الرئيسية » الآداب » القاصة المغربية فاطمة بوزيان في مجموعتها الجديدة “ميريندا”

القاصة المغربية فاطمة بوزيان في مجموعتها الجديدة “ميريندا”

باتت القصة القصيرة جدا كشكل إبداعي تستهوي العديد من كتاب القصة القصيرة، ويكاد التوجه نحو اقتراف هذا النوع من الكتابة يشكل ظاهرة في المشهد الإبداعي المغربي، خاصة في أوساط الجيل الجديد من الكتاب.
وفي هذا السياق تواتر إصدار مجاميع من القصص القصيرة جدا، بشكل يفرض على النقد النظر فيها ومواكبتها لاستجلاء ما تنطوي عليه سواء على مستوى اشتغالها اللغوي أو من حيث مضامينها وانشغالاتها الفكرية والقيمية.
ومن بين الإصدارات الجديدة في هذا المجال، مجموعة صدرت مؤخرا ضمن منشورات اتحاد كتاب المغرب للقاصة فاطمة بوزيان وحملت عنوان “ميريندا”. يأتي هذا الكتاب بعد مجموعتين سابقتين من القصص القصيرة (العادية).
تتضمن هذه المجموعة الجديدة 46 قصة خفيفة، لغتها في غاية التكثيف حتى إن الفارق بينها وبين اللغة الشعرية يكاد ينتفي.
وتتناول أغلب النصوص الموزعة على 64 صفحة تلك العلاقة الملتبسة بين الرجل والمرأة، الموضوع الأثير لدى القاصة فاطمة بوزيان، كما يمكن التحقق من ذلك من خلال مجموعتيها السابقتين “همس النوايا” و”هذه ليلتي”. هذه العلاقة تصير أكثر التباسا عندما تضفي الكاتبة على نصوصها طابعا يمتزج فيه الواقع بالمتخيل من خلال علاقة المرأة والرجل معا بالمحيط الاجتماعي الذي يعيشان فيه، وبما يعتمل في هذا المحيط من تطورات وتحولات.
ثمة ميزتان أساسيتان تتوزعان مجموعة “ميريندا”. فإضافة إلى اللغة التي تمتح من اللغة الشعرية، والانغماس في الواقع الاجتماعي المغربي بتناقضاته العديدة وهجانته وازدواجية تفكيره، وهما سمتان ترافقان الكتابة القصصية للكاتبة منذ المجموعة الأولى، يمكننا أن نعثر في المجموعة الجديدة على الكثير من السخرية، وعلى جرأة كبيرة في تناول العلاقة “المتوترة” بين المرأة والرجل. ولهاتين الميزتين تجليات كثيرة تستوقف القارئ في غير ما صفحة.
وتقوم السخرية على رصد المفارقات، عبر إخضاع وقائع حقيقية لحكم اللامنطق، لامنطق تفرضه وقائع الواقع الفعلي نفسه، فيشف عن ثغرات ينفذ منها المبدع لينسج منه كتابةٍ بقدر ما تبعث على الضحك، تبعث أيضا على نوع من المرارة الشديدة لأنها كتابة تنبع من حياة الناس، من مآسيهم ومعاناتهم، وأيضا من تناقضاتهم وأحيانا من انسياقهم الأعمى مع أوهام ما.
ترد في الصفحة 60 قصة بعنوان “عولمة”، نقرأ فيها واحدا من الآثار السيئة لهذا التيار الجارف ” كلما هم بالكتابة على السبورة تكسر الطباشير أو أصدر صريرا يقشعر له ما تبقى في رأسه من شعر… اغتاظ والتفت إلى يمينه قائلا:
تفو. في زمن العولمة يسلموننا أرخص طبشور.
أتم كتابة الدرس بصعوبة… التفت إلى تلاميذه، وجد الذكور يلعبون بأقراط آذانهم والإناث مشغولات بأقراط سراتهن… التفت إلى يساره وبصق على العولمة”.
هذا النص ليس نصا عارضا، ذلك أنه إذا كان قد سبقت الإشارة إلى أن المجموعة اشتغلت بشكل كبير على العلاقة بين المرأة والرجل، فإن الانشغال بتجليات العولمة (السيئة) سواء في المظاهر التقنية أو في السلوك اليومي يشكل هو الآخر منطلق العديد من نصوص المجموعة، لذلك نجد فيها بعض مظاهر الثورة الرقمية (أنترنت، كومبيوتر، فضائيات…)، وتأخذ هذه المظاهر في الغالب سمات سلبية، تقترن بالجهل أحيانا، وبالكبت الجنسي والنفسي وغير ذلك. ويمكن في هذا الإطار الاستئناس بقصة أخرى عنوانها “عروض خاصة”، تقول:
” في لحظات وحدته القصوى…
كان يضغط على أزرار الرقم المجاني:
حيث الصوت الأنثوي الرخيم
يذكر بالعروض الخاصة
وكان يتذكر الأنثى والأمور الخاصة”.
إننا بهذا إزاء نصوص تعالج أيضا موضوع الاستيلاب، في تجل من تجلياته المتعددة، والمفروض بقوة التدفق في المعلومات والصور، وتعضده مختلف مظاهر الحرمان والكبت النفسي والاجتماعي، بشكل تصعب أو تستحيل معه المقاومة.
هذا الاستيلاب يؤسس لنمط جديد من العلاقة بين الكائن والعالم. بينه وبين نفسه، وبينه وبين الآخر مهما كان هذا الآخر. وهذه العلاقة ليست متأتية من قناعة داخلية، بل من حالة الحشو التي يتعرض لها العقل.
وانطلاقا من هذه العلاقة المتولدة بشكل “غير شرعي”، تقوم باقي العلاقات الأخرى. ونجد في المجموعة أنه حتى العلاقة بين الرجل والمرأة، وبين الأبوين والأبناء وبين المعلم والتلاميذ، قائمة على مفارقات ناتجة عن حالة الحشو المذكورة مع امتزاجها، أحيانا، بالجهل الذي يطغى على المجتمع. ويمكن العثور على هذه الحالات في عديد من القصص مثل “بيتزا” و”كليب” و”توارد” و”دوائر” و”عنكبوت” وغيرها من القصص التي تؤشر على أن المجتمع يعيش في سياق خلل ما، يهدد كل العلاقات الطبيعية فيه.
وحين تكتب فاطمة بوزيان قصة مثل “شات”، حيث يدردش شاب مع فتاة يفترض أنها موجودة في مكان ما، بينما هو في الواقع يتحدث مع شاب آخر “متنكر” باسم فتاة “أمل في غرفة الدردشة يضحك على الذين يتخيلونه فتاة جميلة في غرفة حقيقية” فهي ربما تفعل ذلك للتأكيد على أن الناس يعيشون خلف أقنعة، وعلى أن التطورات التي تشهدها وسائل الاتصال والتواصل تساهم في تكريس هذه الأقنعة.
إن قوة المضامين التي تشتغل عليها نصوص القصة القصيرة جدا، كما هو الشأن بالنسبة لمجموعة “ميريندا”، لا يمكن بل لا ينبغي أن تحجب ما ينطوي عليه هذا النوع من الكتابة من صعوبة على مستوى اللغة، لأن الكاتبة تجد نفسها أمام تحديين على الأقل، أولهما أن تقنع القارئ أن الأمر يتعلق فعلا بكتابة قصصية، وثانيهما أن تتمكن من خلال جمل قليلة من إيصال الفكرة إلى هذا القارئ، ذلك أنه إذا كان الغموض من بين مقومات شعر الحداثة، فإن ما يتعلق بالقصة هو خلاف ذلك تماما. بمعنى أن الكثافة اللغوية التي تعتمد عليها القصة القصيرة جدا وبالرغم من القرب الواضح بينها وبين اللغة الشعرية، يجب عليها ألا تجعل القصة تتخلى عن مقوماتها الأساسية.
وتبدو فاطمة بوزيان في مجموعتها قد نجحت في كتابة قصة قصيرة جدا مسربلة بلغة شعرية، كتابة يتجاور فيها الإيحاء ووضوح الفكرة معا، وهي بقدر ما نجحت أيضا في التحليق بالمتخيل فوق الواقع فإنها لم تبرح هذا الواقع نفسه، فمنه استمدت أحداث قصصها وشخوصها، لتظل هذه الكتابة بالتالي واحدة من المرايا التي تعكس ما يعرج في المجتمع المغربي، وربما ينسحب ما تطرحه أيضا على مختلف المجتمعات المصنفة في درجات التخلف الدنيا.

* ميريندا، قصص قصيرة جدا، فاطمة بوزيان، منشورات اتحاد كتاب المغرب،أكتوبر 2008
* “ميريندا” كلمة إسبانية تعني وجبة المساء الخفيفة