الرئيسية » مقالات » (شاهدة على يدي) لعلي العلوي

(شاهدة على يدي) لعلي العلوي

تنضح المجموعة الشعرية الثانية “شاهدة على يدي” للشاعر علي العلوي، بخطاب ضاج بالفقدان. الاسترسال في قراءة نصوصها الواحد تلو الآخر هو توغل في بحر كامل من ألم الفقدان، فلا يكاد القارئ ينتهي من قصيدة ويشعر بأنه سيتنفس هواء آخر مختلفا، حتى يجد نفسه من جديد في لجج الحزن. حزن شفيف يشي بذات ممتلئة رهافة، وهشاشة أيضا، في مواجهة الألم.ومنذ العنوان “شاهدة على يدي”، ولعله اختزال موفق جدا للمجموعة ولأجوائها بشكل عام، لا ينقطع خيط الحنين إلى شيء ما، وإلى شخص ما، وتطفو الذكرى ، إما صراحة أو تورية من خلال صور شعرية، لتغمر أجواء القصائد، وتدفع إلى التأمل في هذا الحزن البسيط إنسانيا، العميق شعريا، فيغدو القارئ المفترض أنه شخص ينظر إلى النص بنوع من الحياد، طرفا ومتورطا في تلك المشاعر التي تعتمل في النصوص.

يتكاثف الفقدان وألمه، والحزن وتجلياته، حتى لتبدو الحياة حزينة كلها، ولم تفلح العديد من الصور التي جاء بها الشاعر محاولة منه في التخفيف عن ذاته أولا، في لجم كثافة الألم وشدته.

وإذا شئنا أن نحدد نوعية القاموس الذي تمتاح منه مجموعة “شاهدة على يدي”، قلنا إنه قاموس يغلب عليه الشعور بالفقدان وبنوع من الاغتراب، والعزلة أحيانا، في غياب هذا “الفقيد”، سواء كان الفقيد شخصا أو مكانا أو حلما، أو فترة من العمر، أو أي شيء آخر:

دعها

فإن الصمت أنطقها

وأنطق قبلها

هذا الأنين،

دعها

ولا تجعل لها شبها

مهما تجعد وجهها

أو هدها الحنين

هكذا يختلط الفقدان بالأنين، ويتشابك معهما معا الحنين إلى “أرض الميلاد”، وهو ما يشي أن الذات تعاني غربةً، وأنها تنزف من الألم توقا إلى الأرض التي تتخلى في العديد من المواقع عن هذا الكلمة الجامعة الشاملة لتتحول إلى بقعة أصغر هي الوطن، والوطن كلمة تحمل الكثير من الشحنة العاطفية، لأن الوطن هو الانتماء الذي يمنح الكائن هويته، ويحدد موقعه في هذا الكون الشاسع، ويمكن أن نستعير هنا كلاما من كتاب سياسي لجوزيف شتراير عنوانه “الأصول الوسيطة للدولة الحديثة” يقول فيه ” إن أفظع ما يمكن معرفته في العالم الراهن هو مصير من لا وطن له. إن “الشخص الذي لا بلد له”،الذي تحدث عنه هايل، موجود بالتأكيد في أيامنا وشقاؤه يتخذ أشكالا لم يكن باستطاعة هايل تصورها. وقد أصبح ممكنا الاستغناء عن الطرق القديمة لعثور المرء على هويته داخل مجتمع ما، إن شخصا بدون عائلة، وبدون مسكن ثابت وبدون انتماء ديني يمكن أن يعيش حياة مكتملة بصورة كافية، لكنه بدون دولة ليس شيئا، وليست له أي حقوق ولا أي أمن ولديه قليل من الفرص لممارسة سيرة مهنية نافعة”. إن الحنين الأكبر في مجموعة علي العلوي هو حنين إلى الوطن، أكان الوطن متخيلا، كأن يكون الشعر مثلا، أو حقيقيا كأن يكون البلد الذي ينتمي إليه أو المدينة التي ينحدر منها، أو ببساطة مسقط الرأس حيث رأى النور:

الطريق إلى كفني

بارد، ومحاط بوشم الدماء

والطريق إلى وطني

حالك كالمساء

لنتأمل كيف يقترن الطريق إلى الكفن بالطريق إلى الوطن، وكيف يتضافر الموت والظلام على الشاعر كي يبثا الحزن في ذاته ويعصراه من الألم. كأنه يعبر من الموت إلى الموت، من موت حقيقي إلى موت معنوي يغذيه “وطن شرد الضرع والزرع والأصدقاء”، فيحول الشاعر إلى كائن حالم:


أريد أن أنام

كي أصحو طوال الوقت

فأعبر المدى من الموت إلى الموت

وأشفي قريتي من زلة اللسان،

فهل أنا صاح هنا… أم نائم

لا يعرف الصمت من الكلام؟

يبني الشاعر صوره الشعرية من لغة غاية في البساطة، تبدو كما لو أنه يكتب بتلقائية، تاركا لشعوره الحرية في أن ينكتب على حاله، وكأنه يمر إلى القارئ مباشرة دون أن يمر من “المختبر اللغوي” الذي يملكه الشاعر عادة، والذي يستعين فيه بالرصيد الذي يكون قد تجمع لديه من قراءاته سواء تعلق هذا الرصيد بالقاموس، أو بالأساليب الشعرية، أو بطرق تشكيل الصور، حيث الاستعارات والانزياحات اللغوية، لهذا لا تبدو اللغة في مجموعة علي العلوي حمالة أوجه كما يقال، لكنها بالمقابل تذهب مباشرة إلى الدلالة دون أن تفقد شيئا من شاعريتها، ويزيدها الإيقاع بهاء وألقا.

لهذا أيضا نسمح لأنفسنا بالقول إن علي العلوي لا يتحدث في “شاهدة على يدي” عن تلك الخيبة التي نجدها في الكثير من الشعر المغربي حاليا، أي تلك الخيبة المتأتية من حروب الذات والواقع شديد الوطأة. لا نجد في هذه المجموعة تلك الهزيمة في مواجهة الحياة، وفي مجابهة اليومي البغيض، تلك الهزيمة التي أضحت الموضوع الأكثر حضورا في أغلب تجارب الشعر المغربي لدى الأجيال الجديدة، دون أن يعني ذلك أن هذه التجارب تعاني التكرار أو أنها تستنسخ بعضها.

تحضر تيمة الخيبة إذن، بشكل آخر في “شاهدة على يدي” من حيث إن الخطاب في المجموعة لا يحاول أن يضفي على معالجته نغمة جماعية، بمعنى أن الذات هنا لا تحاول أن تعلن عن نفسها ممثلة لجماعة ما ، بل تكتفي من خلال الكثير من الإشارات بأن تكون معبرة عن فقدان خاص بها، وعن حالات تخصها هي دون غيرها.

ويؤيد هذا الطرح حضور ضمير المتكلم بأشكاله وتجلياته المتنوعة، إما كفاعل أو متلق للفعل، وإما في موقع الشاهد والراوي في بعض النصوص، وهي نادرة مثل “نبض وورد”:

إنها تبحث عن طيف طليق

طيف طفل

ربما لا تعرف الوجه الذي يأتي عليه

ربما لا تعرف الوصل إليه

إنها تبحث عن باب دخلناه معا

وهنا، حتى حضور ضمير المتكلم المفرد، أي صوت الذات الشاعرة، كشاهد، لم يمنعه من التحول إلى موقع الفاعل باندماجه مع ضمير الغائبة في ضمير المتكلم الجماعي “نا”، وهو ما يزكي هذا الحضور الخالص للذات الشاعرة كفاعل مهيمن في المجموعة، تعبر عن حزنها وتحاول التخلص منه بكتابته، وقد شكل هذا الحضور الخيط الأساسي الذي يلحم نصوص “شاهدة على يدي”، حضور يؤججه الفقدان والحنين والألم والقيود:

أمامي صور

تسكن أطراف البيوت:

ذاك جلباب أبي

يحمله طيف المرايا،

تلك أمي

توقد النار

وتجتر الحكايا

بين أسوار السكوت.

هذا هو النبع الذي تدفقت منه القصائد. الذكرى بكل حمولتها وأطيافها، بحيث يبدو الشاعر أسير وطأتها، وتشكل القصيدة الأخيرة التي تحمل المجموعة عنوانها ذروة الفقدان الذي تحدثنا عنه على طول هذه القراءة، التي لا تزعم الإحاطة بكل ما يعتمل فيها، وتبدو هذه القصيدة أيضا شاهدة على أن كل الألم الذي تشي به القصائد هو ألم خاص، وأن ما قلناه بخصوص التلقائية التي نستشعرها كان إشارة إلى أن التلقائية تعني من بين ما تعنيه خصوصية تجربة الألم والفقدان، وصدقها أيضا:

يا أخي

يا جرح أمي المتنامي

طيفك الآن أمامي

صمتك الآن كلامي

فانتظرني ريثما يدنو الشتاء

وانتظرني لأواريك بأثواب الرثاء،

كم سأحيا

كي أسميك

شهيد الموج والأحزان.


جمال الموساوي
شاعر وصحفي مغربي