الرئيسية » مقالات » إيران … إفلاس جمهورية المشعوذين

إيران … إفلاس جمهورية المشعوذين

التبس الأمر على المراقبين لتطورات الأحداث الأخيرة في إيران , إن كانت حركة احتجاج على عملية إجراء الانتخابات , أو ثورة داخل ثورة , أم هي حركة أعمق من كل ذلك , لها أبعادها الأيديولوجية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية المخالفة لنهج النظام الحاكم .
فلم ينتبهوا إلى إن التطورات المنبثقة من الواقع لا يمكن أن تكون وليدة لحظتها , بل هي نتاج أسباب بعيدة متراكمة تخلق أزمة وتدفعها بها إلى السطح في ظرف معين , وبالنسبة للحالة الإيرانية , فان نظام الجمهورية الإسلامية قد بلغ مرحلة التناقض مع غالبية المجتمع الإيراني, وكذلك مع المحيط الإقليمي والدولي , حيث أصبحت حكومة الملالي عقبة رئيسية أمام تطلعات الشعوب الإيرانية إلى حياة عصرية منسجمة مع روح العصر الجديد الذي دخله العالم , فالشارع الإيراني متعطش إلى معايشة المتغيرات والظواهر الجديدة التي طرأت على المجتمع البشري , بقدر رغبته في مراجعة المفاهيم والفرضيات القديمة التي باتت عاجزة عن الإحاطة بالتطورات العلمية والتكنولوجية وما قدمت من أنماط متطورة في مختلف ميادين الحياة, ومتابعة المستجدات على كل صعيد .
لقد نجح نظام الملالي في حجب هذه التطورات عن المجتمع الإيراني بستار أيديولوجي – تيوقراطي سميك يبشر بقدوم الولي الفقيه , الذي سيملئ الأرض عدلا , انطلاقا من بناء دولة الحق في إيران , بهذه الشعارات الغيبية – المخملية تمكن الخمينيون من خداع الشعوب الإيرانية والتأثير في معتقداتهم الدينية , لتدفعهم إلى ثورة أطاحت بالنظام الشاهنشاهي, وأقامت نظام الجمهورية الإسلامية , وكعادة الحركات الشيعية عندما تنجح في التحول من دعوة إلى دولة , فأنها تتخلى عن أسلوبها الدعوي – السلمي, وتتبنى العنف لتشيد دولة ولاية الفقيه بقوة السلاح , وقد سار الخمينيون على نفس النهج , ليفرضوا أيديولوجيتهم المذهبية التوتاليتارية على المجتمع الإيراني , بالأكاذيب تارة, و بالقوة تارة أخرى , ثم تطلعوا لتصدير ثورتهم إلى البلدان الإسلامية .
وقد حافظت الثورة على رونقها بفضل شعاراتها الغيبية والتبشير بقرب ظهور الأمام المنتظر , ليأتي بالجنة الموعودة , فإذا بالشارع يفاجئ بالملالي وهم يحولون إيران إلى جحيم, متذرعين في عدم تحقيق الثورة لأهدافها ,بتآمر الاستكبار العالمي وحربهم مع العراق , وقد استغلوا هذه المبررات ليتهربوا من الاستحقاقات المترتبة على نجاح ثورتهم وكذلك ليقيموا مؤسسات سياسية ودينية وعسكرية تسهر على توطيد نظام حكمهم وعلى صبغ إيران بصبغتهم الأيديولوجية المتخلفة , فتم ضرب التنظيمات السياسية التي تنتهج نظريات أخرى لا تدين بولاية الفقيه كأيديولوجية رسمية للدولة , وبعد تكريس سلطة الملالي وخطها السياسي , تم السماح بإجراء انتخابات دورية تم خلالها تبدل أسماء الرؤساء والوزراء وأعضاء البرلمان , وهذا يبين ظاهريا بأن الثورة ترفض احتكار السلطة أو الدكتاتورية الفردية , وقد انخدع الكثيرون بهذه التمثيلية واعتقدوا أن ثمة تحول ديمقراطي يجري في إيران , حيث فاتهم أن تولي السلطة حق محصور بالأطراف التي تتبع ولاية الفقيه, وان باقي القوى السياسية محرومة من المشاركة في الحياة السياسية, وهذا إجراء ابعد ما يكون عن الديمقراطية التي تفسح المجال على قدر المساواة أمام كافة الأطراف للمشاركة في العملية السياسية , فالذي حدث أن الملالي استغنوا عن دكتاتورية الفرد واستعاضوا عنها بدكتاتورية الأيديولوجية , بقيت هذه الخدعة سارية المفعول حتى انتهاء الحرب مع العراق , وبدأ المتغيرات الدولية , وما قدمت من مفاهيم وأفكار بدلت معالم الكون , ورغم سياسة العزل والتعتيم فان الشارع الإيراني لم يكن غافلا عن كل هذه التطورات, بل أراد المشاركة فيها والاستفادة منها , في التخلص من قيم الحياة القروسطية المفروضة عليهم من طرف نظام حكم الملالي , فالشباب الإيراني في توق إلى تيارات الفكر العالمي , والى مجتمع مدني تعددي متنوع ,والى اختلاط الجنسين ,والى الثقافة و العلوم والتكنولوجيا,والى الحريات العامة والشخصية, والى ممارسة حياته الطبيعية خارج عمامة الولي الفقيه , وقد تحايل الشباب بقدر المستطاع على السلطة ليمارسوا قناعاتهم الشخصية بعيدا عن وصايا الملالي , فلم تبقى لهم صلة بأيديولوجية الجمهورية الإسلامية سوى قشورها المفروضة على المجتمع بالقوة , حيث اكتشف الشارع مدى ابتعاد السلطة الحاكمة عن مصالح الشعب.
حيث تنتهج الجمهورية الإسلامية أيديولوجية وهمية تلزمها بتبني إستراتيجية توسعية , مدفوعة بمصالح الشريحة الحاكمة , لتقف على الضد من رغبة الشعوب الإيرانية الملحة في الحداثة والتجديد , وبذلك فقد أصبحت السلطة في تناقض حاد مع المجتمع , ففي الوقت الذي يتطلع الشارع إلى تنمية حقيقية والى التمتع بثروات بلاده الغنية , فان حكم الملالي مشغول بأوهامه حول واجب تصدير الثورة لبناء خلافة الأمام المنتظر , أوهام تكلف الشعوب الإيرانية مزيدا من هدر الأموال والثروات والزمن وتعطل مستقبل أجيال كاملة ,لان حكام طهران قرروا تأجيل تنمية بلادهم كي يتفرغوا لخوض الصراعات مع القوى الإقليمية والدولية , وهذا يفسر اهتمامهم بالإنتاج العسكري والأسلحة الذرية , دون الاهتمام بالصناعة المدنية التي تلبي حاجات المجتمع وتخلق فرص العمل أمام العاطلين وتحد من تنامي عدد الفقراء, ولهذا فقد نهض الشارع لأنه لن يقبل بسهولة حتى يغامر حفنة من المشعوذين والدجالين من اجل خرافات يؤمنون بها بمصير بلادهم ومستقبلهم , فيعرضونها للدمار , إذ رغم لغة الرئيس الأمريكي اوباما التصالحية فأن احتمالات تعرض إيران لضربة استباقية ما زالت قائمة بقوة , ولن يكون بمقدور اوباما إبقاء باب المغازلة مفتوحا مع طهران إلى النهاية , بعدما تبين للأمريكيين أن عشق رئيسهم للجمهورية الإسلامية من طرف واحد ,ولن يسمح له الديمقراطيين قبل الجمهوريين بمزيد من التخاذل أمام عجرفة ملالي طهران , كي يمنحهم فرصة امتلاك أسلحة ذرية فهذا خطا استراتيجي سوف يكلف أمريكا والعالم أفدح الخسائر .
لقد قرأ الشارع الإيراني صورة الواقع على الساحة المحلية والإقليمية والدولية , ووقف على حجم الأخطار التي يجرها نظام الحكم على بلادهم , ليقرر إقصاء الجناح المتشدد, والمجيء بالتيار الإصلاحي كخطوة أولى في التخلص من نظام الجمهورية الإسلامية بالكامل ,وكان الجناح المتشدد على علم بموقف الشارع لذلك قرر مسبقا حسم الانتخابات لصالح احمدي نجاد في اكبر عملية تزوير ليس لها مثيل إلا في الجمهوريات العربية , ولذلك فان الأحداث التي وقعت في إيران كانت تعبيرا عن رفض الشعوب الإيرانية لنظام الجمهورية الإسلامية المتعفن الذي لم يعد صالحا لقيادة إيران في هذه المرحلة الراهنة ,حيث عاد الكثير يحنون إلى دولة الشاهنشاه .
هذه هي معطيات الواقع الإيراني المستجد والتي لا يمكن إلغائها بفتوى من مرشد الثورة , الذي اخل بمكانته كمرجع روحي وكشف عن زيف هالة القداسة التي يحيط نفسه بها ,بعد انحيازه السافر إلى المتشددين , وتهديده باستخدام القوة وسفك دماء الإيرانيين, وهذا لن يثني عزيمة الشباب حيث إرهاصات التغيير قد بدأت ,والشعب الذي استطاع إسقاط الشاه لن يعجز أمام سلطة المشعوذين التي فقدت مشروعيتها .