الرئيسية » دراسات » لنتعظ من التاريخ حتى لا تتكرر المأساة بعد سقوط الصنم (1)

لنتعظ من التاريخ حتى لا تتكرر المأساة بعد سقوط الصنم (1)

قبل التمهيد
وثيقة سرية لبيان سياسة نظام البعث البائد لتصفية الكرد والشيعة.
مقتطفات من التقرير السري للقيادة القطرية لحزب البعث االعربي الإشتراكي العراقي الداعي لإبادة الشيعة والكرد:
نظرا لطول هذا التقرير أقتطف منه المقتطفات التالية:
وقد خصت القيادة منذ وقت مبكر يمتد إلى عام 1972 بأن أهم مخبأين لقوى مضادات الثورة في العراق وعلى وقت طويل نسبيا هما:
1. الغطاء الديني
2. القضية الكردية
وقد وضعتها القيادة في جانب القوى المضادة هكذا وحسب التسلسل (القضية الدينية، وثم القضية الكردية).
وقد استخدمت القوى المضادة هذين المخبأين في أكثر من مناسبة، ولكن همة مناضلي الحزب وحصانتهم المبدئية وتضحياتهم الباسلة كانت تقف بوجه تلك المحاولات كالجدار الصلد الذي تتحطم عليه سهام الضربات الخبيثة واللئيمة. ومع كل هذا فإن القوى المضادة لم تشأ من إمكانية ما تستخرجه من نتائج من هاتين القضيتين مجتمعتين وفي آن واحد أو متفرقتين حسب معطيات كل مرحلة من مراحل الزمن التي مرت بها الثورة، وتنهك قواها من خلال هذين المخبأين تمهيدا لإسقاطها كما تحلم هذه القوى بعد أن فشلت كل وسائلها الفنية الخبيثة التي استخدمتها منذ ابثاق الثورة وحتى الآن.
لقد تصورت القوى المضادة من حساباتها المتيسرة أن الجو مهيأ لتحريك مخابئها من خلال الأغطية الدينية متخذة من الوضع الجديد في إيران المعادي للثورة كالأنظمة الأخرى، وواقعة مرة أخرى في مهاوي التقديرات المخطئة لقوى الثورة ومبدئية البعثيين … لذلك بدأت تُحرِك قواها من الخونة وكلابها السائبة مرة أخرى.

أيها البعثيون في كل مكان إلى :
التصدي الحازم بمبادراتكم الذاتية لكل فعل مضاد مهما كان لونه أو نوعه، وقمعه بالعصي والهراوات إذا كان لا يستخدم الأسلحة، والتصدي بالسلاح لمن يشهر السلاح بوجهكم، وإبادة أي مجموعة مسلحة إذا كان تسليحها جماعي واستخدامها للسلاح الجماعي. وأن يكون الرفيق عضو القيادة القطرية في كل مكتب مسؤولا عن إعطاء التوجيه ورسم الخطط للطوارئ المقتضية ضمن دائرة منطقته، وأن ينوب عنه ويعاونه نواب المسؤولين للفروع وأعضاء (الفروع والشُعَب) غير المرتبطة بالفروع في كل محافظة. وأن يبادروا في مواجهة الحالة بشكل فوري، وكذلك يفعل الرفاق أعضاء القيادات الأخرى وصولا إلى قيادة الفرقة عندما تستوجب الحالة المبادرة، والتصدي الفوري للفعل المضاد في وقت يقدر المسؤول احتمال تأخر رد الفعل للقيادة في التسلسل الأعلى على تبليغ القيادات حسب التسلسل وصولا إلى القيادة القطرية عبر الهاتف ووسائل اإتصال السريع… ينبغي أن تتذرعوا بالصبر المحسوب لكي تجبروا عدوكم أن يخرج من خنادقه إلى الألرض المكشوفة… أن ينزع الأقنعة عن وجههه لكي يراه كل الشعب على حقيقته، ولكي تصبح كل البنادق قادرة على تأدية مهمتها تجاهه بيُسر لكي تصيب منه مقتلا. ينبغي أن تحسبوا بتأني أي تصرف تقومون به تجاه القوى المضادة، لكي تجَردوها من أي احتمال لتعاطف الشعب معها… إن التأني والصبر الذي ندعوا إليه ليس ضد الثورية الذراع القوية من التصدي للعملاء، إذ أن هذا قد ورد في تعليماتنا وتوجيهاتنا كما في النقطة الأولى، ولكننا ندعوا إلى التأني الذي يوفر لكم أوسع الفرص وأفضلها لكي تسحقوا بلا رحمة أولئك العملاء في الوقت الذي يكون الشعب معكم وليس معهم، ومع كل هذا فإن خطأ غير متعمد لا يُقاس بتردد متعمد‘‘.
التوقيع
القيادة القطرية لحزب البعث العربي الإشتراكي
حزيران 1979

سياسة الجينوسايد لنظام البعث البائد بحق الشعب الكردي
تمهيد
هذا البحث الذي بين يدينا يوضح بجلاء سياسة محو الشخصية القومية الكردية التي انتهجها نظام صدام حسين في إقليم كردستان. ويبينُ الأساليب السياسية التي إتبعها ذلك النظام لإبادة الشعب الكردي، وتغيير المعالم الثقافية الكردستانية، وتشويه التاريخ والعداء لكل الأعراف والقوانين الدولية مستندا على أسس منهجية ووثائقية. فالتوقيع على إتفاقيات تكتيكية كإتفاقية 11 آذار 1970 مع القيادات الكردستانية يدخل ضمن مناورات النظام البائد لخداع الرأي العام الكردي والعراقي والعربي والعالمي. وعمليات الأنفال واستخدام الاسلحة الكيمياوية ضد الشعب الكري في كردستان، وقتل الأخوة الشيعة في جنوب العراق كانت سمة أساسية لطبيعة النظام، ونهجا عدوانيا ضد الإنسان أينما كان وكيفما وُجد.

تستند هذه الدراسة إلى الوثائق والتحليلات للسياسات العدوانية بحق الشعب العراقي، وما تعرض له الشيعة تحت طائلة ‘‘الغطاء الديني‘‘، كما أشرنا إليه في تقرير القيادة القطرية لحزب البعث العراقي، وضد الشعب الكردي على وجه الخصوص في سياسة محو شخصيته القومية تحت غطاء ‘‘القضية الكردية‘‘كما ورد في التقرير المذكور أعلاه أيضا، أو ما كنوا يسمون الكرد ‘‘العصاة‘‘، أو ‘‘المتمردون الكرد‘‘ حسب رؤاهم المريضة، لكن التاريخ لا يرحم أحدا، فقد شهد العالم عملية إبادة الشعب الكري في إقليم كردستان، ووقفَ هذا العالم أمام روحية صدام حسين الشريرة التي قضت على حرية العراقيين، وهدرت الكرامة الانسانية للشعب العراقي ككل. فحين يتجرد الإنسان من القيم الإنسانية والمثل الروحية يتجرد في النهاية من المثل السياسية العليا أيضا، ويكَونُ لذاته الأنانية المريضة منهاجا خاصا يكون فوق الطبقات والقوى السياسية والمثل الانسانية. فعراق نظام صدام لم يكن تحكمه طبقة أو فئة بقدر ما كانت تحكمه نفسية مريضة شريرة، الى درجة تجاوز بعض المنظمات الانسانية حدود الاستنكار بضرورة تقديم دكتاتور العراق إلى محكمة العدل الدولية، باعتباره أول شخص استخدم القنابل الكيمياوية ضد شعب البلد الذي حكمه. ولكن الله شديد العقاب للظالمين، فكان مصير الدكتاتور الإعدام شنقا حتى الموت.

مما تقدم أشير إلى أن المنهج الذي أتبعه في هذه الدراسة هو عدم التسليم بصحة أية فرضية أو فكرة أو ممارسة مطروحة بدون مناقشتها أو تحليلها أو التأكيد من خلفيتها بالرجوع إلى المصادر لتتجلى الحقيقة. فلا يمكن قبول البيانات والنداءات والإتفاقيات التي كان يروجها النظام العراقي البائد بدون عرضها وبحثها وتحليلها لنصل إلى حقيقة الفكر العدواني لذلك النظام، ولنفهم في الوقت ذاته عدالة القضية الكردية ونضال الشعب الكردي من أجل حقوقه العادلة.
تكون الانطلاقة من الأفكار المطروحة على المستويات الكرستانية والعراقية والإقليمية والدولية في دراستها وتحليلها لنستنبط أو نستنتج فكرة عامة نقتنع بها علميا وعمليا في سادية عقلية ذلك النظام الذي حكم العراق وكردستان بالمجازر وحملات الإبادة. لدينا مجموعة من النصوص والبيانات والوثائق من جهات مختلفة تعبر عن مفاهيم متباينة حول نفس الموضوع، وعلينا أن نعالج هذه الطروحات من زاوية البحث من الخاص إلى العام، وأحيانا من العام الى الخاص، بحياد ومنهجية. [1].

أهداف البحث
الهدف الأول من هذه الدراسة هو تبيان الحقائق لممارسات نظام البعث الصدامي البائد تجاه الشعب الكردي، وإتباعه سياسة محو الشخصية القومية للكرد في إقليم كردستان العراق. وتنظيمه عمليات الأنفال أعوام 1982-83، متخذا أسم سورة من سُور القرآن الكريم بأسم ‘‘سورة الأنفال‘‘، واستخدامه السلاح الكيماوي ضد الكرد في كردستان، وضد الشيعة في منطقة الأهوار.

الهدف الثاني هو ضرورة التأكيد على وحدة الصف الوطني في العراق، ولا سيما ما يتعلق بالقضية الكردية التي كانت العامل لعدم الاستقرار بفعل السياسات الظالمة التي كانت تنتهجها الأنظمة العراقية المتتابعة بغية تصفية القضية الكردية بالقوة، بدلا من حلها بالطرق الديمقراطية السلمية.

الهدف الثالث هو ضرورة التأكيد على الوعي الاجتماعي والحضاري من أنه لايمكن أن تنجح الديمقراطية في العراق، ولا يمكن إيجاد السلام والاستقرار بدون منح الشعب الكردي والأقليات القومية العراقية والدينية حقوقهم العادلة وضمان هذه الحقوق دستوريا على قدم المساوات مع الأغلبية العربية، والتأكيد على حكم القانون في إطار عراقي ديمقراطي فيدرالي موحد.

الهدف الرابع هو أن احتمال إنجراف النظام العراقي اليوم إلى مستنقع ممارسة القوة بحق الكرد والأقليات القومية والدينية في العراق، يجر العراق إلى ساحات الحرب والاضطرابات والعداوات، ويُرجع العراق إلى المربع الأول كما كان في عهد البعث الدكتاتوري البائد. وإذا كان الظلم في السابق تحت قبعة الاستبداد العلماني الكاريكاتيري البعثي، فسيكون اليوم، لا سمح الله، تحت العمامة الكاريكاتيرية الدينية. وهنا يكون الخطر أعم واشمل، لأنه عندما يتحول الدين إلى أداة للإضطهاد، فإنه يتحول إلى عامل فاشي لتصفية جميع الخيارات الأخرى، باعتبار أن الدين في هذه الحال يحتكر الحقيقة لذاته بأسم الله، ولكن الله برئ من الظلم، وقد حرم الله تعالى الظلم على نفسه وحرمه بين عباده، لذلك قال في الحديث القدسي: ‘‘لاتظالموا‘‘. ويؤكد القرآن الكريم أن الله لا يهدي القوم الظالمين. قال تعالى: ((والتَّقوا فتنةً لا تُصيبنَّ الذّين ظلموا منكُم خاصَّة واعلموا أنَّ الله شَديدُ العِقاب))، (سورة الأنفال/ آية 25). ويقول: ((فَويلُ للَّذين ظَلموا مِن عَذابِ يومٍ أليم))،( سورة الزخرف/ آية 65). ويقول:((ولا تَحسَبنَّ اللهَ غافلاً عمّا يَعملُ الظّالمون إنَّما يُؤَخرُهم ليومٍ تَشخَصُ فيه الأبصار))، (سورة إبراهيم/ آية 42). ومئات الآيات القرآنية الأخرى.

تحديد المفاهيم
قال الحكيم الصيني كونفوشيوس: ينبغي أن نحدد المفاهيم حتى نستطيع أن نتفاهم. ومن هنا أقول لابد من فهم الوعي الكردستاني بالتاريخ لمعرفة مسيرة هذا الشعب بجوانبها السلبية والإيجابية. وهنا يجب تحديد مفهوم الوعي.
الوعي “طاقة ذهنية لها حضور إدراكي وجودي قادر على الاختيار أو الانتقاء النقدي. ومعرفة الصواب من رموز الواقع وأحداثه. ومن ثم فإن للوعي القدرة على أن يستشف المستقبل وأن يحس به إحساسا غامضا أو أن يوقف به إيقافا غامضا” [2].

ويتميز الوعي بـ “القدرة على التقييم والتقدير، والقدرة على الفقل الإيجابي في تلقائية حرة”[3]. لكن وعي الكرد
بالتاريخ الكردي، وتجارب الكرد الفاشلة وما أكثرها، وتجاربهم الناجحة، وما أقلها، وضرورة ربطها بالحاضر، ودراستها من أجل المستقبل، لا يتطلب مجرد الوعي بالماضي والحاضر وربطهما بالمستقبل، إنما لابد من بلورة هذا الوعي إلى وعي اجتماعي حضاري في المجتمع الذي يعيش فيه الكرد. وعليه ينبغي فهم ما نعنيه بالوعي الاجتماعي.
الوعي الاجتماعي: “هو مجموعة الآراء السياسية والحقوقية والأخلاقية والفنية والفلسفية والدينية والمعارف العلمية الموجودة في المجتمع المعني”[4].

المنطقة الجغرافية
إقليم كردستان هو مصطلح جديد نسبيا إن صح القول، استعمله الكرد في السنين الأخيرة على المناطق التي تضم كرستان الجنوبية المعروفة بـ {{كردستان العراق}} المعروفة سابقا بـ {{ولاية الموصل}} التي كانت خاضعة للأمبراطورية العثمانية إلى نهاية الحرب العالمية الأولى. وبعد ذلك احتلتها القوات البريطانية وألحقتها بالعراق عمليا عام 1918. وفي 1925-1926 اقترحت اللجنة المكلفة من عصبة الأمم بالتحقيق في القضية المعروفة بـ {{ولاية الموصل}} بوجوب إنشاء دولة كردية مستقلة في حالة الأخذ بالنواحي العرقية. أما في حالة الأخذ بالنواحي الاقتصادية فأوصت اللجنة بضم ولاية الموصل جنوب خط بروكسل إلى العراق[5] ، وتضم جميع المحافظات الكردستانية (السليمانية وكركوك وأربيل ودهوك) إضافة إلى جميع الأقضية والنواحي والقرى وتوابعها العائدة لهذه المحافظات، بما فيها المدن التي تمت تعريبها لاحقا مثل خانقين وزمار والشيخان ومندلي وسنجار وطوزخورماتو إلى العراق، البلد الذي كان ضمن الأمبراطورية العثمانية. إنه العراق الجديد، الدولة القومية التي أصبحت تحت الإنتداب البريطاني بعد الحرب العالمية الأولى بموجب إتفاقية سايكس بيكو الموقعة بين بين بريطانيا العظمى وفرنسا وروسيا القيصرية. وسحبت منها الأخيرة بعد ثورة أكتوبر البلشفية المعروفة بالثورة الإشتراكية التي قادها لينين.
استمرت سياسة التعريب والقتل العام في إقليم كردستان إلى سقوط النظام الصدامي البائد عام 2003، مستثنيا منها المناطق التي تحررت من النفوذ البعثي الصدامي عام 1991. لسنا هنا بصدد تفاصيل الرجوع إلى الثورات والانتفاضات الكردستانية في إقليم كردستان، إعتبارا من حركة الشيخ عبد السلام البرزاني ومرورا بثورات الشيخ محمود الحفيد في العشرينات من القرن الماضي إلى حركات بارزان في الأربعينات من نفس القرن، ثم ثورة أيلول التي قادها البارزاني الخالد عام 1961 إلى 1975، وأخيرا ثورة أيار 1976 نكسة 6 آذار 1975، وانتهاء بالانتفاضة الشعبية عام 1991 إلى سقوط صنم ساحة الفردوس في 9 نيسان/أبريل 2003.
نحن هنا بصدد تبيان ماتعرض له الشعب الكردي من سياسة محو شخصية القومية، ولاسيما في سنين الحكم البعثي الصدامي، ونرجئ الجوانب الإقليمية والدولية إلى دراسات تنشر لاحقا إن شاء الله.

طبيعة النظام البعثي الصدامي العدواني وممارساته في المحك العملي
من خلال تحليلنا لطبيعة نظام البعث صدامي نصل إلى نتيجة حتمية وهي أنه تكون من الميكيافللية، النازية، الفاشية، النيتشوية، الغراندية، الستالينية، الماسونية، العفلقية والشوفينية.
كيف يكون ذلك كذلك؟ هذا ما نلخصه أدناه.
هذا المزيج المتناقض يشكل وحدة تجعل ذلك النظام عدوانيا يتباهى بجنونه الهداّم. وهذا الجنون بلغ درجة اليأس الى حد استعمال القنابل الكيمياوية في إقليم كردستان وأهوار الجنوب العراقي، وقتلْ آلاف الأطفال والنساء بحجة خروجهم عن الدستور العراقي الذي شرعه الدكتاتور صدام حسين. فالمواطن الذي يناضل من أجل الحرية والديمقراطية يعتبر خارجا عن النظام والوطنية في عرف النظام البائد، لذلك يجب تعذيبه أو تسميمه أوقتله. بل يجب قتْلَ أطفاله الأبرياء أو تسميمهم بالعقاقير المحرمة دوليا أو احتجازهم واغتصابهم.
لجأ النظام البعثي الصدامي إلى تشكيل قوات خاصة ومرتزقة من عرب وأكراد للحفاظ على كيانه، وإرساء قواعده بين الناس. وقد استمد هذه الفكرة من ميكيافللي. يقول ميكيافللي: “إن القوات المسلحة التي يعتمد عليها الأمير في الدفاع عن ممتلكاته، إما تكون خاصة به أو مرتزقة أو رديفا أو مزيجا”[6]. ويتابع ميكيافللي: ” ويتجنب الأمير العاقل مثل هذه القوات (المرتزقة الإضافية) ويعتمد فقط على قواته الخاصة” [7]. فالقوات الصدامية الخاصة، نسبة إلى شخص صدام حسين، كانت من هذه التشكيلة، على غرار التشكيلات الفاشية. وقد تجنب صدام أحيانا المرتزقة، واعدم عدد كبير من الآغوات الكرد الذين خدموه من الدوسكيين والزيباريين والريكانيين. وخير مثال هو إعدام جعفر البيسفكي. حيث جمع النظام عددا كبيرا من الآغوات والمستشاريين الذين خدموا النظام وقادوا المرتزقة لضرب الحركة التحررية الكردستانية. وجاء أزلام النظام بجعفر بيسفكي، وسحبوا منه الدم إلى أن جف ثم رموه على قارعة الطريق أمام أنظار قادة المرتزقة الآخرين، ليكون عبرة لكل مَن يخالف تعليمات الحاكم المطلق.

وقد ذهب صدام أبعد من مكيافللي، فهو الرئيس المستبد والدكتاتور الظالم، لايعتمد على جهاز خاص لأنه كان مشكوكا حتى النهاية بكل جهاز من أجهزته الخاصة والعامة إلى درجة أوجد أجهزة ارهابية تراقب بعضها البعض وتحت تصرفها ملايين الدولارات، وهي في النهاية ترجع إلى مؤسسة صدام حسين. ومن هذه الأجهزة على سبيل المثال:
الأمن الخاصة لحماية صدام حسين نفسه. الاستخبارات العسكرية لمراقبة تحركات الجيش. استخبارات المنظومة الخاصة بحزب البعث العفلقي. المخابرات العامة لملاحقة معارضي النظام في الداخل والخارج. الأمن العامة لإرهاب الجماهير في الداخل. مكتب استخبارات الشمال.
هذا ناهيك عن الأجهزة العائدة للارهابيَين عدي وقصي.

كان صدام حسين رئيس الجمهورية، وقائد عام القوات المسلحة، ومارشال وفريق جو، وعميد مشاة وقائد بحري، ورئيس مجلس قيادة الثورة، ورئيس القيادة القطرية لحزب البعث العفلقي.
منح نفسه عدة أوسمة، فهو قائد قادسيته المشؤومة بشن الحرب على جمهورية ايران الاسلامية التي ذهب ضحيتها نصف مليون عراقي لمدة ثماني سنين. ثم العدوان على الجارة دولة كويت باحتلالها وهتك أعراض الناس فيها. تبتعتها ممارسة سياسة الإبادة الشاملة وقصف المدن والقرى الكردستانية بالطائرات، والعمل على طرد ما تبقى من الكرد الى خارج الحدود، وتغيير معالم كردستان ومسخ ثقافتها، وتشويه التاريخ الكردي، وضرب الانتفاضة الكردستانية التي اندلعت في مارس/ آذار 1991 في إقليم كردستان، والانتفاضة الشعبانية في الجنوب العراقي.

المنطقة الآمنة (الملاذ الآمن)
تدخَل المجتمع الدولي، وبهذا التدخل تم تشكيل المنطقة الآمنة، (الملاذ الآمن) بقرار من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية في شمال خط عرض 36 أوقف العدوان العراقي أوقف تلك المأساة. وتبعه قرار مجلس الامن الدولي المرقم 688 في 5 أبريل/ نيسان 1991 الذي عزز الموقف الكردي دوليا، وبذلك قفزت القضية الكردية إلى الساحة الدولية، حيث قضى القرار بوقف ملاحقة الكرد ووضع حد لقمعهم، وضرورة إمدادهم بالمعونة الانسانية. وبذلك فشلت خطط صدام حسين ونظامه الدكتاتوري القاضي بإبادة الشعب الكردي.

عودة إلى طبيعة سياسة النظام البعثي الصدامي
اعتقد صدام حسين أنه يمكن إبادة شعب كامل بالقوة العسكرية. فسياسة الأرض المحروقة والقتل العام وممارسة فن الحرب مجدها الفيلسوف الألماني نيتشه، وتبناها غراندي وموسوليني وهتلر، ودعى اليها ميكيافللي، وهو يقول: “على الأمير أن لا يستهدف شيئا غير الحرب وتنظيمها وطرقها، وأن لايفكر أو يدرس شيئا سواها، إذ أن الحرب هي الفن الوحيد الذي يحتاج اليه كل مَن يتولى القيادة”[8].
وأكد أدولف هتلر أيضا على أهمية ممارسة الحرب من أجل توسيع الأراضي الألمانية، فكان مصيره أن انتحر. قال هتلر: “إن حدود الدول هي من صنع البشر وتبديلها يتم على أيدي البشر”[9].
من هنا يتجلى لنا أن الحل النظري للمسألة الكردية في إتفاقية 11 آذار 1970 كان حلا منبثقا من فكر عسكري في ثوب صلح مزيف، كتكتيك لكسب الوقت من أجل تصفية القضية الكردية بالقوة العسكرية لاحقا. وهذا يقودنا إلى الاختلاف بين (الحل النظري السلمي) كوسيلة، و(الحل العملي العسكري) كمحك لحقيقة النظام الدكتاتوري الاستبدادي كغاية.

التاريخ يتحدث عن نفسية صدام حسين في عمليات القتل العام
حتى يكون للكرد وعي بالتاريخ.
تمكن الشعب الكردي أن يجبر النظام البعثي العراقي ان يجلس على طاولة المفاوضات للإقرار بحقوقه ضمن اتفاقية 11 آذار 1970. ولقد وافقت قيادة الحركة التحررية الكردية ببنود الاتفاقية التي اقرت بالحكم الذاتي الحقيقي للكرد في إقليم كردستان، وضرورة تنفيذ كافة بنود الاتفاقية خلال أربع سنين، ومن ثم اصدار قانون الحكم الذاتي. وأقرت اتفاقية 11 آذار بوجود قوميتين رئيسيتين في العراق هما القومية العربية والقومية الكردية، وأدخَل النظام هذا البند في الدستور العراقي المؤقت. كما اعترفت الاتفاقية باللغة الكردية الى جانب اللغة العربية، ودراستهما في المدارس العراقية. وذكرت الاتفاقية بضرورة إعمار اقليم كردستان، وإرجاع الاوضاع الاستثنائية الى حالتها الطبيعية. واعلنت الحكومة العراقية العفو العام عن السجناء والمطلوبين الكرد كافة.
وقال صدام حسين في إطار سياسته التكتيكية لخداع الكرد والرأي العام العراقي والعالمي، بصدد القضية الكردية: إنها {{ بالنسبة لشعبنا في العراق، من حيث واقعها وجوهرها، هي قضية قومية ديمقراطية}} وأضاف: {{قضية قومية ديمقراطية مشروعة}} [10].
وقال أيضا: {{ان السلطة المركزية تكون خاسرة اذا ما عالجت القضية الكردية بتصور عسكري}} [11]. ولكن انكشفت ديماجوجية صدام حسين من ان اتفاقية 11 آذار كانت تكتيكا لضرب القضية الكردية وتصفيتها بأشكال اخرى بعد ان عجز عن هزيمتها بالقوة العسكرية. فقال: {{اما ان يوجد عشرة اشخاص في أعالي الجبال، او مائة او اي عدد آخر من ذلك في يوم ما يعارضون الثورة، فليس هذا بذي بال}} [12].

عند حلول الذكرى الرابعة لإتفاقية 11 آذار أعلن نظام البعث الصدامي من جانب واحد قانونا سماه (قانون الحكم الذاتي لمنطقة كردستان) عام 1974. وهذا القانون ليس فيه من الحكم الذاتي إلا إسمه، وهو أقرب الى نوع من الادارة المركزية منه الى الادارة اللامركزية، كما أن القانون لم يحدد أقليم كردستان. وصلاحيات هيئات الحكم الذاتي الواردة في القانون المبتور لا تتعدى حق الإقتراح اضافة الى عدم مساهمة الشعب الكردي في السلطة المركزية. وكان القانون منافيا لبنود اتفاقية 11 آذار 1970، حيث أفرغ الحكم الذاتي من مضمونه العملي. فكان لابد للحركة التحررية الكردية من جولة اخرى من النضال المسلح للدفاع عن حقوق الكرد المشروعة. وأعلن النظام البعثي العراقي في بغداد هدفه الحقيقي من عقد اتفاقية 11 آذار 1970 على صفحات جريدة (الثورة الحكومية): {{ن النضال لتصفية هذه الزمرة تصفية نهائية او اجتثاث جذورها وفروعها، مهمة وطنية مقدسة}} [13].

فشل النظام العراقي في اخماد الثورة الكردية، فسياسة الأرض المحروقة والحملة العسكرية التي نظم لها صدام حسين كشفت زيفَه وعدوانيته. فقد قُتِل خلال سنة واحدة حوالي (60) ألف عراقي منهم (14) ألف جندي ومرتزق عائدين للنظام العراقي من فترة اعلان قانون الحكم الذاتي في آذار 1974 الى فترة التوقيع على اتفاقية الخيانة في 6 آذار
1975 بين الشاه الايراني محمد رضا بهلوي وصدام حسين في الجزائر، وبمباركة امريكية اردنية مصرية جزائرية.
بعد اعلان اتفاقية 6 آذار 1975، وتنازل العراق عن قسم من الاراضي العراقية بما فيها شط العرب، ومرور الحدود بخط الثالوب لصالح ايران، أكد الجانبان في البند الثالث من الاتفاقية مايلي:
“بناء على كل هذا سيعيد الطرفان الامن والثقة المتبادلة على طول حدودهما المشتركة وذلك من اجل وضع حد نهائي لكل التسللات ذات الطابع التخريبي من حيث أتت”.

وبدأ نظام صدام حسين العفلقي يخطط لحملة ابادة شاملة ضد الشعب الكردي، وترحيل الكرد من قراهم، وتعريب المدن الكردستانية الاستراتيجية. وصرح صدام بصدد ترحيل الكرد بعد تلك الاتفاقية الخيانية:
{{ لابد من استكمال بعض المستلزمات الاخرى مثل ضبط الحدود، والترحيل من الحدود بعمق عشرين كيلومترا لكي لا يحدث أي تسلل، وايجاد اجهزة لتقصي المعلومات والنزعات الشريرة وابقاء جيش في المنطقة وتوزيعه على شكل معسكرات معينة وشق الطرق في الجبال}} [14].
وهكذا عالج النظام البعثي العراقي القضية الكردية بتصور عسكري صرف. ذلك ان الماكنة العراقية العسكرية وجدت نفسها في وضع مالي وعسكري افضل عام 1974. ولقد حدد الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي تفاوض على اتفاقية 11 آذار 1970، اهداف البعث من الاتفاقية، وذلك في كونفرانسه الموسع في فينا عام 1976 بما يلي:
{{ أما الاسباب الحقيقية لإتفاقية 11 آذار … فكانت الافلاس المالي، وفشل الحملة العسكرية لعام 1969 والتي تكللت بانتصارات ملحوظة للثورة في سورداش ومركه ودولي شهيدان، وتعمق الخلافات في قيادة البعث، حيث كان استمرار القتال من شأنه ترجيح كفة العسكريين وبهذا ظهر نائب رئيس مجلس قيادة الثورة بمظهر بطل 11 آذار … ولم يكن 11 آذار بالنسبة للبعث الا تغيير التاكتيك ازاء الثورة الكردية التي كانوا يهدفون القضاء عليها، فأرادوا تحقيق ماعجزوا عن تحقيقه عسكريا، عن طريق التآمر والاغتيالات. ولم يكونوا صادقين للحظة واحدة في منح الشعب الكردي حقوقه … فخلال شهر نيسان 1970 صرح احد أعضاء القيادة القطرية لمجلة بيروتية بأنهم سيجردون البارزاني من جميع عناصر قوته بواسطة بيان آذار. وأثناء احتفالات توقيع الاتفاقية سأل صحفي مصري، محافظ كركوك فيما اذا كانوا سيجرون الإحصاء السكاني فعلا، فأجاب المحافظ سيتغير الواقع السكاني لهذه المناطق حتى حلول وقت الاحصاء}} [15].

لقد تغير الوضع السكاني فعلا، ولم يجر أي احصاء سكاني في مدينة كركوك إلى اليوم، بفعل سياسة التهجير والتعريب والقتل التي تمارس بهمجية يتصور المرء معها انه يعيش في القرون الوسطى.
بعد اتفاقية الجزائر في 6 آذار 1975 كانت التساؤلات توجه الى السلطة العراقية “ماذا سيكون مصير الحكم الذاتي؟” وكان صدام يجيب: “كان الحكم الذاتي قرارا جريئا، وكان قرارا مبدئيا صحيحا لشعبنا الكردي، وما زال، وسيستمر”.
ووصف صدام اتفاقية 11 آذار 1970 انها {{ تسوية كاملة وحقيقية، وثابتة، وسياسية ودستورية، تؤكد الاخوة الدائمة بين العرب والاكراد}} [16]. تلك الكلمات كانت جميلة، ولكننا نتساءل أين الحكم الذاتي؟ ماذا كان يقصد صدام حسين بالقرار المبدئي الجريء لشعبنا الكردي؟ وماذا كان يعني بالتسوية السياسية والدستورية؟ وما هو مفهوم الاخوة العربية الكردية في عرفه ودستوره؟

نشرت جريدة (الوقائع العراقية) رقم 2856 الصادرة في 2/11/1981 قرار مجلس قيادة الثورة رقم 1391 يتضمن اجراءات شوفينية لتنفيذ أكبر حملة تهجير وتعريب في كردستان الجنوبية (كردستان العراق) وذلك بنقل (20) ألف عائلة كردية من محافظة كركوك الكردستانية الى محافظات القادسية والمثنى وذيقار والانبار العربية استنادا الى أحكام الفقرة (أ) من المادة الثانية والأربعين من الدستور المؤقت التي أعطت الصلاحية لمجلس قيادة الثورة البعثية باتخاذ هذا القرار بجلسته المنعقدة بتاريخ 20/10/ 1981[17]. أن الفقرة (أ) من المادة (42) من الدستور المؤقت، هي المادة التي شرعها مجلس قيادة الثورة البعثي العراقي بمعزل عن الشعب العراقي، وتعطي الشرعية لمشَرِّعها إبادة الشعب الكردي وحرق وقتل أبنائه دون مراعاة الضمير الإنساني والمواثيق الدولية، ولاسيما ميثاق الأمم المتحدة الذي وافق عليه العراق. كما أنها منافية للعرف والعادات والمثل الأخلاقية.
لقد مارست الأنظمة العراقية طبقا لتعبير السيد (ماجد عبد الرضا) سياسة:
{{ صهر الأكراد في بوتقة القومية العربية ولا يخفى على أحد القصد من هذا التشويه ومن الاجراءات المرافقة له. فالذين يضطهدون الأمم والشعوب الأخرى ويجزؤون أوطانها بحاجة الى نشر الأكاذيب التي يبررون بها الاضطهاد والسيطرة على أراضي الغير}} [18].
إن سياسة القرى العصرية التي يحشد فيها أبناء الشعب الكردي، لاتختلف كثيرا عن السياسة الأمريكية التي طبقت في فيتنام، والسياسة الاستعمارية الفرنسية في الجزائر في فترة حرب الاستقلال، وهي سياسة جمع الفلاحين في قرى استراتيجية قريبة من معسكرات الجيش. وأثبتت التجارب فشل تلك السياسات.
وعلى هذا الاساس تميزت النظم التي حاربت شعبنا منذ عام 1961، بالعنف والهزال السياسي والعزلة عن الشعب والحماقة والغباء والظلم والاستبداد والعدوان. ويبرر صدام حسين سياسة القتل والتعريب والتهجير والحرق على أساس أنها مجرد أخطاء تبدو طبيعية، وهو يقول: {{ أنا أقول لأول مرة، ولم أقل هذا حتى في القيادة، انه أمام هذه الصورة كلها فإن الأخطاء التي حصلت تبدو لي طبيعية }}[19].

هذا التبجح كان منافيا للمواد 19-36 من الدستور العراقي المؤقت الذي شرعه صدام حسين نفسه في حكمه، لأن تلك المواد تشير الى ممارسة الحريات العامة وحماية حقوق الانسان.
حاول حزب البعث الحاكم أن يجبر أبناء الشعب الكردي بالانضمام الى حركته، بأسم الدفاع عن الثورة والوطن، وتوهيم الكرد أنهم منتمون الى حركة انسانية. لكن الحقيقة هي أنها حركة تعريبية شوفينية ارهابية. فإذا ألقينا نظرة الى بروتوكولات الماسونية نرى أن المادة (11) تقول: {{ ماهو السبب الذي دفعنا أن نبتدع سياستنا؟ ونثبت أقدامها عند غير اليهود؟ لقد رشحناها في أذهانهم دون أن ندعهم يفقهون ما تبطن به معنى}} [20].
حاول نظام صدام حسين توطين الفلاحين المصريين العرب محل نصف مليون كردي اجبرهم على الهجرة الى صحاري جنوب العراق. وفي معرض رد صدام حسين على سؤال من الصحفية المصرية (سكينة السادات) بتاريخ 19/1/ 1977 عن ما سمي بمشروع اقتصادي عراقي، قال:
{{ فنحن عندما نفتح الأبواب، ونستعين بإخواننا في مصر على مساعدتنا في فتح أبواب القطر المصري لمجيء الفلاحين المصريين أو غيرهم، فإننا لا نهدف في هذا الى تحقيق عامل اقتصادي مجرد، كما يصور أحيانا، ولا يقع اجراؤنا هذا ضمن تصور أن لدينا أرضا وماء، وليس لدينا فلاحون، فليس هذا هو السبب المركزي لهذه الفكرة، وانما السبب المركزي فيها هو تطبيق أفكارنا}} [21].

قال نيقولو ميكيافيللي: {{ ومهما عمل الحاكم الجديد، فإنه لن يستطيع أن ينسى أهلها، أسم مدينتهم أو أعرافها، إلاّ إذا مزقهم شر ممزق، وفرقهم في كل صقيع }} [22]. وهذا عين ما فعله صدام حسين بتطبيق أفكاره بعملية تهجير أبناء الشعب الكردي الى صحاري الجنوب وترحيل الكرد الفيليين إلى إيران،حيث كانوا يعتبرون دعامة اقتصادية وفكرية للحركة التحررية الكردية.
خرقَ مجلس قيادة الثورة العراقي الذي كان يرأسه جلاد الشعب صدام حسين، نصوص الدستور العراقي كل يوم ألف مرة، لأن المتأثرين بالفكر الميكيافللي والفكر الفاشي لا يعرفون معنى الحرية، ولا يفهمون قدسية الدستور. يقول ميكيافللي بالنص: {{ وكل مَن يسيطر على مدينة لايقوم بتهديمها، يتعرض هو للدمار فيها، لأنها ستجد دائما الحافز على العصيان بأسم الحرية . . . التي لايسدل الزمن عليها سجن النسيان }} [23].
منذ مارس/آذار 1987 اعلن النظام الصدامي عن عمليات الأنفال التي اعتبرت أشرس عمليات الابادة الجماعية بحق الشعب الكردي. وقد استمد البعث مصطلح (الانفال) من القرآن الكريم. حيث توجد سورة باسم (الأنفال)، وهي السورة الثامنة من القرآن الكريم. وتقول الآية: ((يسألونَك عنِ الأنفالِ قُلِ الأنفالُ لله والرَّسول فاتَّقوا الله وأصلِحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسولَهُ إن كنتم مؤمنين))[24]. ومعنى كلمة الأنفال هي (الغنائم)[25]. وبهذا استغل نظام صدام حسين الاسلام لغاياته الشخصية، وجعل من أرواح الكرد غنائما، والاسلام براء من كل ذلك.
حملات القتل والتدمير والابادة والنهب والاعتداء على الكرامة بحق الشعب الكردي وصلت الى ذروته بين عامي 1987-1988، تبعتها مجزرة مدينة حلبجة الشهيدة. ففي هذه الحملات الأنفالية البغيضة تم حرق أربعة آلاف قرية، وقتل 182 ألف من المدنيين الكرد أطفالا ونساء وشيوخا وشبابا. لقد كانت عملية إبادة شاملة ضد شعب آمن لم يعتد على أحد، وجريمته أنه طالب بحقوقه القومية العادلة في أطار العراق.

مجازر دموية وعمليات ابادة شاملة
أقدمَ نظام البعث الصدامي في العراق على قتل وذبح آلاف الكرد، وارتكب مجازر عديدة سبقت مجزرة حلبجه الشهيدة، منها على سبيل المثال وليس الحصر:
مجزرة دوكان عام 1969
مجزرة داكا في 9 أغسطس/ آب 1969
مجزرة صوريا في سبتمبر/ أيلول 1969
مجزرة قلعه دزه في 24 أبريل/ نيسان 1974
مجزرة زاخو في 30 أبريل/نيسان 1974
مجزرة شارستين في 26 ديسمبر/كانون الأول 1976
مجزرة مخيم زيوه للمشردين الكرد في ايران في 9 يونيو/حزيران 1985
وفي 15 أبريل/نيسان عام 1987 بدأ النظام العفلقي الفاشي باستخدام الاسلحة الكيمياوية والبايولوجية ضد القرى والمدن الكردستانية في مناسبات كثيرة، منها على سبيل المثال وليس الحصر:
قصف قرى (هه لان، به ركه لو، كانيو، جنارا، ئاوازه، سه روان وتوليكه) في منطقة السليمانية في 15/4/1987.
قصف قرى (شيخ وسان، توتمه، زه ني، خاتي، بالوكاوه، ئالانا وداراش) في منطقة أربيل.
سقطت القنابل الكيمياوية على قرى (قيزله ر، سينكر وميولكا) في منطقة السليمانية في 17/4/ 1987.
هاجمت الطائرات الحربية العراقية وادي باليسان بالقنابل الكيمياوية بشكل مكثف في 19-21/4/1987.
مجزرة حلبجه في 16-17/3/1988. وأسفرت عن استشهاد أكثر من (5000) كردي أغلبهم من الأطفال والنساء والشيوخ. حيث أفرغت ثلاث طائرات حربية عراقية حمولتها من القنابل الكيمياوية المكونة من غازات الأعصاب والسيانيد والميكوتورين على المنطقة. وقد نقل الصحفي السويدي (ستيفان هيرتن) هذه الفضيحة الى الصحف الأوربية حين زار المنطقة المنكوبة. ولم يجد أكثر من خمسة عشر شخصا في المدينة البالغة تعدادها (000 70) نسمة [26].
قصف مدينة قرداغ بالقنابل الكيمياوية في 12-27/3/1988. وقتل 75 مدنيا وجرح 100 شخص آخر في قرى جعفران واوليان [27].
قصف منطقة كرميان في منطقة كركوك في 14-27/4/1988.
مجزرة نازنين، هيران، وادي سماقولي، خانه، زارتي، داراش وكاردان في منطقة شقلاوة بمحافظة أربيل في 30-31م7/1988.
قصف قرى منطقة ميركه سور بمحافظة أربيل بالقنابل الكيمياوية في 1/3/1988.
قصف قرى منطقة العمادية ومجازر قرى مدينة زاخو بمحافظة دهوك، وقرى منطقة شيخان بمحافظة نينوى، وقرى منطقة شقلاوه بمحافظة أربيل في 25/8-1/9/1988.
مجزرة شيخ بيزني بمحافظة كركوك في 11/10/1988.
مجزرة جه مي ريزان بمحافظة السليمانية في 4/10/1988.
قصف قرى منطقة جه مي ريزان وقه لاشيره وكه رجينان في 3/5/1989.
هذه المجازر ضد المدنيين الكرد بأسم الانفال السيء الصيت أجبرت مئات الآلاف من الكرد على ترك قراهم التي احترقت وأبيدت بعد توجه المشردين الكرد الى الحدود التركية والايرانية، وبعد استشهاد الآلاف من الاطفال والنساء والشيوخ والشباب. كما تعرض آلاف الكرد الذين هربوا الى تركيا الى الضغط النفسي والاقتصادي من قبل السلطات التركية لاجبارهم الى العودة الى أتون الحرب وسياسة الابادة الجماعية بحق الشعب الكردي.

دَفن ثمانية آلاف بارزاني أحياء في صحارى الجنوب
جمع أزلام النظام الاستبدادي الصدامي ثمانية آلاف من الأكراد البارزانيين العزل في معسكر قوشتبه والمعسكرات الصدامية الأخرى، وقتلهم، وإخفاء جثثهم عن ذويهم. لقد فعل صدام تماما ماقاله ميكيافللي بأنه:
{{ يمكن للمرء أن يصل الى مرتبة الأمارة بوسائل النذالة والقبح كـ (اتوكليس الصقلي) الذي امتازت حياته ببالغ الشر والفظاظة في جميع مراحلها، ووصل الى أعلى المراتب فقرر أن يصبح أميرا ويحافظ على العرش بالعنف ودون اللجوء الى عون الآخرين. وفي أحد الأيام أعطى اشارة الى جنوده فقاموا بذبح جميع الشيوخ وبهذه الطريقة كان يتخلص من المنازعات الداخلية ويحكم البلاد }} [28].

شهود عيان يتحدثون عن مشاهد مأساوية عميقة في سياسة الجينوسايد
هنا أورد مشهدين من آلاف مشاهد المأساة العميقة التي تعرض لها الشعب الكردي بسبب مطالبته بحقوقه القومية المشروعة في إطار عراق ديمقراطي ينعم فيه الشعب العراقي كله بالحرية والمساواة.

المشهد الأول:
“المشهد قرية ورتي في قضاء رواندوز بمحافظة أربيل، وهي قرية كبيرة كانت تبلغ حوالي (600) عائلة آنذاك، وظلت حتى أيار بعيدة عن متناول الذئاب الفاشية. في 24 أيار عام 1988، وصلتها الحملة الشرسة، مغاوير وجنود لواء الحرس الجمهوري. فبدؤوا فورا باحراق المنازل، الواحد بعد الآخر. كانوا يهرولون وهم ينقلون النار من منزل الى منزل، فتعالى الدخان ألسنة اللهب. وخرج من بين الحرائق رجل وامرأة عجوزان لم يستطيعا الهرب، وبقيا بعد أن هرب الرجال والنساء والاطفال. الرجل (قادر علي زيرو) 82 عاما. المرأة (ستي رسول) 86 عاما. فأمسك بهما المغاوير أثناء محاولتهما الهرب من النيران. جروا المرأة العجوز الى الخرائب ,اعتدى عليها جنديان. وأما الرجل فصار الجنود يتقاذفونه كالكرة، وحملوه أعلاه ثم طرحوه بشدة، وسحبوه بقوة. إثنان من يدين، واثنان من رجلين حتى ندت منه أنه أغمي عليه بعدها، ثم قفزوا يركضون على بطنه. وغرس أحدهم حربة في صدره وأفرغ آخر صلية على طول جسمه. وفي هذه الأثناء جاؤوا بالعجوز نصف عارية وهي تبكي وتلطم، فركلها أحدهم بالجزمة من عقبها فسقطت على بطنها، وهرع آخر وأمسك بأحدى ذراعيها، ووقف آخر على ظهرها، فسحب الذراع بكل قوة، ثم قلبوها على ظهرها، فوقف اثنان على صدرها وأمسك آخر باحدى رجليها ولواها بكل قوة ثم سحبها فتقطعت وهكذا قطعوا أجزاء أخرى من جسمها. وجاء آخر ينهال على رأسها بجزمته بكل قواه حتى تعب، فتركها جثة غارقة في الدم. ثم مضوا الى قرية أخرى لاحراقها” [29].

وهناك مشهد آخر عن مأساة أم كردية في قرية (ملكان) الكردستانية التي تعرضت لقصف القنابل الكيمياوية عشية عيد الفطر المبارك عام 1988. شاهد العيان هو المرحوم سامي عبد الرحمن الذي قام بجولة في الارض المحروقة ليعيش مأساة الشعب الكردي الحي. ينزل سامي عبد الرحمن في القرية التي قدمت عدة شهداء “ويجد طفلة صغيرة شعرت أمها أنها تحتضر فأرادت أن تقبلها القبلة الاخيرة في المستشفى فأدارت الأم المصابة عينيها من أعلى رأس الطفلة حتر قدميها لإيجاد مكان غير محروق أو نازف فلم تجد إلا بقعة صغيرة من قدم طفلتها سالمة فوجهت عاطفتها المحترقة الى تلك البقعة في قبلة تغمرها الدموع” [30].
اعترافات نظام صدام بإبادة الكرد
في يوم 14 يونيو/حزيران عام 1987 صدر كتاب من أمين سر الدولة (علي موشدة كاظم) الى كافة المنظمات الحزبية البعثية يؤكد على سياسة التهجير الجماعي بحق الشعب الكردي وقتل كل مواطن أعزل، وإبادة الحيوانات التي تتواجد على أرض كردستان. وهنا أشير إلى نص القرار:

حزب البعث العربي الاشتراكي
أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة

قيادة شعبة زاخو
لجنة تنظيم أفواج الدفاع الوطني
العدد/س/ش/664
التاريخ:14/6/1987
سري للغاية وشخصي
الى كافة المنظمات الحزبية
م/قرار
تحية رفاقية
كتاب لجنة تنظيم أفواج الدفاع الوطني المرقم س.ش/ 1175 في 9/6/1987 المعطوف على كتاب مكتب تنظيم الشمال/ سري للغاية وشخصي/28/2650 في 3/6/1987 المتضمن مايلي:
1. يمنع منعا باتا وصول أية مادة غذائية أو بشرية أو آلية الى القرى المحذورة أمنيا بالمرحلة الثانية من تجميع القرى ويسمح للعودة الى الصف الوطني من يرغب منهم ولا يسمح الاتصال بهم من أقربائهم نهائيا إلا بعلم الاجهزة الأمنية.
2. يمنع التواجد منعا باتا للمناطق المرحلة من القرى المحظورة أمنيا والمشمولة بالمرحلة الأولى ولغاية 21/6/1987 للمنطقة المشمولة بالمرحلة الثانية.
3. بعد اكمال الموسم الشتوي والذي يجب أن ينتهي قبل يوم 15 أيلول/ تموز بالنسبة للحصاد ولا يجوز استمرار الزراعة فيه للموسمين الشتوي والصيفي لهذا الموسم أيضا.
4. يحرم كذلك رعي المواشي ضمن هذه المناطق.
5. على القوة العسكرية كل ضمن قاطعه قتل أي انسان أو حيوان يتواجد ضمن هذه المناطق وتعتبر محرمة تحريما كاملا.
6. يبلغ المشمولين بترحيلهم الى المجمعات بهذا القرار ويتحملون مسؤولية مخالفتهم له.
للتفضل بالاطلاع والعمل بموجبه- كل ضمن اختصاصه- مع التقدير.
ودمتم للنضال.
الرفيق
علي موشدة كاظم
أمين سر الدولة

ذكر المدير العام لأمن نظام صدام (فاضل البراك) في كتابه (حول الأمن القومي) بضرورة تغيير التركيب الاجتماعي في العراق. وهو يعني بذلك تنفيذ خطط صدام حسين بنقل الأكراد الى السعودية والسودان واليمن الشمالي، وفتح مجمعات سكنية للبقية الباقية منهم في صحاري الجنوب وجعل كردستان منطقة مهجورة أو أقليما عربيا، ذلك أن
فاضل البراك يعتبر القضية الكردية خطرا على الأمن القومي العربي.
اعترف وزير الخارجية العراقي (طارق عزيز) بالجرائم التي ارتكبها النظام العراقي في العهد البائد، وقال: “نحن نأمل أن يتفهم المجتمع الدولي الأساليب التي نستعملها لما أسماه، الدفاع عن شعبنا وقوميتنا”[31]. بذلك المنطق الأعوج والفكر المتخلف يريد طارق عزيز ان يبيد الشعب الكردي الذي يدافع عن حقوقه دون ان يعتدي على أحد، تحت حجة حماية القومية العربية التي لا تفهم قادتها العفلقيون الحرية وحقوق الانسان وحق الشعوب الاخرى في الحياة. وطبيعي أن الشرفاء من الشعب العربي براء من هذه الجرائم.
واعتقد صدام حسين أن من حقه استخدام كل انواع الاسلحة ضد المدنيين الكرد العزل للدفاع عن شعبه. ومن هنا
يرى المرء أن صدام حسين لايعتبر الكرد مواطنين عراقيين. واذا كان الامر كذلك فلماذا يُلام الكرد إذا ناضلوا من أجل دولة كرستانية مستقلة على أرض وطنهم كردستان ليخلصوا من ممارسات هذه العقليات الاستبدادية المتخلفة؟
أدلى سفير النظام العراقي في العاصمة البريطانية – لندن – في 6 يونيو/ حزيران 1989 بتصريح أعلن فيه عن خطة النظام العراقي بافراغ مساحات شاسعة من المناطق الحدودية بعمق 30 كيلومترا في مناطقها المتاخمة لإيران وتركيا وجنوب العراق، وايجاد حزام أمني حدودي بطول (1200) كيلومتر.
في الحقيقة والواقع لايشمل هذا الحزام المناطق العربية، إنما ينتهي طرفه الجنوبي عند آخر نقطة يسكنها الكرد. هذا إذا علمنا أن الحدود العراقية مع كل من تركيا وايران تبلغ حوالي 1700 كيلومتر طولا حسب تصريحات مسؤولين حكوميين.
إن ما اسماه السفير العراقي في لندن، بخطة الحزام الأمني لا تشمل في الواقع المناطق الجنوبية، وإلا لأمكن إخلاء مدينتي البصرة والفاو مثلا. إن الخطة هي في الأصل موجه لإخلاء مدن كردستان من شعبها الكردي، وقد تم تدمير أكثر من أربعة آلاف قرية كردستانية حينذاك، إضافة الى عشرات المدن الكردستانية التي تقع في عمق حوالي مائة كيلومتر عن الحدود، مثل مدينتي (سنكاو، وقرداغ) الكردستانيتين، اضافة الى اخلاء مدينة كركوك الكردستانية من سكانها الكرد.
وأعلن النظام العراقي الصدامي عن اخلاء المناطق الحدودية مع سورية أيضا بعمق 30 كيلومترا. وعلى هذا الأساس فإن القرى والمدن الكردستانية التي هدمت وأخلِيَت على الحدود الايرانية التركية السورية والتي سيتم هدمها واخلاء الشعب منها كليا ستكون أكثر من (40.000) أربعين ألف كيلومتر مربع أي ما يعادل حوالي أربعة أضعاف مساحة لبنان. [32].

السياسة العنصرية والجينوسايد منافية للمواثيق الدولية
السياسة العنصرية التي اتبعها نظام صدام حسين بحق الشعب الكردي منافية لـ (المعاهدة الدولية حول الغاء كافة
أشكال التمييز العنصري) والتي أقرت في الدورة العشرين للجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 21 يناير/ كانون
الثاني 1965. حيث تشير المعاهدة الى حظر والغاء التمييز العنصري بكافة أشكاله. وإقامة المساواة بين الناس، وحق الحريات العامة بغض النظر عن الجنس، البشرة، الانتماء القومي والعرقي.
كما أن التعذيب ممنوع كذلك في التشريعات العراقية آنذاك بموجب الفقرة 22 (أ) من الدستور. وتذكر الفقرة (127) من (قانون المرافعات القضائية لعام 1971) بأنه “يمنع استعمال طرق غير قانونية بحق المواطنين أو تهديدهم أو استعمال العقاقير”[33].
الاعتقالات الكيفية بحق المواطنين الكرد أمر عادي من قبل النظام البعثي العراقي. وينفذ أحكام الاعدام بحق كل مَن ينتمي لتنظيم سياسي آخر عدا حزب البعث العفلقي، الى درجة أن حكم الاعدام ينفذ بحق المواطن الذي ينتقد دكتاتور العراق صدام حسين حسب قانون شرع عام 1986.
وهذا خرق صريح (للميثاق العالمي للحقوق المدنية والسياسية)، ولا سيما المادة التاسعة بفقراتها الخمس، حيث تنص الفقرة الأولى:
‘‘لكل شخص الحق بالحرية والأمن الشخصي ويجب عدم تعريض أي شخص لإلقاء القبض أو الاعتقال الكيفي ويجب عدم
حرمان أي شخص من حريته باستثناء ذلك الحرمان الذي يجري على أساس وطبقا للاجراءات التي يحددها القانون‘‘ [34].

كما تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في9 سبتمبر/ أيلول 1975 اعلان يدين أي عمل تعذيب أو معاملة غير انسانية بحق الانسان. كما أن (الاعلان العالمي لحقوق الانسان) يشترط عدم تعريض أي شخص للتعذيب والقسوة. وأوصت الجمعية العامة بأن يكون الاعلان العالمي دليل عمل لجميع الدول. وقد وافق العراق رسميا في 3 سبتمبر/ أيلول 1979 بالالتزام ببنود الاعلان وتنفيذه عبر تشريعاتها وممارساتها. “يكون لكل فرد الحق في الحياة والحرية والأمن”[35]، كما أن عملية التعذيب والملاحقة منافية للمواد 5، 9 و12 من لائحة حقوق الانسان العالمية.

أما عملية التعريب اللاإنسانية فمنافية لبنود (لائحة حقوق الانسان العالمية)، ولاسيما البنود الثلاثة الاولى. حيث يقول البند الأول: كل الناس ولدوا أحرارا، ولهم نفس القيمة الانسانية والحقوق، ويجب معاملتهم على أساس الأخوة”.
أما سياسة ترحيل الكرد الفيليين وهم كرد أقحاح وعراقيون، فمخالفة للائحة حقوق الانسان العالمية. تقول المادة 15 مايلي:
1. لكل فرد الحق في الجنسية.
2. لايجوز سحب الجنسية من أحد أو اجباره بتغيير جنسيته.

وتقول المادة 7 مايلي:
جميع المواطنين متساوون أمام القانون ويتمتعون بحماية القانون بالتساوي . . .” [36].

إن سياسة القمع بحق أبناء الشعب الكردي في التعلم بلغته، واجبار التلاميذ الكرد بدراسة اللغة العربية ومنع دراسة اللغة الكردية في كردستان العراق منافية لـ (الميثاق الدولي لحقوق الانسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية) المصادق عليه من قبل الأمم المتحدة في 16/12/1966. وصادق العراق عليه عام 1971. ويؤكد (البند الثالث عشر) من الميثاق على حق كل فرد في التعليم في أن يطور نفسه ويحترم حقوق الانسان والحريات الأساسية في مجتمع حر ومن أجل تقوية الصداقة بين كافة الأمم والمجموعات العرقية أو الدينية للحفاظ على السلام.
إن عدم احترام نظام صدام حسين لتلك المواثيق الدولية يؤكد لنا مدى درجة عنجهيته ومعاداته لحقوق الانسان. فليس له قانون ولا عرف سوى شريعة الغاب. تلك هي أفكاره ومنهجه في الحياة، انسان سادي مريض همه احتكار السلطة وابادة كل معارض لشريعة الغاب. طبَّق سياسة العنف والارهاب لمحو الشخصية القومية للشعب الكردي والقضاء على الثقافة الكردية بكل مظاهرها الانسانية.

الكرد الفيليون ضحايا الارهاب العفلقي، فهل أنصفناهم؟
َحدَثنا كثيرا عن حلبجه واستشهاد آلاف الأبرياء في تلك المدينة الفاضلة في الحلقات السابقة، كما تحدثنا كثيرا عن
استشهاد ثمانية آلاف بارزاني اختفوا ودُفنوا أحياء في صحاري جنوب العراق. ولكننا لم نكن منصفين في بحثنا عن الأخوة الفيليين الذين كانوا رأس الرمح في نضال الشعب الكردي العظيم. فقد كانوا يمثلون وقود الثورة حين كانوا يدفعون الملايين من جهدهم وأتعابهم لتمويل الحركة التحررية الكردية ماليا ومعنويا. وكانوا من التجار الكبار في أسواق بغداد، وكانت كردستان تعيش في قلوبهم، كما كانوا هم يعيشون بين النيران التي تلتهب كردستان. وكان الكرد الفيليون يمثلون البركان الثائر لحرق الأعداء.
لقد وصلت درجة الارهاب لنظام صدام إلى استخدام وسائل النذالة والقبح بطرد مئات الآلاف من الكرد الفيليين من أماكن سكناهم حفاة عراة، بعد أن جردوهم من أموالهم وممتلكاتهم، وساقوهم بملابس النوم مجردين من كل هوية
ووثيقة، في شاحنات عسكرية، وفي ظروف قاسية الى الحدود الايرانية، بحجة أنهم ايرانيون. في حين أنهم أكراد
عراقيون ويشكلون رأس الحربة في النضال الكردستاني والحركة التحررية الكردية، حيث كانوا يمولون الثورة الكردية بالمال، وبالكوادر السياسية. نعم عُذِبوا وطُرِدوا، وقُتل الكثير منهم. فماذا فعلنا لهم؟ كيف جازيناهم وشكرناهم؟ ألم يستحقوا أن نمنحهم الحب ونجعلهم على رؤوسنا، ونحبهم لأنهم ضحوا من أجل الشعب كله؟ لم يكونوا أنانيين ولا تجار دم ولا جُباة ضرائب، بل كانوا من أولئك الذين قال فيهم عباس محمود العقاد في كتابه (الديمقراطية في الإسلام) : “إن في الكون حكما، وإن قضاء الحق فوق قضاء الأقوياء”. فقد كانوا يتحَدَِّون الصعوبات، وعاشوا عيشة صعبة في الملمات، وصدق توينبي في قوله “حين يزول التحدي تتهاوى الحضارة”.
الكرد الفيليون صنعوا الكثير من المجد بتَحَديهم للطغاة، وها نجد اليوم وزارات وبرلمانات كردستانية، فكم أعطينا لهؤلاء الذين أعطونا كثيرا؟ إنها مسؤوليتنا، فهل يفرَغ العقل عندما يفرغ فنجان القهوة من القهوة؟ كما قال سارتر. إنه يستحيل على الإنسان أن يقوم بأي عمل من الأعمال دون الاعتراف بالمعنى. لابد من شعور في أن ُنجزي هؤلاء الذين فسروا لنا معنى التاريخ الذي نعيشه اليوم، فلا ذات سامية إنما شعور بالذات لكي تصبح سامية.

العهر الثقافي العفلقي
في أي بلد في العالم يُقتَل الأبوين حين يتفوه طفل بريء في الروضة أن والده لا يحب صدام حسين. القنابل الكيمياوية التي تساقطت فوق رؤوس الكرد حادثة فريدة في العالم. حادثة تستنكرها النفس البشرية والأخلاق الانسانية، حتى أن هتلر رفض أن يستخدم القنابل الكيمياوية رغم وجود مخزون هائل من تلك الأسلحة في ألمانيا النازية سنين الحرب العالمية الثانية 1939-1945. وعندما سألوه عن أسباب امتناعه استخدام تلك القنابل، قال بأنه كان جنديا في الحرب العالمية الأولى وساهم في معركة أستُخدمت فيها تلك القنابل، فشعر بالدوار وتوتُر الأعصاب والأوجاع في البطن والمفاصل، وحين يتذكر تلك اللحظات يُصيب بالدوار فيمتنع عن استخدامها.

كان هتلر دكتاتورا عنجهيا نازيا وعنصريا لا انسانيا. فماذا يمكن أن يُقال عن نظام العهد الصدامي البائد الذي كان يحرق أطفال كردستان كل يوم بأسم ثقافة الوحدة العربية، وثقافة أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة، وبأسم ثقافة الانفال وحرق القرى الكردستانية، وبأسم المقابر الجماعية وتعريب الكرد وكردستان وتهجير أهلها وإسكان الغرباء فيها. تلك هي عروبة صدام حسين، وقد انتقدها الشاعر الفلسطيني (محمود درويش) حين قال:
ونقول بعد الآن فلتحيا العروبة
مرّي إذا في أرض كردستان- مرّي يا عروبة
هذا حصاد الصيف هل تبصرين؟
لن تبصرين إن كنت من ثقب المدافع تبصرين [37].

لم يفكر صدام حسين بمصير القتلة حين كان في الحكم. وهو اليوم في عالم البرزخ. وقد يعرف أو لا يعرف بمصير القتلة، أين آلت نهاية هتلر وموسوليني وسوموزا وبول بوت وفرانكو ونوري السعيد وشاه ايران وبوكاسا وعشرات غيرهم؟ حتى المفكرون الذين مجَّدوا الحرب والعدوان أصابوا بالجنون، أمثال الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه. أما الذين حاولوا السيطرة على العالم فلم يعيشوا طويلا، وأصابوا بالعلل، أمثال (الأسكندر المقدوني) الذي مات بمرض الملاريا في الثلاثينات من عمره، ونابليون بونابرت الذي مات بداء الصرع، ويوليوث قيصر مقتولا، وهتلر منتحرا.

قال الشاعر العربي العراقي (أبو ثائر)، ” تعال معي أخي المتطلع الى الحقيقة لزيارة كردستان والوقوف عن كثب على حقيقة مايجري هناك من ظلم مابعده ظلم”. وقد عبر عن حقيقة العهر الثقافي البعثي والفكر العفلقي الصدامي الغارس في ممارسة الارهاب والقتل في قصيدته المأثرة بعنوان (شاهدتُ) ذلك أنه العربي الذي يشهد مأساة الشعب الكردي
بنفسه. نقتطف منها بضعة أبيات:
ففي جبالك كردستان كم مطرت
طيارة البعث أو ألقت بنيران
وهل تعامى عن الأطفال أم عميت
عيناه عن نسوة مرضى ورضعان
وهل رأى ما جرى أم لم يرَ أبدا
مأساة من دمِنا في حاج عمران
وما تأسى لنا طفل وراضعة
في خرمال أو زاخو وجومان
وفي ضواحي نوبردان مجزرة
وفي حلبجه غدر البعث آذاني
وفي مصايفنا نسرين نائحة
وصوت مريم في لولان أبكاني [38]

حقائق تدين نظام صدام البائد
الجرائم التي ارتكبها النظام العفلقي البائد تضع الانسان أمام حقيقة مرة ليست بعدها مرارة، جرائم أجبرت حتى أصدقاء نظام صدام حسين أن يعيدوا النظر في مواقفهم. على سبيل المثال الولايات المتحدة الاميركية التي كانت تؤيده آنذاك في حربه مع إيران ثماني سنين. فقد ذكرت وكالات الأنباء أن مجلس الشيوخ الأمريكي أدان علنا استخدام العراق غاز الأعصاب في حلبجه. وصرح ناطق بأسم مجلس الشيوخ الاميركي أن الامم المتحدة أكدت استخدام العراق للسلاح الكيمياوي مرات عديدة، رغم بروتوكول جنيف لعام 1925 الذي يحرم استخدامها.
وفي يناير/ كانون الثاني عام 1989 عُقد مؤتمر باريس، واشتركت فيه (149) دولة بما فيها العراق، بضرورة عدم استعمال الأسلحة الكيمياوية.
نشرت مجلة (شتيرن) مقالة حول حلبجه تقول: ‘‘كشف أحد الفنيين من شركة شتاير الألمانية (الغربية) النقاب أن المكائن والخبرة الألمانية مكّنت العراق من انتاج الأسلحة الكيمياوية. وأن هذه المكائن وصلت الى العراق عن طريق تركيا وبمساعدة حكومتها‘‘ [39].
ونقلت مجلة (بربانك) أسماء ثلاثين خبيرا روسيا يعملون في معامل انتاج الاسلحة الكيمياوية العراقية [40]. وكشف الأستاذ مام جلال الطالباني، في مقابلة اجرتها مع سيادته مجلة (بربانك)، النقاب عن هذه الحقيقة قائلا: أنه بعث برسالة الى الزعيم السوفيتي آنذاك (غورباشوف) والمكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفيتي، مطالبا بضرورة سحب هؤلاء الخبراء من العراق، لأن ذلك لا يتوافق مع مباديء (البيريسترويكا) أي (اعادة البناء) و (الكلاسنوست) أي العلنية.

تقارير منظمة العفو الدولية والمنظمات التابعة للامم المتحدة
تعطينا منظمة العفو الدولية للدفاع عن حقوق الانسان صورة واضحة عن بعض ممارسات نظام صدام حسين في فترة عمليات (الأنفال) ضد الشعب الكردي، من خلال البيان الذي ألقته المنظمة في الدورة الأربعين لـ (اللجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الأقليات التابعة للأمم المتحدة) في أواخر عام 1988. كما أعلنت منظمة العفو الدولية، أن المعاملة الوحشية للأطفال الكرد من قبل نظام البعث العفلقي الصدامي أصبحت ممارسة روتينية في سجون العراق، حيث تعرض الأطفال للتعذيب لارغامهم على الاعتراف ضد ذويهم بجرائم مزعومة.
وقد جاء في بيان هذه المنظمة في الدورة الاربعين للجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الأقليات مايلي:
” نود أن نلفت انتباه هذه اللجنة الفرعية الى وضع تعتقد منظمة العفو الدولية أن يستحق التمحيص العاجل، ألا وهو المستوى الملح المروع من انتهاكات حقوق الانسان التي مازالت تحدث في العراق. وبالرغم من أن العراق ليس البلد الوحيد الذي يثير نسبة عالية وخطيرة من قلق منظمة العفو الدولية حاليا، إلاّ أننا نعتقد أن خطورة الوضع في العراق تتطلب اهتماما فوريا، وخاصة بالنظر الى التطورات السياسية الاخيرة المتعلقة بالنزاع بين ايران والعراق. لقد سبق وأبلغت منظمة العفو الدولية الأمين العام للأمم المتحدة بمعلومات عن العراق. لكن بياننا اليوم يحتوي على معلومات اضافية أكثر حداثة وتفصيلا عن معلوماتنا السابقة، وهو جدير باعتبار اللجنة الفرعية تحت هذا البند من جدول الاعمال.
سيادة الرئيس
إن منظمة العفو الدولية ترحب بوقف اطلاق النار المقترح وبالخطوات المتخذة لتحقيق تسوية سلمية للنزاع بين ايران والعراق. وقد لعب مجلس الأمن الدولي والأمين العام دورا رئيسا في المفاوضات. كما ستواصل الامم المتحدة اشتراكها الوثيق في تنفيذ خطة السلام. ولذا فإنه من المهم بصورة خاصة في فترة الانتقال هو أن تولي عناية خاصة لحماية حقوق الانسان ومنع المزيد من الانتهاكات.
إذ لم يخضع الوضع في العراق لفحص مشابه بالرغم من أن جميع الاجهزة الثلاثة التابعة للجنة التي يطلق عليها أسم (الاجهزة الموضوعية) وهي المجموعة العاملة على حوادث الاختفاء القهري او الاكراهي. والمقررون الخاصون بالإعدامات الفورية او التعسفية وبالتعذيب، قامت مرارا بلفت الانتباه في تقاريرها الى ادعاءات بانتهاكات واقعة ضمن نطاق مهامها حدثت داخل العراق.

وعلى مدى عدد من السنين، ظلت منظمة العفو الدولية تتلقى تقارير مقلقة عن حوادث قتل متعمدة على نطاق واسع لمدنيين اكراد غير مسلحين قامت بها قوات الحكومة العراقية، وعن اعدام جماعي لسجناء سياسيين بدون اجراءات قانونية مسبقة. ويبدو أن حوادث القتل هذه استمرت بلا هوادة. وفي هذا البيان، تود منظمة العفو الدولية أن تلفت انتباه اللجنة الفرعية الى ما تعتقد أنه سياسة منهجية ومتعمدة من قبل حكومة العراق، للقضاء على أعداد كبيرة من المدنيين الاكراد، عقابا لهم على مايعزى اليهم من تعاطفات سياسية، وانتقاما لنشاطات قوات المعارضة.
وقد ورد أن اعدادا كبيرة من المدنيين الاكراد، من بينهم نساء وأطفال مصابين بجروح نتيجة لهجمات كيمياوية شنتها قوات الحكومة عام 1987 وفي وقت سابق من هذا العام، احتجزوا، وأن الكثيرين منهم أعدموا في وقت لاحق. وفي شهر آذار/ مارس من هذا العام (1988) قيل أن عدة مئات من الاشخاص، ربما يبلغ عددهم أربعماءة شخص، اعتقلوا وهم في طريقهم الى مدينة السليمانية سعيا وراء العلاج الطبي للجروح التي أنزلتها بهم القوات العراقية باستعمالها الاسلحة الكيمياوية في منطقة قرداغ بمحافظة السليمانية. وورد انهم اخذوا الى (معسكر تانجو) على مسافة 4 كيلومترات خارج المدينة، واعدموا رميا بالرصاص في 2 أبريل/ نيسان.

وفي حادث آخر وقع في منتصف أبريل/ نيسان 1987، في أعقاب هجوم كيمياوي على وادي باليسان في محافظة أربيل، نقل الى مستشفيات أربيل للعلاج نحو (360) شخصا من (قرية وسان) أصيبوا بجروح نتيجة للهجوم. ووفقا لتقارير وردت الى منظمة العفو الدولية، من بينها شاهد عيان، حرم الضحايا من العلاج الطبي، ونقلوا بواسطة قوات الأمن الى مركز اعتقال أربيل. وذكر أنهم اختفوا بعد ذلك بأيام، عقب نقلهم الى جهة مجهولة خارج المدينة ولايزال مصيرهم ومكان وجودهم مجهولين. ودعى أنهم ربما قد أعدموا. وقد استلمت منظمة العفو الدولية أسماء (48) من الضحايا.
وعلى مر السنين دعمت منظمة العفو الدولية بالوثائق كثيرا من حوادث القتل المتعمد هذه لايمكن أن تعزى للقتال. وفي تشرين الأول/أكتوبر 1985 ورد ما يزيد على (300) كردي قتلوا في مدينتي السليمانية وأربيل، في أعقاب قتل ضابطي جيش على أيدي قوات المعارضة. واعتقل بعض الضحايا وجرى صفهم وقتلهم بالرصاص، وادعى أن آخرين دفنوا أحياء أو فارقوا الحياة عندما أطلقت القوات النار مباشرة على جماهير المتظاهرين. وفي وقت أقرب عهدا، قيل أن مايقدر بمئة وخمسين كرديا بينهم نساء وأطفال أعدموا بصورة فورية عقب عمليات تفتيش أجريت من بيت الى بيت في قرية (جيمن) بمحافظة كركوك في تشرين الثاني/ نوفمبر 1987. و (جيمن) هي قرية من بين مئات القرى الكردية التي اعلنت السلطات منذ آذار/ مارس 1987 أنها محرمة لأسباب أمنية والتي أعيد توطين سكانها قسرا. وقد قُصفت القرية بعد أن عاد سكانها الى ديارهم، وكانوا قد طردوا قبل ذلك.
وتعتقد منظمة العفو الدولية أن قوات الحكومة التي وزعت في شمال العراق تمتعت طوال سنوات عديدة بسلطات واسعة لإتخاذ اجراءات عقابية، تشمل الإعدام الفوري ضد المدنيين الاكراد، انتقاما من الهجمات التي تشنها قوات المعارضة. ففي أبريل/ نيسان 1986، على سبيل المثال، اعتقل 15 طالبا واعدموا بالرصاص علانية في أربيل. وفي مايو/ أيار 1987 اعتقل ثمانية مدنيين بصورة مشابهة واعدموا علانية في السليمانية ردا على مثل تلك الهجمات. واعتقل مدنيون يشتبه بتأييدهم للمعارضة أو تعاطفهم معها، واعدموا في عدد من الحالات بدون محاكمة، وكان أقرباء الممناهضين أيضا هدفا لمثل هذه الانتهاكات. وقد أعدم المحتجزون بشكل جماعي في السجون بدون اجراءات قانونية مسبقة، أو بعد صدور أحكام بالسجن عليهم. ولدى منظمة العفو الدولية أسماء (46) كرديا ذكر أنهم اعدموا في (سجن أبو غريب) في بغداد خلال اليومين الأخيرين من ديسمبر/ كانون الاول 1987. وقد مات أكراد معارضون وهم قيد الاحتجاز نتيجة للتعذيب، بينما قيل أن آخرين سمموا بواسطة عملاء الحكومة. ولا يزال مصير عدة آلاف من الاكراد مجهولا. وكان قد ورد أنهم اختفوا عقب اعتقالهم عام 1983. وترفع منظمة العفو الدولية بانتظام تفاصيل هذه الانتهاكات الى الاجهزة (الموضوعية) للجنة، بالاضافة الى اثارتها مع حكومة العراق التي كانت ترفض مثل تلك الادعاءات على وجه العموم، لكنها اعترفت بعدد من حوادث الاعدام.

سيادة الرئيس
من المأمول أن تكون الحرب بين العراق وايران على وشك الانتهاء، إلاّ أن هناك مخاوف شديدة من امكان حدوث مزيد من التدهور الملحوظ في وضع حقوق الانسان في العراق في أعقابها، إذ قامت الحكومة باتخاذ مزيد من الاجراءات ضد منتقديها ومعارضيها في الداخل. وبالتالي فإن لدى منظمة العفو الدولية شعور قوي بوجود حاجة لمراقبة الحالة بدقة في المستقبل. لقد شهدت السنوات الاخيرة، والشهور الاخيرة بصورة خاصة، أشد حوادث القتل تعمدا وانتظاما ضد الاكراد، خاصة المدنيين غير المسلحين منهم. أن عددا من الحالات التي استعملت فيها القوات العراقية الأسلحة الكيمياوية بصورة متكررة في المنطقة الكردية. لأغراض عسكرية من الناحية الظاهرية، يشير بقوة ووضوح الى وجود مثل هذه السياسة الحكومية. وقتل عدد يقدر (بخمسة آلاف مدني) عقب الهجوم الكيمياوي على مدينة (حلبجه) في مارس/ آذار 1988. فضلا عن قتل مئات آخرين في هجمات مشابهة تواردت انباءها منذ أبريل/ نيسان 1987، غني عن الافاضة. وقد ذكرت الانباء أن آخر هجوم من هذا النوع وقع في وقت سابق من هذا الشهر.
إن هذه الانتهاكات يجب أن لاتمر بعد اليوم بدون أن يلحظها المجتمع الدولي أو يدقق فيها. وفي الوقت الذي تسعى فيه مفاوضات السلام الى حسم النزاع الخارجي. تقع على عاتق الامم المتحدة مسؤولية التأكد من أن ذلك لن يسفر عن مزيد من التدهور في وضع حقوق الانسان داخل العراق. ونحن نحث اللجنة الفرعية هذه على أن تضمن اتخاذ الاجراء الملائم الفعال من قبل هيئات الأمم المتحدة المعنية بحقوق الانسان لتشجيع العراق على مراعاة التزاماته الدولية، ولضمان الحماية التامة لحقوق الانسان الاساسية بالنسبة لأفراد شعبه جميعا ” [41].

استنكار الدول والمنظمات الدولية سياسة الجينوسايد بحق الكرد
عقب عمليات (الانفال) ومجزرة (حلبجه) الشهيدة، وتشريد الكرد الفيليين وتجريدهم من ممتلكاتهم وقتل الآلاف منهم، ودفن ثمانية آلاف بارزاني أحياء في صحاري الجنوب، كشفت حقيقة النظام البعثي العفلقي العراقي، وسياسة الدكتاتور المقبور صدام حسين القاضية بابادة الكرد وتصفية القضية الكردية بالقوة، ومحو شخصية الشعب الكردي القومية وإزالة ثقافته وتشويه تراثه، رفعت أصوات حكومات الدول الديمقراطية ضد سياسة الجينوسايد البعثية العفلقية بحق الكرد. ودخلَ المجتمع الدولي في معادلة القضية الكردية مثلما دخلت القضية الكردية في المعادلة الدولية. وأدان المجتمع الدولي جرائم نظام صدام حسين المنهار، وظهر استنكار الحكومات عام 1988 بجلاء. ومن هذه التصريحات والاستنكارات والإدانات مايلي:

– انتقد السكرتير العام الأسبق للأمم المتحدة (بيريز ديكولير) النظام العراقي لاستخدامه السلاح الكيمياوي الممنوع دوليا في مدينة حلبجه [42].

أقتبس بعض الوثائق الدولية من كتاب باللغة السويدية، تأليف كاتب هذه السطور بعنوان Den kurdisk irakiska konfliken :
– تصريح البرلمان الأوربي في 13 أبريل/ نيسان 1988:
أكد ان استعمال السلاح الكيمياوي مخالف لاتفاق باريس في اجتماع الجمعية العامة للامم المتحدة بخصوص منع القتل العام الدولي في 9 ديسمبر/ كانون الاول 1948. كما ان قرارات عديدة صادرة من البرلمان الأوربي تمنع منعا باتا استخدام أي دولة للسلاح الكيمياوي والبايولوجي. وأشار ايضا الى استنكار مجلس الأمن الدولي لاستخدام السلاح الكيمياوي عام 1987 اثناء فترة الحرب العراقية الإيرانية.

– تصريح وزير الخارجية السويدي الأسبق (ستين اندرسون) بخصوص استعمال العراق للسلاح الكيمياوي في الحرب بين العراق وايران. حيث أدان بشدة استعمال القوات العسكرية العراقية الأسلحة الكيمياوية، وان هذا العمل منافي لبروتوكول جنيف عام 1925.

– تصريح الحزب الاشتراكي الفرنسي الذي أشار بوضوح الى مقتل آلاف المدنيين الكرد إثر استخدام النظام العراقي السلاح الكيمياوي ضدهم عام 1987.

– تصريح السفير السويدي (رولف أكيوث) في مؤتمر الامم المتحدة لنزع الأسلحة في جنيف بتاريخ 29 مارس/ آذار 1988. أن التقارير تشير الى استخدام النظام العراقي للسلاح الكيمياوي ضد المدنيين العزل في مدينة حلبجه، وان السويد تستنكر استخدام هذا السلاح المخالف للقانون الدولي.
– استنكار الاشتراكية الدولية لاستخدام العراق السلاح الكيمياوي ضد المدنيين الكرد في العراق. واشار الى مدينة حلبجه التي تعرضت للقصف الكيمياوي، واعتبرت الجريمة أعظم جريمة يرتكبها نظام دولة ضد ميثاق جنيف لعام 1925 لحد الآن. وطالبت الاشتراكية الدولية من الأمم المتحدة باجراء تحقيق حول هذه الجريمة.

– تصريح واستنكار اتحاد النساء الدولي للحرية والسلام في اجتماعها السنوي. وأعلن الإتحاد عن اشمئزازه واحتقاره لاستخدام العراق للسلاح الكيمياوي في حلبجه الكردستانية وكردستان بصورة عامة. وطالب باتخاذ قرار دولي لمنع اي تطور لهذا السلاح أو خزنه او استعماله [43].

الموقف العربي والإسلامي من السياسة العدوانية للنظام البائد ضد الشعب الكردي
تضامن مجلس جامعة الدول العربية مع النظام العراقي الاستبدادي البائد فيما أسماها الحملة التي يتعرض لها العراق “لاستخدامه اسلحة كيمياوية ضد العراقيين الاكراد”[44].
وأعلن المجلس الوزاري للجامعة العربية استنكاره للحملة الاعلامية الهادفة إلى تشويه الانتصارات العراقية، وأكد تضامنه التام مع العراق [45].
ونتأسف أن نقول أن دور الدول الاسلامية الأخرى لم يكن أفضل بكثير عن الموقف العربي الرسمي. فقد “رفض وزراء خارجية الدول الإسلامية (وبتأثير عربي) المجتمعين بعمان بُعَيدَ مجزرة حلبجه” إدانة النظام العراقي في استخدامه الأسلحة الكيمياوية ضد الكرد [46].
لم تتحرك منظمة التحرير الفلسطينية عندما قصفت الطائرات العراقية لنظام صدام حسين مدينة حلبجه والقرى الكردستانية الاخرى بالسلاح الكيمياوي. واعلنت المنظمة أن الحملة الأمريكية على العراق لاستخدام الأخير السلاح الكيمياوي ضد الكرد، محض دعاية كاذبة. ولعبت منظمة التحرير الفلسطينية دورا هاما في تبني الموقف العراقي والتأثير على بعض الدول العربية لإتخاذ جامعة الدول العربية موقفا مؤيدا لسياسة العراق ضد الشعب الكردي، في
الاجتماع المنعقد في تونس في أيلول 1988. وقد أدْلت منظمة التحرير الفلسطينية تصريحا بهذا الصدد هذا نصه:
“إن الحملة المعلنة من قبل الكونكرس والإدارة الأمريكية تهدف إلى إرهاب العراق وإبتزازه وهو يخوض مفاوضات مضنية أمام التعنت الإيراني وصرف النظر عن الانتفاضة الفلسطينية وإشغال الرأي العام العالمي عن الارهاب الصهيوني الرسمي والمنظم ضد الشعب الفلسطيني” [47].
و “أصدر مجلس السفراء العرب بـ (دلهي الجديدة) بيانا في سبتمبر/ أيلول 1988 يندد بشدة رد الفعل الامريكي واعتبره حملة دعائية معادية وهجومية . . . وأيد السفراء تأييدا كاملا استراتيجية العراق في الخليج، وقالوا أن هدف الدعاية الامريكية ليس فقط النيل من جهود العراق للسلام بل هو مؤامرة ضد المصالح العربية” [48].
و “أصدر السفراء العرب بلندن بيانا مماثلا ينددون فيه بالحملة للإساءة الى سمعة العراق” [49].

موقف الاتحاد السوفيتي السابق من سياسة الجينوسايد البعثية
إنضم ممثل الاتحاد السوفيتي في حينه، (قبل انهيار الاتحاد السوفيتي)، في اجتماعات (الدورة الأربعين) لحقوق الانسان التابعة للأمم المتحدة التي انعقدت في جنيف، الى ممثلي (المغرب والأردن) لاحباط صدور بيان لإدانة العراق فيما يتعلق بخرق حقوق الانسان واستخدام العراق للأسلحة الكيمياوية، وتهجير مئات الألوف من الشعب الكردي. فبينما كان أطفال كردستان يختنقون بالغازات السامة، والشعب الكردي ينتظر التضامن الدولي، بررت صحيفة (برافدا) مرتين أعمال النظام العراقي، ودافعت عنه، مؤيدة لسياسة النظام العراقي البائد الذي يتعرض لحملات التشهير الأميركية [50].
– وعلقت مجلة Middle East International البريطانية الموالية للعرب ب/ “أن الدفاع عن العراق على هذه الخطوط، رغم توافر أدلة بصورة مطردة مما لايمكن التغاضي عنها، لن يضر إلا بمصداقية هؤلاء [51].

قبل الخاتمة: الروحية الشريرة والفكر البعثي العدواني
مما يثير الإنتباه ماكتبه السيد (أحمد السيوفي) من أن: “سـتالين وموسـوليني يقفان أقزاما وتلامـذة صغارا أمام هذا الارهاب الأصفر والأحمر الذي لامثيل له . . . الغريب أن هذه الكارثة قد أغفلها الاعلام العربي تماما برغم تركيز الاعلام الغربي والامريكي عليها فلم نقرأ قصاصة واحدة نشرت ولو على استحياء”[52]. وذكر مراسل صحيفة حريت التركية: “أن صدام حسين اعترف لتورغوت أوزال بقصفه لمدينة حلبجة بالأسلحة الكيمياوية”[53].

أشير هنا موقفا مغايرا إتخذته مجلة (لواء الاسلام المصرية) وبعض الصحف السعودية التي أشارت اشارة بسيطة الى الجريمة التي اقترفها النظام الاستبدادي العفلقي في العراق ضد الشعب الكردي.
جعلت الروحية الشريرة لدكتاتور العراق صدام حسين ونظامه البائد شعوب الدول الديمقراطية تنظر اليه نظرة الحقد والكراهية. فكان آكل لحوم البشر لا يفكر إلاّ بالقتل والإبادة، ليس ضد الشعب الكردي فحسب، بل ضد العرب الشيعة في الجنوب العراقي، إلى درجة استعمال السلاح الكيماوي ضد المدنيين في مناطق الأهوار.
كان صدام ساديا ضد شعبه الذي حاول أن يجعله قطيع أغنام وعبيد، وضرب النساء والاطفال والشيوخ، وأخذ أفراد العائلة بجريرة فرد واحد. وأصبح الناس يعيشون في خوف وقلق، ليس من الموت فحسب، بل من التعذيب والسلخ والحرق وعجن أجسادهم في مكائن خاصة وارهاب اطفالهم واغتصاب نسائهم وبناتهم. لقد فاقت جرائمه حدود العقل الانساني مما طالبت (منظمة حماية جرحى الأسلحة الكيمياوية في بريطانيا) من الأمم المتحدة بتقديم (صدام حسين) الى محكمة العدل الدولية في لاهاي. وقد جاءت هذه الدعوة بعد الحملة الدعائية التي نظمها (منظمة كادري- اللجنة البريطانية ضد القمع ومن أجل الديمقراطية في العراق). وصرحت (المسز دين مودين) مسؤولة لجنة التنسيق في منظمة حماية جرحى الأسلحة الكيمياوية بأن المنظمة ماضية في دعوتها بضرورة محاكمة صدام حسين
ونظامه باعتباره مجرم اقترف جرائم وآثام بحق الانسانية.

فُقِد الدكتاتور صدام حسين ونظامه الاستبدادي البائد ثقة الشعب قبل أن يفقد ثقة العالم به. وعندما يفقد الحاكم ثقة الشعب يصبح العدو الأول للشعب، والسبب الرئيس لانهيار الدولة. ويعطينا الحكيم الصيني كونفوشيوس بوضوح هذه الحقيقة بالشكل التالي.
“يسجل كونفوشيوس في كتاب (الاغاني) حوارا بينه وبين (تزه-كونج) عن المجتمع والحكم. ويحدد كونفوشيوس في بداية الحوار مهمة الحكومة أية حكومة، ودورها في تحقيق ثلاثة أمور: أن يكون لدى الناس كفايتهم من الطعام، وكفايتهم من العتاد الحربي، والثقة بحكامهم. ويسأل (تزه-كونج) كونفوشيوس عن الأمر الذي يمكن التخلي عنه أولا فيما إذا كان لابد من الاستغناء عن أحد الأمور التي على كل حكومة تحقيقها؟ ويجيب كونفوشيوس أن الأمر الأول الذي يمكن التخلي عنه هو العتاد الحربي. ثم يسأل (تزه-كونج) عن أي من الأمرين الباقيين يمكن التخلي عنه أولا؟ فيجيب كونفوشيوس قائلا: فلنتخل عن الطعام، ذلك أن الموت منذ الأزل قضاءً محتوما على البشر. أما إذا لم يكن للناس من ثقة بحكامهم فلا بقاء للدولة”. [54].

خاتمة
وعي الكرد بالتاريخ
سؤال ملح يطرح نفسه دوما في المحافل الكردستانية والعربية والدولية فيما إذا تعلم الكرد درسا من التاريخ.
لكن السؤال الأكثر إلحاحا هو لماذا بالذات الكرد؟
حين سُئل موشي دايان بعد نكسة حرب الأيام الستة في حزيران عام 1967، لماذا هُزم العرب؟ قال بوقاحته المعهودة: “العرب لايقرؤون”.
ماذا كان دايان يعني من ذلك الجواب الساخر؟ هل أن العرب حقا لايقرؤون؟ هل يقرأ الكرد أكثر من العرب؟ هل يقرأ العراقيون أكثر من الآخرين؟
الكرد يقرؤون التاريخ كما يقرأ العرب وغيرهم، ولكن ماذا تعلم الكرد من قراءة التاريخ؟ هذا هو السؤال الكبير الذي يردد أسماعنا. وحين أتساءل، أو قل حين ألح على السؤال، أشعر بأن آلاما تسير في عروقي، ولكني أحاول أن أسيطر على نفسي، وأتمرد على الآلام، من أجل أن أصل إلى الحقيقة.
سُئل أحد المستشرقين الألمان، تخونني الذاكرة إسمه، عن الأهمية التي تكمن في قراءة التاريخ، فقال: “الأهمية الوحيدة لقراءة التاريخ هي أنه لا أهمية لهذه القراءة”.
يبدو للمرء أنه يفهم، بسذاجة، إن صح التعبير، من ذلك الجواب، بعدم جدوى قراءة التاريخ. ولكن مع هذا فالكرد قد يبدون من قرّاء التاريخ، لأن الشعب الكردي كالشعب الفلسطيني أحد أكثر الشعوب معاناة للأزمات والنكسات. والشعب الكردي يريد الحرية لنفسه ولغيره، ولكنه نادرا مايعلن دعوته للإستقلال وتشكيل دولته على أرض وطنه كردستان، على عكس الشعب الفلسطيني الواعي لذاته والذي لايرضى بديلا عن الدولة والعودة. أيعني ذلك أن الكرد راضي بالقليل مقابل الكثير لغيرهم؟ أو أنه شعب تواق للحرية يحب السلام والوئام مع الجيران؟
هل الكرد عاجزون عن صنع التاريخ لأن كل مايقرأونه يفهمونه أنه تاريخ النجاح؟ ماهو هذا النجاح الذي تحقق وكيف تحقق؟

قال الجنرال ديغول وهو يقارع النازية التي إحتلت بلده: ‘‘إذا أردتَ أن تعرف ما يحدث في بلدك فارحل بعيدا عنه‘‘.
إننا نراقب الأحداث من بعيد، وكردستان تعيش في قلوبنا، ونتحدى رسائل التهديد التي نستلمها من أعداء الكرد لأننا ندافع عن حقوق شعبنا في مرارة الهجر والغربة منذ سنين. الشجاعة تتحقق بانتشار الديمقراطية، والحرية في النهاية شجاعة عقلية، ولا يمكن لديمقراطيتنا في إقليم كردستان أن تحقق هذه الشجاعة العقلية بدون أن نكون منصفين وأوفياء لكل أولئك الذين قدموا أرواحهم لتنير الدروب المظلمة التي نسير عليها اليوم لنصنع للشعب كرامة وللوطن عزا.
أنقل هنا مقولة أخرى للرئيس الفرنسي الأسبق ديغول وهو يقود نضال الحرية لتحرير وطنه من الإحتلال والعدوان أعقاب الحرب العالمية الثانية: ‘‘الجغرافيا هي العامل الحاسم والثابت في صنع التاريخ‘‘. فهل للأكراد جغرافيا ليصنعوا التاريخ؟ وإذا كان لهم جغرافيا فأين هي؟ هل يمكن صنع التاريخ بدون جغرافيا؟ وهل أن الجغرافيا هي أرض محررة مستقلة أو هي مجرد سهول وجبال وأنهار لاتدخل المشاعر الكردية، أو ترفض مشاعر وعواطف الكرد أن تستوعبها؟
هل يفهم الكرد ماذا كان يعني الجنرال ديغول حين كان يناضل حرا أبيا ليصنع التاريخ الفرنسي المعاصر والشعب ملتف حوله في جغرافيا يحكمها الشعب الفرنسي بدلا عن النازية؟ هل هناك شعب في التاريخ القديم والوسيط والحديث والمعاصر استطاع أن يصنع التاريخ بدون جغرافيا؟ أي شعب من شعوب الأرض يتمتع بإرادة مستقلة بمعزل عن الجغرافيا؟ هل يتمتع الكرد في كردستان بكل أجزائها، وفي دول الجوار، وفي المهجر، وحتى في العالم الحر بإرادة حرة ويفهم التاريخ بدون جغرافيا؟

كل هذه الأسئلة تدور في خُلد كل كردي يبحث عن الجواب وهو يقرأ التاريخ الكردي، من الانتفاضات والثورات إلى الحروب والعداوات، ومن المآسي التي عمّقها صدام حسين في برنامجه المخطط، سياسة محو الشخصية القومية الكردية، وحرق قرى الكرد، وتهجير آلاف الكرد الفيليين إلى خارج الحدود وتجريدهم من ممتلكاتهم، واستخدام السلاح الكيماوي ضد أبناء الشعب الكردي، والمجازر الجماعية للأطفال والنساء والشيوخ، وقتل ثمانية مليون كردي بارزاني وتهجير الكرد الفيليين وتجريدهم من ممتلكاتهم ووو القائمة طويلة في بلورة الوعي الكردي في فهم التاريخ لامجرد دراسته، لأن التاريخ علم المستقبل ويختلف كثيرا عن التأريخ، بالهمزة على الألف، لأننا لا نستطيع أن نأرخ التاريخ كيفما نريد.
السؤال الكبير الذي يطرح نفسه، هو مدى القناعة التي تتجلى لدى الإنسان الكردي في لاوعي بعض الكرد في حل تناقضاتها. ما هو مطلب الجماهير الكردستانية، وهم يغردون وينشدون ويرقصون على أنغام ما حققه الشعب في اللعبة الديمقراطية، وما أثبته في قدرته على الوحدة والوئام وإثبات الوجود والقدرة على المناورة في الأيام الصعبة، وبناء الديمقراطية ومواجهة المرارة التي ذاقها كل كردي من سياسة نظام الطاغية صدام حسين وحزب البعث العفلقي؟ ومع كل ذلك فقد أبدى الكرد وعيا في الحياة الحرة في أن يعيش في عراق ديمقراطي تعددي فدرالي برلماني يتطلب تحديد حدود إقليم كردستان على أساس الفدرالية الجغرافية التي تحكمها الديمقراطية.

المقولة التي سبق أن نقلناها من ذلك المستشرق الأوربي، في انعدام جدوى أهمية التاريخ، تبقى صحيحة فيما يتعلق الأمر بأعداء الحرية، لسبب بسيط وهو أنهم متخلفون في فهم التاريخ، وهذا التخلف يكمن في عدم وعيهم بالتاريخ. في حين تبقى هذه الأهمية القصوى في علم التاريخ العظيم في الوعي بالتاريخ وليس مجرد قراءة التاريخ. وحقيقة الوعي بالتاريخ، وأهمية هذا الوعي في صنع التاريخ هي أن نتجرأ في نقد الواقع الذي يضطهدنا، ونتجرأ أن نمد أيدينا لبعضنا البعض في أن نعيش فوق أرضنا مكرمين معززين، ونتحرر من مشكلة الخوف من الذات، والخوف من الآخر.