الرئيسية » شؤون كوردستانية » حذاري من تشويه جوهر القضية الكوردية من خلال تصرفات بعض الكورد

حذاري من تشويه جوهر القضية الكوردية من خلال تصرفات بعض الكورد

سوف لا نجافي الحقيقة إذا ما قلنا بأن القضية القومية الكوردية لم تنل من إهتمام الرأي العام غير الكوردي في مناطق كوردستان كافة ، مثل ذلك الإهتمام الذي لقيته لدى الرأي العام العراقي

سواءً من قبل الأكثرية السكانية العربية أو من القوميات العراقية الأخرى في الوطن المشترك بين كل هذه القوميات ، الوطن العراقي . لقد إنصّب هذا الإهتمام بالدرجة الأولى على التفهم الواضح لما يتعرض له الشعب الكوردي المناضل ضمن ما تعرض له مجموع الشعب العراقي من إضطهاد وتغييب وكبت وحرمان من قبل الأنظمة السياسية التي تسلطت على العراق وشعبه . فإذا ما إستثنينا الحقبة السياسية للزعيم الوطني الراحل عبد الكريم قاسم ، فإن الشعب العراقي برمته وقواه السياسية التي كانت تقود نضالاته في سبيل التحرر الوطني والإستقلال الإقتصادي تعرضت جميعاً إلى شتى أنواع الملاحقات والإضطهاد والسجون والمنافي وحتى الإعدامات التي نالت الشيوعيين والديمقراطيين والضباط الوطنيين منذ العهد الملكي وانتهاءً بالعهد البعثفاشي . وبالرغم من حدوث بعض الإنتكاسات في الموقف الرسمي من القضية الكوردية في عهد الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم ، إلا أن هذه الإنتكاسات لم تكن قد تأثرت بمفاهيم الشوفينية القومية العربية أو بالتنكر للحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي ، كما كان الأمر بالنسبة للعلاقات التي سادت بين الكورد وحركتهم القومية التحررية من جهة والحكومات التي تعاقبت على العراق من جهة أخرى ، بل إنها تأثرت اكثر ما يمكن بانحراف الخط الثوري لثورة الرابع عشر من تموز نحو اليمين الذي أراد من خلاله الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم الحد من التوجه الثوري الذي رافق الثورة منذ بدايتها والذي صورته له القوى اليمينية على أنه الخطر الذي يهدد وجود الثورة وقادتها ، ولم ينتبه الزعيم الوطني إلى أن العكس كان هو الصحيح إلا حينما إنقلب عليه هذا اليمين نفسه الذي كان يقف إلى جانبه فأنهاه وأنهى بذلك التوجه الديمقراطي التقدمي وكافة المكتسبات التي أحرزتها ثورة الرابع عشر من تموز في عمرها القصير .لقد ظلت القضية الكوردية كقضية تحرر قومي موضع إهتمام الشعب العراقي وقواه التقدمية التي حرصت كل الحرص على إستمرار هذا النهج المنطلق من مبدأ حق الأمم والشعوب بتقرير مصيرها ، كبرت هذه الأمم أم صغرت ، إذ أن هذا المبدأ هو مبدأ ينظر إلى الإنسان أولاً وليس إلى عدده أو لون بشرته أو إنحداره . وعلى هذا الأساس واستناداً إلى هذه القناعة قدم الشعب العراقي في كوردستان العراق وفي المناطق الأخرى من شماله وجنوبه ووسطه آلاف الضحايا دفاعاً عن حق الكورد في العراق أساساً وفي كوردستان عموماً ، التي قسمت السياسة الدولية معظم مناطقها بين العراق وتركيا وإيران وسوريا لتتحكم بها الشوفينيات القومية وتتنكر لأبسط الحقوق القومية والثقافية التي يجب ان يتمتع بها الشعب الكوردي كواحد من أكبر الشعوب على وجه الأرض دون وطن قومي. إن ثقافة النضال من أجل القضية الكوردية التي إنتشرت في العراق في كافة العهود التي مرت به ، حتى في تلك التي هي اشد ظلاماً واضطهاداً وجوراً من أية بقعة في العالم والتي تمثلت في العهد البعثفاشي ألأسود ، إن هذه الثقافة ظلت واحداً من المحاور الأساسية لنضال الشعب العراقي وقواه الوطنية التقدمية من شيوعيين ووطنيين ديموقراطيين ومستقلين تقدميين وليبراليين . ولم تشكل الخلافات التي نشأت بين مختلف هذه القوى السياسية في الحقب السياسية المختلفة التي مر بها وطننا العراق عائقاً أمام مواصلة هذا النضال وترسيخ هذه القناعة بحق الشعب الكوردي بتقرير مصيره بنفسه وممارسة ثقافته وإحياء تراثه أينما وُجد على جميع ارض كوردستان .إلا أن المُلاحَظ ، مع ألأسف الشديد ، وخاصة بعد سقوط البعثفاشية في العراق وجود بعض التراجع عن هذا المبدأ الإنساني السامي ، حق الأمم والشعوب بتقرير مصيرها ، حتى مِن قِبل بعض عناصر القوى التقدمية العراقية التي ناضلت عقوداً من الزمن دفاعاً عن قناعتها بهذا المبدأ وبالتالي دفاعاً عن القضية الكوردية كرمز من رموز النضال في سبيل تحقيق مضمون هذا المبدأ فعلاً . فما سبب هذا التراجع يا ترى …وأين يكمن الخلل في هذه الرؤيا الجديدة لدى مَن يتبنى هذا الفكر…؟إن المُتتبع لسياسة المحاصصات التي وسمت الجو السياسي العراقي ببصماتها السيئة ونتائجها الكارثية على مجموع الأوضاع في وطننا لا يمكنه إلا أن يضع هذا التراجع عن الموقف المبدئي من القضية الكوردية في مسار هذا النهج الذي لم يأت بهذه المأساة فقط ، بل وبمآسي أخرى يئن تحت وطئتها الشعب العراقي بكافة قومياته ومذاهبه منذ ست سنوات ولحد الآن . لقد إنعكس هذا النهج على بعض الساسة ألكورد الذين وجدوا أنفسهم فجأة وسط المعمعة السياسية التي وفرت لهم اجواءً لم يكونوا قد إستعدوا لها فكرياً. فجاءت تصرفاتهم وسلوكياتهم في العهد الجديد لترسخ ما يجول بافكارهم من مفاهيم لا يمكن وصفها بأنها من صلب المفاهيم التي تسم حركة تحرر قومي كحركة التحرر القومي الكوردي . وانصب جُل عملهم في المجالات التي وجدوا فيها أجواءً رحبة لتحقيق أمنياتهم في تبوء مراكز إجتماعية أفضل أو مناصب حكومية مهمة أو علاقات إجتماعية عشائرية ومدنية جديدة ضمن تحالفات آنية او دائمية ، بحيث ادى كل ذلك إلى تراجع العمل بالمحتوى الأساسي للقضية القومية الكوردية وأهدافها التحررية . ثم اشتركوا ، بعلم منهم أو بدون علم ، بتجارة المحاصصات التي راج سوقها بين كثير من الساسة العرب على الجهة الأخرى عراقياً وعربياً ، فتمخضت عن ذلك كله تجارة سياسية لا علاقة لها بشؤون الوطن عموماً خلّفت وراءها الإهتمام بالمصالح الفئوية الحزبية الطائفية القومية العشائرية المناطقية ، أكثر من إهتمامها بتلك السياسة التي تصب في تحقيق الأهداف الشعبية الوطنية والقومية التحررية في كافة ربوع الوطن العراقي. وعلى هذا الأساس تولدت القناعة لدى هؤلاء الساسة بحتمية سلوك طريق الدفاع عن النفس وعن ما تم الحصول عليه من مكاسب لا يمكن التفريط بها او التنازل عنها بعد الآن ، حيث ان كل فئة تعتقد أو خُيل لها ذلك ، بأن الفئة الأخرى تتربص بها الدوائر فلابد إذن من إطلاق بالونات التصريحات التي توحي إلى البسطاء من الناس ، على مختلف هذه الجبهات ، بشدة التهديدات وبالتالي بضرورة إتخاذ كافة ألإجراءات التي تواجه بها هذه التهديدات . فماذا كانت نتائج هذه السياسة…؟ لو اراد اي إنسان تحليلها تحليلاً ميدانياً علمياً لما وجد لها أي اساس على الواقع العملي ولأكتشف بانها أحابيل يتسلق عليها تجار المحاصصات السياسية ليحققوا بها وصولهم إلى ما رسموه لأنفسهم وعوائلهم واقرباءهم وعشائرهم من أهداف ، أما أهداف الشعب والوطن فلتظل على كف عفريت .إن هذا التلاعب بالمشاعر عِبر إختلاق مبررات العداء والتنافر بين القوميات والمذاهب العراقية من خلال سياسة المحاصصات وبتنفيذ فرسان هذه المحاصصات قد إنطلت مع الأسف الشديد حتى على بعض المناضلين من العراقيين من مختلف القوميات والمذاهب وانعكست بشكل واضح على نضال الشعب الكوردي في سبيل حقوقه القومية والثقافية المشروعة ، بحيث إعتبر كثير من هؤلاء المناضلين التقدميين أن ما يُصرح به هذا أو ما يقوم به ذاك من قادة سياسة المحاصصات الكورد إنما هو تعبير عما يفكر به الشعب الكوردي، ويعكس الثوابت النضالية لحركته التحررية ، ويُفسَر بالتالي كموقف عدائي تجاه الآخرين أو لا يصب في مصلحة الوطن العراقي وشعبه على أقل تقدير . إن التفكير على هذا المستوى البعيد عن القناعات المبدأية التي لا يجب ان تخضع لتصرفات هذا او أقوال وأفعال ذاك ، سوف لن يؤدي إلى التخلي عن المبدأ فحسب ، بل وقد يقود إلى الوقوع في حبائل القومية الشوفينية التي تنطلق من أفكار الصهر أو الإنعزال القومي وكأن الشعوب لا شأن لها بالآخر وبالتالي التخلي أساساً عن مبدأ التضامن الأممي الذي لا يمكن لأي شعب او أمة ان تحقق أهدافها النضالية التحررية بدونه .إنني اتوجه إلى كافة المناضلين التقدميين الذين تغيرت مواقفهم المبدأية من قضية التحرر القومي الكوردي لا في العراق فقط ، بل وفي كل كوردستان ، أن يعوا خطورة هذا الموقف الجديد الذي ينطلقون منه والعمل مع الشعب الكوردي المكتوي أيضاً ، كبقية الشعب العراقي ، بنار المحاصصات السياسية البغيضة على التصدي لمثل هؤلاء الساسة الذين إبتعدوا بمسافات واضحة عن قضايا شعوبهم وتعرية مشاريعهم والعمل على تثبيت اسس العمل الجبهوي المفضي إلى لمّ شمل القوى التقدمية العراقية ودفع عملها إلى الواجهة الأمامية على الساحة السياسية العراقية لتحقيق ما يصبو إليه كل الشعب العراقي .كما وأتوجه إلى المناضلين الكورد ممن خبروا درب النضال الشاق واختبروا مواقف رفاقهم من بنات وأبناء الشعب العراقي كافة والتكاتف الشعبي الذي نالته قضية التحرر القومي الكوردية على مدى سنين النضال الدامي ان لا يقعوا هم ايضاً في حبائل سياسة المحاصصات التي كان وسيظل اساسها الإنعزال عن رفاق الدرب النضالي الذين لا يمكن لحركة تحرر قومي كالحركة الكوردية الإستغناء عنهم ، حيث أن ذلك هو القانون الطبيعي للنضال الحقيقي .