الرئيسية » مقالات » روبرت فيسك .. وغزة

روبرت فيسك .. وغزة

مادة ترجمة : د . ميسون البياتي
قامت الجامعة الأمريكية في بيروت لمناسبة مرور 140 سنة على تأسيسها وذلك في العام 2006 بمنح شهادة الدكتوراه الفخرية الى الصحفي والكاتب البريطاني روبرت فيسك , وقد إستحقها الرجل عن كل جدارة وأهلية , وليس مثل بعض الذين يحصلون على مثل هذه الشهادة وهم معتقدين أنها ( حشوة ) توضع داخل ( إطار ) يغطون به ( لطخة كالحة ) موجودة على ( الجدار ) .



تحدث فيسك أثناء حفل التكريم عن قانون حرية المعلومات الذي حقق لوكالة الآسيوشيتد برس التي يعمل فيها مكسب أن تتمكن من الإطلاع على مجريات الأمور في معسكر غوانتانامو , ثم إستشهد بمقطع من تلك المجريات , يسأل فيه السجين ( فيروز علي عباسي ) الضابط الأمريكي الذي يستجوبه عن الأدلة التي وجدت لتدينه بموجب القانون الدولي ؟ فيجيبه الضابط : (( لا أريد أن أسمع هذه الكلمات لأن القانون الدولي لا يهمنا )) .
قال فيسك : (( هذا هو نموذج سياسة بوش الخارجية )) فالسجين فيروز عباسي الذي أطلق سراحه فيما بعد تحدث عن عمليات التعذيب المنظم الذي يتعرض له سجناء غوانتانامو .

ثم قال فيسك : (( منذ جرائم 11/9 ضد الإنسانية فنحن الغربيون , إنكارا , أو صمتا , أو خوفا , تواطأنا مع القوة العظمى في جرائم ضد الإنسانية , وتركناها ترتكب بإسمنا أعمالا وحشية ستبقى وصمة عار على جباهنا , فنحن الأوربيون تفرجنا بعجز على جريمة قتل 250 ألف مسلم في البوسنة , فقد ألزمتنا أمريكا , أننا ومثلما لم نقم بإدانة تركيا على إبادة الأرمن أثناء مفاوضات ضمها الى الإتحاد الأوربي , فليس من حقنا إدانة أمريكا على أفعالها الوحشية في البوسنة .
لقد سئمت من سماع تصنيف كل منتقد لسياسة بوش على أنه معاد لأمريكا , فأنا أدين توني بلير لضعفه وإنقياده لأمريكا لكن هذا لا يعني أني معاد لبريطانيا , وحين أدين طغاة الشرق الأوسط وجلاديه فلن يعني ذلك أني معاد للعرب . ولكن .. طبعا .. إذا إنتقدت سياسة إسرائيل وممارستها للتعذيب وإنتهاكات حقوق الإنسان .. ستنبري أصوات مجهولة المصدر لإتهامي بمعاداة السامية .
أنا بالتأكيد معادي لبوش , وانا ضد سياسة إسرائيل في سرقة الأرض من العرب أصحابها وإعطائها لليهود . وانا ضد القادة العرب المتوحشين الذين معظمهم لم يزل صديقا لأوربا أو أمريكا , هؤلاء القادة ,, أدموا شعبهم الى أن أخضعوه , وما يجب علينا إدراكه هو أن البريطانيين والفرنسيين كانوا قد دمروا هذا الشعب وقطعوه الى دويلات غير ديمقراطية تأتمر بأمر هذه الإمبراطوريات البائدة , لذلك يجب أن تبقى الأمم المتحدة أساسا للقانون الدولي والحامية الرئيسية لحرياتنا , ولو أن الجميع إمتثلوا الى القانون الدولي منذ البداية , لما كنا أيدنا نظاما مثل نظام صدام حسين لسنوات عديدة , ولما كنا غزونا العراق من دون وجهة حق , وسلمنا مواطنيه الى الجحيم الكارثي الديمقراطي الذي يأنون تحته اليوم )) .

يا سادة يا كرام … كان هذا الكلام … عام 2006 . تعالوا نقرأ اليوم ما يكتب روبرت فيسك عن غزة . الكلام منشور على الموقع الأليكتروني لصحيفة الأنتبندنت وإليكم الرابط :
http://www.independent.co.uk/opinion/commentators/fisk/robert-fisk-why-do-they-hate-the-west-so-much-we-will-ask-1230046.html


الأربعاء , 7 كانون ثاني 2009
عنوان المقال : قد نتساءل , لماذا يكره العرب الغرب الى هذا الحد ؟

وهذه مرة ثانية , تفتح فيها إسرائيل بوابات الجحيم للفلسطينيين . مات 40 لاجيء مدني في مدرسة تابعة للأمم المتحدة , و 3 آخرون في مناطق أخرى .
لماذا علينا التعجب ؟ فهذه ليست أخبارا جديدة على الجيش الذي يؤمن ب (( طهارة الجيوش )) .
هل نسينا عدد القتلى 17500 وأغلبهم من المدنيين وأكثرهم أطفال ونساء في الإجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 ؟ أم الفلسطينيين المدنيين وعددهم 1700 الذين قتلوا في مجزرة صبرا وشاتيللا ؟


أم مجزرة قانا الأولى عام 1996 التي راح ضحيتها 106 لاجيء لبناني ؟ أكثر من نصفهم من الأطفال وفي مخيم للأمم المتحدة ؟
أم مجزرة لاجئي قرية المروحين الذين أمرتهم القوات الإسرائيلية عام 2006 بمغادرة بيوتهم ثم قام فريق إسرائيلي يحلق في هليكوبتر بقتلهم جميعا . كانوا 1000 إنسان تعرض للموت , ومعظمهم من المدنيين .
الذي يحير هو أن هناك العديد من القادة الغربيين , الكثير من الرؤساء ورؤساء الوزارات , وأخشى القول : والعديد من الكتّاب والصحفيين , يشترون اليوم نفس تلك الكذبة القديمة , بأن إسرائيل تتخذ أكبر الإحتياطات لتحاشي قتل السكان المدنيين , (( وأن إسرائيل لاتدخر وسعا في سبيل عدم إلحاق الأذى والضرر بهم )) كما قال سفير إسرائيلي قبل عدة ساعات من مجزرة غزة .
كل رئيس , ورئيس وزراء , يردد هذه ( المقولة العذر ) لتحاشي صدور قرار بوقف إطلاق النار .. يحمل مسؤولية دم هذه المجزرة على راحة يديه .
لو إمتلك جورج بوش الشجاعة لتقرير وقف إطلاق نار فوري قبل 48 ساعة, فإن الضحايا المدنيين الأربعين , والشيوخ , والنساء , والأطفال , ربما كانوا أحياءا الآن .

ما حدث لم يكن حاطا بالقدر فقط , لكنه كان مقرفا أيضا . هل عبارة ( جريمة حرب ) هي عبارة قوية بما فيه الكفاية لوصف ما وقع ؟
إذن ماذا يمكن أن نصف نفس ذلك الفعل لو أنه وقع من حماس ضد الإسرائيليين ؟
عليه أخشى أن ما وقع … سوف لن يعد ( جريمة حرب ) بعد تشبيه هذه الجريمة بالعديد من حالات القتل الجماعي قامت بها جيوش شرق أوسطية ضد مواطنيها ( بواسطة جنود سوريين, أو عراقيين , أو ايرانيين ) عندها لن يختلف ما يقوم به الإسرائيليون اليوم , وأعتقد أن السخرية ستكون رد فعلي على مثل هكذا تشبيه .

لكن … إسرائيل تزعم أنها بهذا تخوض ( حربنا ) ضد الإرهاب الدولي , فالإسرائيليون يزعمون أنهم يقاتلون في غزة من أجلنا , ومن أجل مُثلنا الغربية , ومن أجل أمننا , ومن أجل سلامتنا , وبنفس معاييرنا نحن . وعليه فنحن متواطئون اليوم في هذه الوحشية التي تقع ضد غزة .
قمت بتوثيق أعذار الجيش الإسرائيلي التي قدمها في الماضي حول مثل هذه الأفعال . لأنهم قد يعاودون طرحها في الساعات المقبلة . وهذه بعض تلك الأعذار :
# قد يقول الإسرائيليون أن الفلسطينيين هم الذين يقتلون مواطنيهم من أجل إتهامنا .
# أو أن الفلسطينيين يستخرجون الجثث من القبور لوضعها في الأماكن المقصوفة .
# أو أن الفلسطينيين أنفسهم مسؤولون عن موتهم لأنهم ساندوا فصائل مسلحة منهم .
# أو أن الفصائل الفلسطينية المسلحة هي الملامة لأنها إستخدمت تواجدها بين الأبرياء كغطاء لها .
في مجزرة صبرا وشاتيللا التي إرتكبها حزب الكتائب اللبناني الحليف لليمين الإسرائيلي , بينما كان الجنود الإسرائيليون وكما زعمت لجنة تحقيق إسرائيلية بموضوع المجزرة , يراقبون تلك المجزرة دون أن يفعلوا شيئا . وعندما أدينت إسرائيل فإن حكومة مناحيم بيغن إتهمت العالم أجمع أنه يفتري عليها .

أما بعد أن قامت المدفعية الإسرائيلية بإطلاق قذائفها الى داخل مخيم الأمم المتحدة في مجزرة قانا الأولى عام 1996 بإدعاء أن مقاتلين من حزب الله يستخدمون ذلك المخيم …. وكانت تلك كذبة تم بموجبها قتل أكثر من 1000 إنسان , بدأت حين إدعت إسرائيل بأن حزب الله قام بأسر جنديين إسرائيليين على خط الحدود . حين نفى حزب الله بكل بساطة قيامه بذلك , وقعت مجزرة قانا الثانية … التي إدعت فيها إسرائيل , أن جثث الأطفال الذين قتلوا في مجزة قانا الثانية , ربما جلبت من المقابر , وكانت تلك كذبة أخرى .


مجزرة قرية المروحين لن تغتفر أبدا .. أُمر سكان القرية بالنزوح عنها فأطاعوا الأوامر الإسرائيلية , وهم في طريق النزوح هاجمهم الإسرائيليون , فقام النازحون بأخذ أطفالهم وإيقافهم خلف السيارات التي كانوا يستعملونها , لكي يعلم الطيارون الإسرائيليون أن هؤلاء أطفال أبرياء , لكن مروحية إسرائيلية تقدمت الى مسافة قريبة وأطلقت النار على الأطفال .. فلم يبق على قيد الحياة إلا طفلين منهم قاما بتمثيل الموت .. لكن إسرائيل لم تعتذر عن ذلك أبدا .

قبل هذا الحادث ب 12 سنة , كانت هليكوبتر إسرائيلية أخرى قد هاجمت سيارة إسعاف تقل مدنيين من قرية مجاورة _ بعد أن كانت السلطات الإسرائيلية قد أمرتهم بالنزوح وقتلت منهم 3 أطفال وإمراتين .
إدعى الإسرائيليون أن مقاتلين من حزب الله كانوا يستقلون سيارة الإسعاف تلك , لكن ذلك لم يكن صحيحا , فقد قمت بتغطية كل هذا الحدث الوحشي , وناقشت الجميع , وتحدثت مع الناجين وكذلك فعل عدد من زملائي . وكان جزاؤنا أننا وبتشهير تم إتهامنا بمعاداة السامية .

أنا أكتب السطور التالية بدون أدنى شك : سنسمع جميع هذه الإدعاءات الكاذبة مرة اخرى , وسيكون علينا .. والله أعلم .. أن نلقي اللوم على حماس , فهناك الكثير مما يمكن أن نلوم حماس عليه غير هذه الجريمة .
قد تكون كذبة أننا إستخرجنا جثث الضحايا من المقبرة . أو كذبة أن حماس كانت تقيم في المدرسة التابعة للأمم المتحدة . أو كذبة أننا وبكل تأكيد نحمل مشاعر معاداة السامية .
أو أن زعماءنا سيحاولون تجميل الصورة بالقول إن حماس هي التي خرقت وقف إطلاق النار . لكن حماس لم تفعل . إسرائيل هي التي خرقت وعلى النحو التالي :
# يوم 4 نوفمبر عندما قتلت مدفعيتها 4 فلسطينيين في غزة .
# يوم 17 نوفمبر عندما قام رمي مدفعي آخر بقتل 4 فلسطينيين آخرين .

نعم .. يستحق الإسرائيليون الأمان .. فقد قتل 20 إسرائيلي في أنحاء غزة خلال العشر سنوات الماضية . لكن ما يزيد على 600 فلسطيني ماتوا في أقل من أسبوع .. وآلاف منذ عام 1948 … منذ مجزرة إسرائيل في دير ياسين التي أدت الى نزوح الفلسطينيين عن أرضهم التي سميت فيما بعد : إسرائيل
لايوجد وجه للمقارنة بين المستويين , ليس على مستوى صراع الشرق الأوسط , ولكن حتى على مستوى حروب يوغسلافيا خلال التسعينات من القرن الماضي . وبالطبع , فعندما سيتساءل عربي مع نفسه بغضب غير مقيد , ثم يرمقنا بنظرة حارقة عمياء ضد الغرب , عندها سنقول : ليس لنا علاقة بالسبب الذي يكرهنا العرب من أجله . لماذا يكرهوننا ؟
ولكن رجاءا .. لا تقولوا أننا لا نعرف السبب .