الرئيسية » التاريخ » (المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي)الحلقة السادسة والتسعون

(المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي)الحلقة السادسة والتسعون

محمد (القاضي محمد)
يتحدث ايكلتون عن انحدار القاضي محمد من اسرة زاولت القضاء فكان والده من القضاة المحترمين جداً. تلقى ثقافته الاولى من الكتاتيب (كُتب خانه) التي توجه من قبل الملا (رجل الدين) وكان هذا الاسلوب الوحيد للتعليم الاولي انذاك. اما ثقافته الحقيقية فقد استمدها من والده ومن كتب دونت بعدة لغات التي كانت في داره الكبيرة.
وقبل ان يصبح قاضياً عمل رئيساً لدائرة الاوقاف في مهاباد وما ان غدا قاضياً حتى صعد نجمه المؤثر بسرعة. واصبحت آراؤه حاسمة وحضوره يفرض الاحترام. وطبقاً للتقاليد فقد اصبحت داره ملجأ للقتلة او لمجرمين آخرين او لفتاة او امرأة وقعت في ورطة. والقاضي لم يكن انعزالياً بل كان رجلاً اجتماعياً في هذا العالم وبالرغم من الفجوات التي تكتنف حياته الثقافية فان القاضي محمد كان على وفق المعايير في مهاباد يعد شخصاً متعلماً (مثقفاً) وان وظائفه الدينية لم تمنعه من تبني نظرة تقدمية نحو الاقتصاد والسياسة والعلاقات الاجتماعية.
كانت شخصيته تفصح عن العناد وبنوع من الدكتاتورية بالرغم من كونه متواضعاً ويراعي رغبات الاخرين في الحياة العامة.
كان متحدثاً ممتازاً ومتعوداً على استخدام الجمل القصيرة ويتحدث بسلطوية ونشاط وفي حديثه وقفات بين كل اثنتين او ثلاث او اربع كلمات.
لقد كان القاضي دائماً مؤدباً مع الاجانب فقد كانوا يزورونه في مهاباد وفي مناسبات نادرة، وكان بوجه خاص يبحث عن صداقات وصحبة مع الاميركان.
وكان المبشرون اللوثريون والطبيب الالماني الذي يعيش في المدينة ينظرون اليه نظرة صديق. وعندما اصبح خطر الهجمات القبلية واقعاً في عام 1942 اضطرت الانسة (داهل خانم)* الاوربية الوحيدة الساكنة في مدينة مهاباد الى اخفاء ابنها الشاب ليلاً تحت سقف بيت القاضي لحمايته. ومن بعد اصبح اصدقاؤه الروس يشغلون وقته اكثر فأكثر مما جعل القاضي اكثر احتراساً في علاقاته مع اوربا الغربية وامريكا (31).
وفي موضع آخر من كتابه يبين لنا ايكلتون تردد حزب كومله في مفاتحة القاضي محمد للانتماء اليه، فخلال عامين من تأسيس حزب الحكومة له كانت هناك مشكلة لم تحل وهي، هل يسأل القاضي محمد تلك الشخصية القيادية في مهاباد بالانضمام الى الحزب او لا، واذا ما طلب منه ذلك فهل يرفض او يوافق. وكان عدد من اعضاء اللجنة المركزية يعارضون قبوله لانهم كانوا يستشفون ان هذه الشخصية السلطوية سوف تسيطر على التنظيم، واخرون كانوا يعارضون قبوله لاسباب شخصية، ومع ذلك، فلم يكن ضمن تعليماتهم ونظامهم ما يمنع او يستثني قبوله في الحزب. كما لم يكن هناك ما يمنع الاعضاء الراغبين في انتمائه من دعوته لاداء اليمين. وهكذا دعي القاضي في احد ايام تشرين اول (اكتوبر) 1944 الى دار احمد الهي وكان قد اجتمع في الدار 24 عضواً تحدوهم مشاعر الشد والشك.
ومن اجل ان لا تنكشف هويات كل الاعضاء للقاضي فقد تقرر ان يقوم اثنان منهم بمهمة مفاتحته وهما قاسم قادري وقادر مودرسي وفي غرفة مستقلة عن الغرفة التي ضمت الاعضاء الاخرين، واذا رفض الانضمام فعليه مغادرة الدار، واذا وافق سيأتى به الى الغرفة الاخرى لاداء قسم الاخلاص. ولم يتردد القاضي في القبول. وبعد ذلك وبالرغم من ان القاضي لم ينتخب عضواً في اللجنة المركزية لكنه كان الموجه وكان صوت الحزب (39).
ان الحديث عن تأسيس جمهورية مهاباد وملابسات سقوطها ورد في فصل اخر من هذا الكتاب وبما اننا هنا في هذا الفصل في معرض (الشخصيات الكردية) لذا سنقتصر على الجوانب الشخصية فقط، ولكن لا بد من ان نذكر ان القاضي محمد اعلن قيام جمهورية كردستان في 22 كانون الثاني 1946. وعندما بدأ الانهيار، أي انهيار الجمهورية بعد عام من تأسيسها. امر الجنرال همايوني الذي وصل مهاباد باستدعاء كل اعضاء اللجنة المركزية للحزب والرؤساء الكرد البارزين ونحو 45 من ابرز رجال الجمهورية جمعوا في دار البلدية في مهاباد.
لقد طلب همايوني سجلات الاسلحة الموزعة ووصولاتها ولم يكن الجواب مقنعاً، اذ كانت كل الوثائق قد احترقت في نيران الحمام العام لمدينة مهاباد، ولم يبق شاهدُ سوى الرماد.
لقد اعلن القاضي محمد في ذلك الاجتماع (وكان محجوزاً) بأنه يتحمل شخصياً مسؤولية كل ما جرى، ويبدو انه كان قصده انقاذ زملائه. ولكن الذي حصل ان كل من غادر البناية تم اعتقاله (116-7).
ومن المواقف المشرفة للقاضي محمد زيادة لما تقدم في اعلانه عن تحمل المسؤولية كلها شخصياً امام الجنرال همايوني، نود ان نعرض بعض المواقف التي ذكرها ايكلتون، ومنها عندما تأزمت الامور واصبح سقوط مهاباد مؤكداً بعد ان وافق الاتحاد السوفيتي على اسقاط اذربيجان ارتأى بعض العاملين في الحزب مغادرة مهاباد واللجوء الى العراق او الاتحاد السوفيتي ووافق القاضي محمد (رئيس الجمهورية) على قرارهم واخذهم لما يحتاجون من متاع وذخيرة، لكنه اخبره بأنه سيبقى في مهاباد ولا يغادرها وكانت غايته محاولة حماية من في المدينة من مواطنين (113).
واما الموقف الاخر، فيظهر عندما طلبت منه المحكمة ان يوكل محامياً، فطلب محاميين كانا في طهران وهما ضابطان في الجيش واللذان قد عرفا بأفضل اثنين في حقل القانون ولكنه اعلم انه لا يمكن جلب محام من خارج المحكمة لان جلب محام من طهران سيؤخر المحاكمة وقد تتأجل او تتأخر اكثر اذا ما طلب محامياً من لندن وهذا معناه ان المحكمة لن تعقد.
ان هذا الجواب التعسفي من قبل المحكمة لم يفوته القاضي محمد وهو في ذلك الظرف العصيب فأجاب المحكمة، لو كان على هذا القرب من لندن لما كان اليوم في المحكمة.
لقد كشف في اجابته هذه انه لم يفقد فطنته وظرافته وموهبته في المناظرة والجدل (122).
ولقد قرئت في المحكمة رسالته الى القائد العسكري التي تضمنت شعراً للشاعر الفردوسي، يذكر فيها:
نحن نفضل الموت الواحد تلو الاخر
على ان نسلم الوطن للعدو
ثم يقول في رسالته مخاطباً القائد العسكري انتم في القتال تشوهون بيتي الفردوس فيصبح على هذه الشاكلة:
ندير بظهورنا الى العدو الواحد تلو الاخر فهذا افضل من الموت لاجل الوطن* (125).
محمد باشا امير راوندوز
لقد وردت في رحلة فريزر الى بغداد عام 1834 اليوميات التي كتبها الدكتور روس وضمنها فريزر في مذكراته. لقد زار الدكتور روس طبيب المقيمية البريطانية في بغداد راوندوز في عام 1833 بناء على رغبة محمد باشا امير راوندوز لفحص ومعالجة عيون والد محمد باشا اذ كان يشكو من عينه، فقد وجه الامير طلباً الى الكولنيل تايلور المقيم البريطاني في بغداد يرجوه ان يوفد له طبيباً بريطانياً يعيد البصر لوالده مصطفى باشا، وكلف الدكتور روس بهذه المهمة وتوجه من بغداد الى راوندوز في قافلة يرأسها عم الامير بايزيد بك الذي كان قد جاء الى بغداد للاتصال بالمقيم البريطاني.
لقد استقبله الباشا استقبالاً حسناً كما يذكر الدكتور روس ولكنه تقصد في ان لا ينهض من مكانه بل اثر الاستمرار في الجلوس وهو يرحب بمقدم روس، ولكنه ارسل من يعتذر منه لهذا الموقف من بعد مبرراً ذلك انه أي محمد باشا امير راوندوز كان محاطاً بأناس جالسين لم يتم إخضاعهم الا مؤخراً ولان الوقوف بوجودهم ينطوي على التساوي بينه وبين الباشا في نظرهم، وهذا مما قد لا يكون في مصلحته ان يفعله او يعترف به امام ملأ من الناس. ونعتقد ان سبباً اخر ايضاً يمكن ان يكون له دوره فقد وجدنا اشارات من الرحالة الاجانب الى ان الرؤساء الكرد كونهم مسلمين يتحاشون القيام لتحية الرحالة المسيحيين فيحاول ان يختلق موقفاً عند اللقاء لا سيما اللقاء الاول في ان يكون هو أي الرئيس الكردي القادم والرحالة هو الجالس المنتظر لكي يقوم ويحييه او ان يفتعل موقفاً كأن يكون واقفاً قبل دخول الرحالة عليه*.
هذه المواقف في الحقيقة لا اساس دينياً لها من وجهة نظرنا فالله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم يذكر (وكرمنا بني ادم) ولكن هذا مظهر من مظاهر التعبئة الذهنية الخاطئة.
يكتب روس انطباعاته عن محمد كور باشا امير راوندوز، اذ الفاه رجلاً وسيم المظهر محباً للخير يبلغ الخامسة والاربعين من العمر تقريباً. كما وجده ابيض البشرة تبدو فيه آثار الجدري، وقد اعورت احدى عينيه واصبحت منخفضة معتمة. وكانت لحيته تبلغ حوالي اثنتي عشرة بوصة في الطول ذات لون بني خفيف ولم يمشط نصفها الاسفل