الرئيسية » الآداب » مذكرات زهرة الأوكاليبتوس لخلات أحمد

مذكرات زهرة الأوكاليبتوس لخلات أحمد

كيف يمكن للشعر أن يتحول إلى كتابة سردية دون أن يتخلى عن نفسه؟ أو بالأحرى كيف يمتطي الشعر مركب السرد دون أن يغرق في المياه العميقة للغة النثر الخالص؟
كان هذان السؤالان أساسيين بحثا عن مدخل يسمح بالولوج إلى “مذكرات زهرة الأوكاليبتوس” الديوان الثاني للشاعرة الكردية خلات أحمد. أكثر من ذلك يظل هذا الديوان الصادر عن دار أزمنة في الأردن سنة 2006 على ذات الإغراء بالقراءة، الذي يمكن الإحساس به عند أول لقاء به.
تبدو مأساة الأكراد كما لو أنها التحمت التحاما كاملا بالشاعرة. بالجسد وبالحواس بشكل يوحي بأن الأرض هي التي تكتب الشعر وتسرد المأساة. ولعل في الاحتفاء بالطبيعة وعناصرها، وبالأمكنة وأهلها، ما يمنح الانطباع بأن هذا الاحتفاء هو احتفاء بالأرض، وأيضا بأن الذات تكتب سيرتها في هذه الأمكنة وتشعل حنينها إلى منازل الروح والجسد، وتسرف في شجن الفقدان:
“إذا مررت بالجرف المجاور
توقف قليلا
التفت إلى الظبية الذبيحة
تنفس قريبا منها
قد تشم رائحتك
تفتح عينيها
وتراك
قبل أن تمضي”. ص 40
هذا الاحتمال الموحي بالترقب وبتوقد شهوة الكائن “قد تشم رائحتك”، والتسليم في النهاية بالفقدان “ٍقبل أن تمضي”، يفتح باب المأساة الداخلية للذات، ويفتح في نفس الوقت شهية الكتابة التي تنحو شيئا فشيئا إلى صهر هذه الذات بالأرض، وتحويل المأساة من فردية خالصة إلى مأساة أكبر من ذلك هي مأساة كردستان كلها. كردستان الباحثة عن منقذ، هو الحبيب الذي تكرس الشاعرة حواسها للبحث عنه في عمق سحيق داخلها.
تكتب خلات أحمد شعرا يجعل من خلجات الدواخل وقودا لكل شيء. من انتظارات العاشق إلى انكساراته، ومن البحث عن اللذة إلى الغوص في بحر الحنين. ومن ضجر المنافي إلى النهر والناس والأمكنة في أرض الكرد. هكذا تكون القصيدة المتأرجحة بين الشعر والسرد مفتاحا لقراءة سيرة الذات وسيرة الأرض معا. وما التماهي، مع الأرض، الذي كتبت به الشاعرة نصوصها إلا أفق للتأويل، وللبحث عن المشترك بين الأرض وبين الأنثى. الأنثى تنتظر التي العاشق، والأرض التي تستدرج الغمام والنهر. وفي كلتي الحالتين ثمة خصوبة منتظرة. خصوبة يغذيها الحب من جهة، ومن أخرى يعمقها الألم.
ولأمر يتعلق بالذكاء وبالفراسة التي يتمتع بها الشاعر عادة، لم تمض خلات أحمد في سرد المأساة الكردية، ولم تعلن عن انتمائها للأرض منذ البداية، وإنما توسلت للوصول إلى ذلك مسارا شخصيا تسامت فيه الذات أحيانا، وانكسرت أحيانا أخرى، في ما يشكل تحولات الكائن الباحث عن منفذ في العتمة. ولم تجد سبيلا لذلك سوى استدراج الحواس للبوح، ولكتابة الحب الذي يبدو في المجموعة كما لو أنه يمرق من بين أصابع الشاعرة، لكنه لا يبرح قلبها:
“قانية
كانت أزهاري هذا العام
موسمي زاخر
أفلا تمر من هنا؟
لأبذل لك حباتي
حلمة، حلمة
كم ذراعا تود لو يكون لي؟
لأضمك بما يكفي”. ص 8
إنه البحث عن المفقود، عن النصف الذي انشطر عن الجسد كما في الأسطورة. وفي هذا السفر الطويل والمتعب بحثا عن الحبيب، يكون على الشاعرة أن تتسلق درجات الكتابة في لغة جل معجمها مستقى من الطبيعة ومن عناصرها كي تصل ليس إلى العثور أخيرا على هذا الحبيب الذي كلما اقتربت منه ابتعد “أنت لن تتركني في البكاء هذه المرة أيضا وتمضي، أليس كذلك”، وإنما لتصل إلى الأرض وإلى الناس والنهر والأشجار.
هذا المسار الذي قطعته الشاعرة أفضى في النهاية إلى الانغماس في المأساة بشكل كامل، وإلى أن تمتزج المشاعر جميعا حتى لا يعود هناك فرق بين الألم والفرح، وبين الحب والعذاب، هذه المتناقضات أو الثنائيات الجدلية التقليدية باتت متعايشة وكأن قدر الكرد الموجودين في “مذكرات زهرة الأوكاليبتوس” وفي الأرض المعلومة أو في الشتات هو أن يقضوا العمر باحثين عن الفرح في قشرة سميكة من الألم.
تستحضر خلات أحمد في مجموعتها انطلاقا من الجزء الثالث الذي يحمل عنوان “الزيزفون المائل علينا بضوئه” أمكنة وأشخاصا وأحداثا وعبقا لذكريات عديدة حيث تفتح جراب الذاكرة، ليصبح الشعر شهادة وسيرة للبشر وللأشجار… ولأرض الكرد بشكل مجمل وجامع:
“منساقا بالغامض إلى صمت “ديرك”، متكئا على على سيرته العتيقة، يهدر نهري قادما من “سرخت”، فاقدا اسمه في انتمائه الأصيل لأرض التشظي، حتى فقد الاسم أهميته في التلاحم الكثيف”. ص 47
إن اشتغال الذاكرة واستدراج الأمكنة واستعارة النهر، انسجاما مع انسياب مخزون الذكريات، هو محاولة لاستعادة تلك الهوية المحكومة بالتشظي بين انتماء أصيل، وانتماءات متعددة، وأحيانا متنازعة، وبين المنافي والملاجئ، وهذا التشظي بقدر ما هو تشظ للهوية الجماعية للأكراد، بقدر ما هو أيضا تشظ خاص يعني الشاعرة. ولعل الازدواجية الكامنة في العنصر المحفز على الكتابة هنا، هي ما يمنح قصائد خلات تلك القوة بحيث إن القارئ ليكاد يشعر بوطأة ما تنوء به الأرض قبل الإنسان في “أوطان” الكرد، فهؤلاء مهما يكن الأمر اهتدوا إلى تدجين الألم، وإلى التعامل معه كرفيق درب في متاهات الحياة، يسقونه بالحنين ويغذونه بالحب من أجل أن يكون أكثر رفقا بهم، ومن أن أجل أن يكون دليلهم في المتاهة:
“قريبا من الماء،
سأجافي الأرائك وأتربع الأرض،
فحاول أن تمر من هنا
وتهديني وشاحك القديم
لن تبذل الكثير من الجهد
ستعرفني من عيني المغمضتين
فكر فقط
أنني أشتاق إليك
كثيرا. ص 50
إن النهر بكل الحمولات الدلالية التي ينطوي عليها- سواء أكان هو النهر الذي يخترق مسقط رأس الشاعرة “ديرك” في كردستان، أو النهر الذي يتدفق في الديوان شلالا من الذكريات الجميلة القاسية- حمّلته خلات أحمد كل ما ينطوي عليه القلب من حب ومن حنين، بالكثير من التفصيل، وبالكثير من الانزياح خارج اللغة الشعرية التي تنزع في الغالب نحو الكثافة، والإشارة إلى المعنى من مكان بعيد، فتبدو كما لو أنها تريد أن تحتضن كل شيء، كل ما يوحي بوجودها، وبكل ما يعيد لها هويتها في عتمة المنفى في ليل زوريخ، لهذا فهي لا تأبه حين تبتعد خارج الشعر قليلا مفسحة المجال للسرد كي يتدفق، ولكنها مع ذلك لا تتخلى عن لغتها الشفيفة، وعن معجمها الذي شكلته من تراب الأرض ومن كل ما يدب فوقها من البشر ومن الكائنات الأخرى:
“يستكمل النهر مسيرته شرقا بموازاة المقبرة التي تقع خلف حارة “خيركا” المنتشرة على الوهدة إلى اليسار. هناك يرقد جدي، شهدت تمزق كبده في بيتنا القديم” ص 79.
“كانت قوافل الكورد الهاربين من حراب الموت العمياء تعود منهكة من الجبال. أحدق العسكر بأطراف “اله قه مشه”، حشروا النساء والأطفال في منزل كبير ، أوصدوه، كمثل ما أوصد الله قلوبهم، قيدوا الرجال في ساحة القرية، خرموهم بالرصاص، وأضرموا النار في الجميع، وحدها بقيت تترنح في الذكريات العجوز الراوية” ص93.
وبغض النظر عن هذا الامتزاج وهذا التداخل بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي أو جماعي، هناك تداخل بين أجناس الكتابة تمكنت الشاعرة من التحكم فيه، بحيث لم تترك المجال لأي ارتباك يمكن أن يستشعره القارئ. إن هذا الأخير لا ينتقل مطلقا من حالة إلى أخرى، بل تدفعه الشاعرة إلى الانغماس في مأساتها رويدا رويدا، فهي انتقلت من الشعر إلى السرد أو من قصائد إلى مقاطع من رواية أو قصص دون أن تتخلى بشكل كامل عن الكثافة اللغوية، حيث تتخلل المقاطع السردية جمل ومقاطع شعرية تقطع بها الطريق على أي إحساس بالرتابة وبترهل النصوص، وبهذا فهي تعود في كل مرة لتستوي على عرش الشعر في كبرياء الأميرة وفي استسلام العاشقة أيضا:
وأنت لست تحتاج لأكثر من قلبي، ليكتمل قلبك”. ص 78
إن هذه الجملة لا تعبر فقط عما أوردته بشأن لجوء الشاعرة إلى كسر رتابة السرد، ولكنها تعبر أيضا عن أمر أساسي، هو أن انغماسها في المأساة الكردية لم يمنعها من كتابة ذاتها الأنثوية، والاحتفاظ لها بكينونتها ووجودها المستقلين. وبالتالي فهي انتبهت في الكثير من المواقع إلى الجسد وإلى كل ما يعتمل فيه من الحب ومن خلجات العشق. إنها إذن لا تكتفي باستعادة هويتها وانتمائها إلى الوطن المتشظي والموزع بين هويات متنازعة، بل تعمل في نفس الوقت على التمسك بهويتها الأنثوية في كبريائها وانكسارها:
أرني، أنظر إليك
إما ينزغنك مني نزغ
اذكرني في نفسك
تقربا ورغبة
انقشني على يدك
افرط خرزي
لنرتعش أكثر. ص 92
تجمع خلات أحمد إذن في مجموعتها الشعرية الثانية “مذكرات زهرة الأوكاليبتوس” بين انشدادها للأرض باعتبارها الحلم الأكبر لها ككردية بلا هوية تعيش في المنفى، وبين انشغالاتها الذاتية كامرأة من خلال تعبيرها عما يعتمل في هذه الذات من حرائق العشق والرغبات، كما تجمع أيضا بين الشعر والسرد دون أن تترك للسرد المهيمن على الجزء الأكبر في المجموعة أن يبتلع لغتها الشعرية التي تستقي قوتها من زخم الصور ومن معجم متنوع وإن كان للطبيعة فيه النصيب الأوفر.