخرون .. انه نتاج إرادة الشعوب . إنني أقول بأن لا يتوقع الفلسطينيون أن يمنحهم نتانياهو شيئا .. وان لا يتوقع نتانياهو نفسه أن يزيل فلسطين من قلوب أصحابها مهما طال الزمن !

* مؤرخ عراقي