الرئيسية » مقالات » طوارق الظلام

طوارق الظلام

في بغداد صدر عن دار الرواد المزدهرة، كتاب ” طوارق الظلام ” للكاتبين توفيق جاني وابتسام الرومي. قرأت الكتاب عند صدوره في نيسان 2008 ، والقراءة الثانية له في نيسان 2009 ، ” طوارق الظلام” ، من الكتب التي تجبرك على السهر معها حتى تكملها، صنفه الشاعر المبدع جاسم الولائي انه من ” أدب السجون ” ، ولكني لست مبالغا القول انه وثيقة تاريخية ، وثقت بموضوعية وصدق وإنصاف لفترة مظلمة قاسية سادها التوحش والهمجية ، وغياب القانون ، تاركا الفراغ لحثالات المجتمع والساقطين لملء الفراغ والعبث بكل ما هو جميل ، من اخلاق وقيم وعادات وتقاليد ، والآراء الأخرى ، وحقوق الإنسان والعدالة الإجتماعية، انه حكاية شاهدة عيان لما تعرض له المناضلون والمناضلات من خيرة ابناء شعبنا العراقي ، اثر انقلاب شباط الأسود ، ويشكل وثيقة ادانة لحزب البعث الفاشي ، وقرينة قانونية لأدانة الجلادين القتلة ، ومن يريد التعرف أكثر على فاشية البعث وهمجيته، يمكنه الإطلاع على كتاب ” طوارق الظلام ” أو ” 1963 الرمز السري لبوابة جهنم” وهو الأسم الأول لعنوان الكتاب ، قبل تغييره الى الأسم الذي عرف به الآن، وكما قال المؤلفان ان الهدف من إصدار الكتاب هو ( ليقرأ الناس ما فعله البعثيون عند استلامهم السلطة للمرة الأولى في عام 1963، وليقارنوا بين مافعلوه آنذاك وما فعلوه في فترة حكم صدام حسين وما يفعلون الآن). فهاهم يهدون شعبنا في ذكرى مناسباتهم سيارات مفخخة تحصد المئات من أبناء شعبنا ، ففي ذكرى تأسيس حزبهم الفاشي كانت تفجيرات الكاظمية ( 6/4/2009) ، وفي ذكرى ميلاد الطاغية المقبور كانت تفجيرات مدينة الثورة (27/4/2009).

قبل الدخول في تفاصيل ومضامين الكتاب لا بد من القول ، انني انحنى اجلالا لشهداء انقلاب شباط الأسود، وانحنى اجلالا للمناضلين والمناضلات الذين بصمودهم وصمودهن وتحمل سياط الجلادين والتعذيب الوحشي ، ساهموا بحماية الآخرين من ان يذوقوا نفس العذاب، انحنى اجلالا لأختي العزيزة المناضلة ابتسام الرومي ” إكرام” ، التي تحملت كل صنوف التعذيب وكانت تردد ( لن أكون سببا في تحمل أي انسان لمثل تلك الآلام الرهيبة) ص107.

صفحات الكتاب المائة والثمانين صفحة، ضمت بين سطورها، ما تعرضت له شابة بعمر الزهور، بعمر المراهقة او على اعتاب الخطوات الأولى لأجمل سنين العمر وهي الشباب، ذات السبعة عشر ربيعا، من ظروف قاسية يصعب التعبير عنها ، من تعذيب قاس في دهاليز قصر النهاية سيء الصيت،وملعب الأدارة المحلية في الكرخ ، من ضرب بالسياط والخيزران الى التعليق بالمروحة ،ناهيك عن الكلام البذيء الذي لا يتفوه به الا الساقطون من ابناء الشوارع مثلهم، وغيرها من اساليب التعذيب التي سجل الفاسشت الكثير من براءات الأختراع في إكتشافها وإستخدامها.

لقد تميزت سيرة كتاب ” طوارق الظلام” :

1 ـ سلط الضوء على سيرة شهداء ضحوا بحياتهم من أجل تحقيق العدالة الأجتماعية ، ونيل الفقراء لحقوقهم الوطنية ، ومن اجل سعادة الشعب وتنميته ، ولكن الحكومات المتعاقبة بعد نيسان 2003 تناست كل استحقاقاتهم المادية والمعنوية .

2 ـ فضح الأسماء الصريحة للجلادين القتلة وما قاموا به من فضاعات يندى لها الجبين ولا تصدر الا من وحوش بشرية ، ليتسنى لأصحاب الضمير المطالبة بتقديم هؤلاء للعدالة والقضاء لينالوا جزاءهم العادل ، ومن هؤلاء الجلادين في قصر النهاية (محسن الشيخ راضي، مدحت ابراهيم جمعة، خليل العاني، منعم عبدالقدوس، بهاء شبيب، هاشم قدوري، عدنان هايس، حازم جواد، ابو طالب عبدالمطلب، خالد علي الصالح، اياد سعيد ثابت، كريم شنتاف، حميد خلخال، صباح المدني، نجاد

الصافي، هاني الفكيكي، عبدالكريم الشيخلي، عبدالله سلوم السامرائي، ظافر السامرائي، حسن العامري، ايوب وهبي، اسامة وهبي، سالم منصور، الدكتور تحسين معلة، جعفر قاسم حمودي، سعد قاسم حمودي وغيرهم) ص63.

اما الجلادون في ملعب الأدارة المحلية فمنهم ( عدنان الناصري أو عدنان العزاوي، رجاء الخليلي، طاهر توفيق العاني، فايق توفيق ، نوري الراوي، حميد الحمداني، بهيج المدني وآخرون) ص117. ومن المهازل ان احد هؤلاء الجلادين وبعد سقوط الطاغية يتسنم منصب سفير للعراق الجديد في احدى البلدان ألأوربية.

3 ـ فضح اساليب التعذيب الفاشية ، وتسليط الضوء على افعالهم المشينة والتي هي وصمة عار في تاريخ حزب البعث الفاشي ، فإغتصاب النساء والتعذيب الهمجي الوحشي دون اي رادع اخلاقي او اعتبار للقيم الأجتماعية ، هذه الوحشية التي مارسها احفاد الحجاج وزياد بن ابيه وقتلة الحلاج وبشار بن برد في دولة بني العباس ، يخجل منها كل شريف ، لأن ما قاموا به من افعال بعيدة عن الشرف وعن كل ماهو انساني. ومن اساليب التعذيب الفاشية التي تمت ممارستها ( سلخ الجلد، التعليق بالمراوح السقفية بعد ربط اليدين الى الخلف او التعليق من الأرجل، قلع الأعين، قلع الأسنان بواسطة البلايس ، قلع الأظافر، إدخال الدبابيس والأبر في مختلف اجزاء الجسم، الضرب بالكيبل من قبل عدة اشخاص وفي وقت واحد، ، الكي بواسطة السكائر لمناطق الجسم الحساسة ، إجبار الضحية بالجلوس على القناني او الخوازيق، تقطيع الجسد بواسطة الكتر” مقص كبير يستعمل لقطع اسلاك الحديد ” ، إجبار الضحية بالوقوف ساعات طويلة على ساق واحدة، الضرب بالكيبل على المناطق الحساسة خصوصا النساء، تكسير عظام الجسم بواسطة المطارق، رش الملح على الجروح من أثر التعذيب، تعرية النساء، الوقوف على رجل واحدة طيلة الليل مع الضرب بواسطة الكيبل من عدة افراد، تعليق الضحية ثم ضربها بالكيبلات، قطع الماء والطعام عن المعتقلين وغيرها من الأساليب التي لم يتوصل اليها عتاة المجرمين اضافة الى الأغتصاب الجنسي) ص65 .

4 ـ من سمات الكتاب التي تحسب له انه اتصف بالموضوعية والإنصاف فقد كان منصفا للذات وللآخرين وحتى للجلادين :

أ ـ الموضوعية والإنصاف للذات :

لم تضف ” إكرام ” هالات البطولة على نفسها ، رغم انها تستحق ذلك ، فموقفها البطولي وصمودها امام صنوف التعذيب الهمجي ، أنقذ الكثير من النساء من نفس المصير، رغم ذلك فهي أشارت الى حالات الضعف التي اعترتها ، فتقول ” إكرام ” إنها ( أحست بالخجل من نفسها لأنها توسلت اليهم ان يكفوا عن تعذيبها) ص106 ، قد يكون ضعفها ( ردة فعل طبيعية من أجل استمرارالحياة) ص107.

وانها ” أحست باليأس ” ص113. و( شعرت انها محطمة وسيطرت عليها فكرة لا جدوى الحياة) ص53 . ولجأت الى ( حسنا سأدعو الله كما قالت لي جدتي إن هموا بتعليقي ثانية.. سأفعل ذلك) ص114. وانها ( ضعفت وكتبت إفادة وكانت ترجو ان تموت ولا تسطر حرفا)ص134 .

ب ـ اما الموضوعية والإنصاف للآخرين :

فلقد أشيع عن الشهيد لطيف الحاج حيدر الذي استشهد في قصر النهاية ، انه قدم اعترافا قبل استشهاده، ولكن ” إكرام ” التي اطلعت على افادته انصفته بالقول ان افادته كانت ( مجرد معلومات عامة) ص52 ، لا بل اضافت انها من افادته ( أحست انها امتلكت مفتاح اللعبة) ص52 . وكذلك اشيع عن باسم مشتاق ، انه تعاون مع الأنقلابيين ، فلقد انصفته ” إكرام ” بالقول ان جلاوزة قصر النهاية عندما سألوه ( من هو وفيق قائد مظاهرة الكرخ الداعية للسلم في كردستان والتي حصلت قبل أشهر قليلة من 8 شباط ) ص111 ، فلقد انكر معرفته به ، رغم الألحاح والتهديد، مع انه كان ضمن اللجنة الحزبية المشرفة على المظاهرة ، وهو على صلة وثيقة به .

ج ـ الموضوعية والإنصاف حتى للجلادين:

في احدى المرات اعطى ” إكرام” حارس شاب ( صمونة فيها جبن كرافت وبعض المربى ، قائلا خذي كلي فطوري هذا، اسمي عزالدين وأنا احاول مساعدتك)ص57.

اما الجلاد خليل العاني رغم انه كان يقوم بتعذيب المعتقلات ، ومارس لعبة الروليت الروسية بالمسدس مع ” إكرام” وكاد ان يقتلها لمرتين ولكن يبدو انه لا زال لها نصيب في الحياة ، لكنه كان لا يسمح بالتحرش الجنسي بالنساء ومحاولات اغتصابهن،وعندما كانت احدى المناضلات ملقية على سطح قصر النهاية بعد فصل من التعذيب ، حاول احد الأوباش اغتصابها ، فأستجمعت قواها المنهارة وصرخت بأعلى صوتها ” الله وأكبر.. يردون يغتصبونا” ، فهز صراخها القصر وهرع بعض المحققين الى السطح وفي مقدمتهم خليل العاني ( الذي ضرب ذلك الجبان وطرده) ص63. وعندما دوت في القصر صرخة مدوية، طالبة الأستغاثة، فعندما سمعها خليل العاني فما كان منه الا ان ( ركض واوقف ذلك السافل عن ألأستمرار في محاولته الدنيئة)ص68 ،وعندما حاول الجلاد ” صباح المدني” التحرش بإحدى المعتقلات ، جاء خليل العاني وسحبه من كتفيه بعيدا، وطمأن المعتقلات بالقول ( على جثتي من يحاول الأعتداء على شرف أية واحدة منكن، انا ابو طلعت أحافظ على عرضكن كما احافظ على عرضي )ص94 .

وفي احد الأيام اقترب حارس كبير السن من ” إكرام ” وسألها بلطف ( عمو تردين أجيبلك ملابس داخلية)ص98. والطبيب المتدرب عصام الراوي عندما فحص احدى المعتقلات ووجدها تتقيأ دما، ولقد اتهمها السفلة بأنها حامل من الشهيد سلام عادل رغم انها بكر، صرخ بصوت عال ( توقفوا عن اطلاق مثل هذه الأتهامات الحقيرة.. سوف لن آتي الى هذا القصر مالم تتوقفوا عن ذلك)ص64 ، وساعدت ثورته تلك الفتاة المسكينة فتوقفوا عن معاملتها بتلك الطريقة اللااخلاقية.

5 ـ وكذلك تميز الكتاب بالمصداقية وقول الحقيقة ، فليس جميع المعتقلين كانوا ابطالا بل ان ( بعضهم صاروا عبيدا أذلاء لأؤلئك الوحوش انقاذا لنفوسهم من همجية التعذيب)ص76. وهناك من ضرب مثلا اسطوريا في الصمود فالشهيد صبيح سباهي كان الجلادون ( ينعتوه بالأخرس ويتعجبون كيف يقاسي كل ذلك دون ان يئن حتى)ص54. وبخصوص المواقف الأنسانية ،فعندما طلبوا منها كفيل ليتم اطلاق سراحها، وطلبت من اختها ذلك، وسارعت اختها نحو عمل زوجها طالبة منه كفالة “إكرام ” لكنها ( فوجئت برفضه القيام بدور الكفيل معتذرا بأنه لا يريد التورط في مثل تلك الألتزامات التي قد تعرضه للشبهة من قبل الحكومة) ص166، وعندما طلبت المساعدة من والد خطيب “إكرام” ، واخبرته( ان إكرام بحاجة الى كفيل ليتم اطلاق سراحها ، اجابها بيأس وبرود ” وشسويلها” )ص166 ، ولكن عندما طلبت اختها المساعدة من ابن عمها ” ابو حامد” ، ابدى استعداده لمساعدتها قائلا ( سآتي معك حالا..اذا انا ما اكفل بنت عمي فمن يفعل ذلك)ص166 ، وعندما طلبت منها الكلية كفيلا عن السنة التي غابتها دون عذر شرعي ، التقت بصديقتها في شارع النهر وطلبت منها المساعدة ، وبينما هما يتناقشان حول الموضوع اقترب منهما الشاعر رشدي العامل وكان على معرفة بصديقتها، فما كان من الأخيرة الا وان طلبت منه المساعدة بكفالة إكرام ، ( فهب مسرعا وقام بإجراءات الكفالة في مبنى المحاكم الواقع في شارع النهر)ص178. وعن الدكتور عناد غزوان والذي كان وقتها مساعد رئيس قسم اللغة العربية في كلية التربية ، فعندما التقته وسلمته اوراق الكفالة قال لها ( اسمعي يا اكرام.. اذا استدعوك للمحاكمة فتذكري انك لست وحيدة.. خبريني وسأدافع عنك في المحكمة، فأنا احمل شهادة محاماة بالأضافة الى شهادة الدكتوراه التي احملها في الأدب العربي)ص179.

6 ـ بطولات نادرة للمرأة العراقية :

سلط الكتاب الضوء على بطولات نادرة للمرأة العراقية، فإكرام والتي كانت بعمر “17 ” عاما ساهمت بنقل السلاح للمقاومة في الكريمات في اليوم الأول لأنقلاب شباط الفاشي، حيث ( طلب منها ان تستلم احدى الزكيبتين وترافقه لغرض إيصالها لأحدى الدور في محلة الكريمات)ص23. وعندما اخبرتها احدى الرفيقات بأن الحزب بحاجة ماسة للأموال فأخبرت خطيبها والذي كان في وقتها يملك نصف دينار فقط وهو المتبقي من راتبه، لكن اكرام ( طلبت موافقته على التبرع بـ ” نيشان الخطوبة” والذي كان عبارة عن عدة قطع ذهبية قدمها لها عن اعلان خطوبتهما، فوافق على الفور دون أي اعتراض) ص37 ، وتحملت ” إكرام” بنت السبعة عشر ربيعا صنوف التعذيب ، وتمكنت (بصمودها ان تنقذ الكثيرات من سياط قصر النهاية) ص103 . اما البطلة ” نرجس الصفار ” ام فاضل” زوجة الشهيد جمال الحيدري ، فلقد علقوها من ساقيها بالسقف امام ابنها البكر فاضل ، وراحوا يضربون جسدها العاري بالكيبلات ، خاطبت ابنها ( لا تهتم ابني فاضل.. خليك مرفوع الرأس)ص70 . اما المناضلة ” منار” بنت الخامسة والعشرين والطالبة في الصف السدس في كلية الطب، والتي كانت مسؤولة لجنة نساء الكرخ المؤلفة من ” 12″ رفيقة ، فعندما تمت مواجهتها مع ” إكرام ” وبحضور رئيس اللجنة التحقيقية في قصر النهاية ، خاطبت ” إكرام” ( لقد اعترفت انني مسؤولة لجنتكم التي تقود تنظيم نساء الكرخ وانت وحكيمة ورضية ونجلة اعضاء تلك اللجنة، كما وأنك مسؤولة عن تنظيم الشاكرية) ص49 ، فأن ” منار” ( بلغتها و بأسلوب ذكي جدا وتحت سمع وبصر رئيس الهيئة التحقيقية المعلومات المحدودة التي اعترفت بها وكأنها تبلغها رسالة توصيها بالتقيد بها لغرض عدم توسع المعلومات)ص49 . اما المناضلة المعروفة البطلة الفقيدة زكية شاكر ” ام ماجدة” ، فلقد كانت إكرام نفسها ( مذهولة من شجاعة تلك المرأة وامكاناتها التي تفوق الوصف في قصر النهاية وبين يدي الجلادين الذين يحسبون عليك انفاسك تقوم تلك المرأة بمثل هذا الدور الخرافي ) ص93 ، و( لقد حرصت ان تنقذ مايمكن انقاذه من الرفاق والتنظيمات ، بتسريب الأفادات وحصرها في شخوص الميتين والفارين وكذلك نقل المعلومات عما يجري في داخل القصر والنادي الأولمبي، حيث تم نقلها لا حقا مع بعض النساء الأخريات ، الى قيادة الحزب) ص93. فلقد كانت ( تحاول تقليص دائرة الأعترافات بحصر جميع المهام في أشخاص من يستشهد تحت التعذيب) ص89 ، فعندما استشهد المناضل النقابي الياس حنا كوهاري ” ابو طلعت” ، عملت على ايصال رسالة للمعتقلين وبالتعاون مع ” إكرام” واحدى المعتقلات ، حيث دخلت معهما الى غرفة التواليت وقالت لهما ( حاولوا التوقف امام غرفة المعتقلين واوصلوا هذه الرسالة للأشخاص الذين يجلسون في الجانب الأيمن من الباب ” ان ابو طلعت” هو الذي كان يوزع الأدبيات وهو المسؤول عن كل شئ) ص89 . وعندما رأت ” إكرام” وفي يدها خاتم الخطوبة، اشارت لها بيدها ( انزعي خاتم الخطوبة من يدك) ص55 ، وذلك خشية استجوابها بخصوص خطيبها وفيق.

وفي صباح الحادي والثلاثين من آذار، عيد تأسيس الحزب الشيوعي العراقي، ورغم ان ” إكرام” معتقلة في ملعب الأدارة المحلية في الكرخ ، لكنها قررت واحدى رفيقاتها الأحتفال بهذه المناسبة وفي مقر الحرس القومي ( فأنطلقتا بترديد الأناشيد الثورية بعد أن رتبتا شعرهما وغسلتا وجهيهما مستشرفتين تجربة يوليوس فوجيك الكاتب التشيكي، عندما احتفل مع رفاقه بعيد العمال العالمي وهو في سجنه الأنفرادي في احد معتقلات الفاشست الألمان) ص123.

7 ـ ذاكرة قوية :

رغم ان السيدة ابتسام الرومي تقول انه ( مرت عقود على تلك الأحداث الرهيبة جعلت الكثير من الصور والأحداث تبهت في ذاكرتي) ص13، لكن القارئ للكتاب يلاحظ وبكل بساطة ان البطلة ” إكرام” لا زالت تتمتع بذاكرة قوية تحسد عليها ، فهي تصف قصر النهاية وصفا دقيقا ، فتقول ( بدأت بصعود سلم حلزوني، سرت بضع خطوات على دكة منبسطة ، ثم مرة اخرى نفس السلم الحلزوني) ص48 . ووصفت ” منار ” عندما رأتها لأول مرة في قصر النهاية ، وكم كان الوصف دقيقا ايضا ( كان وحهها ذابلا وقد احاطت هالتان سوداوان بعينيها الجميلتين المتورمتين ، اما فمها فقد بدا منتفخا وآثار جرح قرب زاوية فمها اليسرى وقد تلبد شعرها وبدا كالحا بعد ان غزاه الشيب بوضوح) ص49، حتى اول جلاد تراه عيناها في قصر النهاية فلقد وصفته بأنه ( رجل تجاوز الثلاثين من عمره مربوع القامة ذو وجه أسمر اللون متشنج العضلات، كان كما قميصه قد طويا حتى المرفقين وفي يده اليمنى خيزرانة، قدم نفسه بأسم مدحت ابراهيم جمعة رئيس اللجنة التحقيقية )ص48.

8 ـ صور جميلة :

رغم ان الكتاب يضم في سطوره توثيقا للجرائم التي ارتكبها البعثيون الفاشيون ، لكنه لم يخلو من صور جميلة، ففي وصف جميل للعباءة الملتحفة بها ، تقول ” إكرام” ( كم هي محظوظة بهذه الصديقة التي التصقت بها لا تريد ان تفارقها، راحت تشكرها بعد أن تخيلتها صديقة زنجية تصاحبها محنتها وتحميها) ص55 ، وفي وصف جميل لثنائي الخوف والبرد ، وكيفية مقاومتهما ، تذكر انه (استباح ثنائي الخوف والبرد جسدها بكل سهولة ولم يفلح ثوبها الخفيف او عباءتها ولا ما حاولت ان تتسلح به من شجاعة في انقاذها من هذين الطاغيتين اللذين لا يعرفان الرحمة) ص113، ومن بشاعة التعذيب يصبح جسم الأنسان غريبا عنه ، حيث تصف ” إكرام ” نفسها انها ( أخذت تجرجر جسدها الذي بدا غريبا عنها).ص51 ، وفي وصف لقساوة قلوب الجلادين ووحشيتهم ، تقول ( يوجه نظرات حاقدة تعكس غلاظة قلبه الذي قسا وجف كما تقسو الصخور في قيظ الصيف الحارق) ص132. وعندما يدخل شعاع شمس لغرفة اعتقالها ورفيقاتها في ملعب الأدارة المحلية، تصف ذلك “إكرام” وتقول ( خرس الفجر على اسوار معتقل الأدارة المحلية بعد ان انتحرت آخر فلول الظلام وزحفت شمس صباح مشرقة راحت تسحب اذيالها لتدخل غرفة اعتقال اكرام ورفيقاتها) ص139.

9 ـ نواقص الكتاب:

اعترت الكتاب نواقص لا تقلل من قيمته ، ونأمل ملافاتها في الطبعة الجديدة للكتاب، حصل خلط في ذكر سير الأحداث ، حيث ورد ( أفلحت إكرام في اقناع زوجة عمها بالحقيقة وهي ان منار لم ينفذ فيها حكم الأعدام، وهمست لها انها الآن في قصر الرحاب او ما يسمى قصر النهاية حاليا ، عندما هدأت الأم الملهوفة انتبهت منار ان ابن عمها الصغير صهيب كان واقفا بعيدا ) ، والصحيح ان التي ( انتبهت اكرام ) وليس ” منار”. ص128. وورد ايضا صورة متناقضة للبطلة ” إكرام” فهي مرة تصرخ بلا جدوى ، ومرة تعض على شفتيها كي لا تصرخ ، حيث تذكر ” إكرام” في تعذيب الجلاد مدحت ابراهيم جمعة لها ( كان يضرب بيديه ورجليه في حالة شديدة من الهستيريا، بينما هي تحاول ان تحمي وجهها بيديها وهي تصرخ بلا جدوى. عندما لم يجد منها تجاوبا خرج مسرعا ثم عاد وفي يده خيزرانة رفيعة انهال بها ضربا على جسدها وهو يصب اللعنات، بينما هي تتلوى تحت لسعات العصا التي لا ترحم وهي تعض على شفتيها كي لا تصرخ فتسجل ضعفا امام الجلاد) ص50.

في الكتاب اخطاء مطبعية واملائية في الصفحات ( 94، 125، 140، 156، 157، 159، 177، 178، 180) .

10 ـ الخلاصة:

رغم كل ما لاقته إكرام من تعذيب ، ورغم صغر سنها ، وانها ورفاقها ورفيقاتها تم اعتقالهم بدون مذكرة قضائية، وخلافا للقوانين والشرائع السماوية، وحتى بعيدا عن القيم والأخلاق ، لكنها حملت في داخلها روحا للتسامح ، فتقول بروح نبيلة كريمة ، لو قدر لها ان تمسك بالسوط في وجه هؤلاء الأوغاد فأنها ( لن تستطيع ان تهين الأنسان او تذله حتى في شخوص هؤلاء الضالين) ص121. كما (ان تلك الظروف القاسية لم تشوه روحها ولم تمكن الكراهية من التسلل الى قلبها فتغتال منابع الرحمة فيه).ص121 .

11 ـ وفاء بالعهد :

سأل الجلاد خليل العاني مرة ، البطلة إكرام ( ترى لو اطلقنا سراحك من يضمن لنا انك لن تعودي للعمل في الحزب الشيوعي؟ هل تتعهدين بعدم فعل ذلك؟ ) ص134 .

فكان رد إكرام المصحوب بالغضب ( اتعهد بشئ واحد.. أن اكون اذاعة متنقلة تفضح كل افعالكم الشنيعة)ص134. بصدور الكتاب ، ارى ان اكرام اوفت بعهد قطعته على نفسها قبل اكثر من اربعين عاما ، حيث ان هذا الكتاب فضح بشكل لا يقبل الشك فاشية ولا اخلاقية البعث الفاشي.


12 ـ اقتراح

اقترح طبع الكتاب في السويد ، فالطلب عليه كبير، واقترح ترجمته الى اللغة السويدية.

13 ـ ختاما:

الكابوس الذي ظل يلازم ” إكرام ” منذ اكثر من اربعين عاما فتقول ( ففي كل مرة ، وكما يرى النائم، أرى نفسي أركض في أروقة قصر كبير أحاول الخروج منه ولا اجد للباب سبيلا) ص13 ، اتمنى من القلب ان هذا الكابوس قد زال وانتهى ، وباب الحياة مشرع لك ، بعدما انهيت كتابك ووفيت بعهدك.