الرئيسية » مقالات » تعدد المراكز الحضارية في العالم القديم

تعدد المراكز الحضارية في العالم القديم

قامت مدارس التاريخ التقليدية بتقسيم العالم القديم إلى مناطق حضارية انبثقت منها أول المجتمعات المنظمة وأشكال الحكم والممالك الأولى، وما نتج عن ذلك من تطور في مختلف مناحي الحياة. وفي الوقت نفسه اعتبرت مناطق أخرى تفتقر إلى أي أثر مهم لوجود حضارات تاريخية قائمة بذاتها, وجنحت بعض الدراسات، وبالغت في إبراز دور بعض المناطق تاريخياً، مما أدى إلى تشكل وترسخ صورة نمطية عن العالم القديم، يتسع مشهدها فقط لعالم مكون من تعاقب حضارات أصلية وكبرى في مناطق محددة من العالم، كحضارات وادي النيل القديمة (الفرعونية)، وكذلك حضارات بلاد الرافدين، والجنوبية منها بشكل خاص (السومرية ،الأكادية). فضلاً عن حضارات أخرى في أطراف العالم القديم، مثل حضارات الصين وأمريكا اللاتينية. إلا أن المكتشفات الأثرية في الأعوام الأخيرة قد غيرت هذه المفاهيم النمطية وزعزعت الصورة التقليدية والمنمطة للعالم القديم، المتمحور حول فكرة وجود مراكز بعينها تنتمي إلى مناطق (محظوظة تاريخيا).
فق تم الكشف في السنوات الأخيرة عن المزيد من البنى المادية والمخلفات الأثرية (عمارة، أدوات حجرية وفخارية) لمجتمع منظم في مناطق الفرات والخابور الأعلى وبادية تدمر تعود إلى الألفين العاشر والتاسع قبل الميلاد، وتدل بشكل موثق على وجود حياة اجتماعية منظمة ومستقرة مرتبطة بالمكان. إن هذه المكتشفات تفرض بالضرورة إعادة النظر في التقسيم المدرسي النمطي لأهمية وتسلسل الحضارة البشرية في العالم القديم عموما وفي الشرق الأوسط خصوصا. وما نقصده هنا بالحضارة والتحضر والتطور هو التطور المجتمعي ( وبصفة خاصة في جانبها المادي)، وفي سياقه الزمني الأولي المبسط.
تبين المعطيات الأثرية والقراءة الموضوعية لمخلفات الإنسان في العصور الحجرية وخاصة الحديثة منها (Neolithic) بأن الحياة الاجتماعية المنظمة كانت تتوزع على رقعة واسعة في المنطقة، وهي أقدم مما تعلمناها في المدارس والجامعات.
فالمجتمع المنظم لم يكن وقفاً على منطقة محددة وضيقة من العالم القديم, بل ربما ستؤكد هذه المعطيات التاريخية الجديدة على أن أهم مواطن تنامي المجتمعات البشرية المنظمة كانت خارج المناطق المتعارف عليها سابقاً.
فوجود عمارة متطورة في الكوم بالبادية السورية شمالي تدمر في الألف الثامن ق م، وكذلك اكتشاف مستوطنات بشرية كبيرة نسبياً مع وجود مباني عامة، تشير إلى أن المناطق السهلية الدافئة والسفوح الجبلية كانت أكثر ملائمة لتأسيس المجتمعات البشرية الأولى منها في المناطق المنخفضة الحارة ذات التربة السبخية، وكذلك كانت بيئتها أفضل من القمم الجبلية الوعرة والباردة.
وقد أدى تراكم الخبرات والتطور النسبي لهذه التجمعات المبكرة البدائية في العصر الحجري الوسيط المتأخر والحجري الحديث إلى تحول عمراني ـ اجتماعي نوعي كبير، تجسد وانتظم في صيغ مبسطة للممالك الأولى. نشير إلى واحدة منها على سبيل المثال.
فقد برزت مملكة – مجتمع منظم بصبغة أولية أواسط الألف السادس (5500) ق.م في مناطق سهول الجزيرة العليا وأعالي أنهار (الفرات, دجلة, الخابور, البليخ)، فكانت البيئة الحضرية والنواة الاجتماعية لهذا التجمع البشري – الحضري على شكل تجمعات سكنية منظمة وكبيرة، مؤلفة من مساكن دائرية، وأخرى على شكل المفتاح، اجتمعت هذه المساكن، ترابطت واصطفت في استقامات حول الشوارع المرصوفة بالأحجار. لذلك يمكن اعتبارها من الناحية العمرانية الصرف بلدات كبيرة في حينها. أنتجت هذه التجمعات الفخار الجيد المستخدم كأداة متعددة الأغراض، ودجنت الحيوان، وقامت بالزراعة وتخزين الفائض من المحاصيل. كل هذا التطور حدث في حدودٍ وجغرافيّةٍ واضحةِ المعالمِ والتخوم. وتمركز حول مركز حضري( عاصمة جنينية) على منابع الخابور في موقع (تل حلف) غرب مدينة رأس العين على الحدود السورية ـ التركية الحالية. وكانت منطقة نفوذ هذه المملكة كبيرة، واصطلح علماء الآثار على تسميتها بحضارة تل حلف (نسبة إلى الاسم الحديث للمكان، تل حلف أو تل خلف والتي استمرت التنقيبات فيها منذ حوالي مائة عام).
إن ولادة أول قطب حضاري – اجتماعي منظم في أعالي الخابور تمتد حدوده إلى ما وراء نهر الزاب شرقاً وإلى نهر الفرات غرباً مع منتج معماري وأواني فخارية غاية في الدقة، استخدمت فيها الألوان الأحمر المشمشي والأصفر الشاحب، وصلت بعضها إلى مشارف الخليج العربي، له أكثر من دلالة في عالم لم يكن قد اكتشفت فيه الكتابة وإنتاج الفخار بعد، ولم يعرف المبادلات التجارية إلا على نطاق ضيق.
إن الافتراض بأن هذا المجتمع المنظم الأول الذي اصطلح على تسميته بالمجتمع الحلفي، الذي دام من منتصف الألف السادس إلى نهاية الألف الخامس ق.م، الذي تكوَّنَ وترسخ في أعالي الجزيرة الفراتية هو أساس لحضارات بلاد الرافدين الشمالية وسورية هو افتراض ينطوي على الكثير من القوة ويستند إلى منطق علمي سليم. بل يفترض بعض علماء الآثار أن المراكز الحضارية انتقلت إلى جنوب بلاد الرافدين وشمالا نحو الأناضول بعد انكماش الحضارة الحلفية وعلى حساب نفوذها وبعد تدميرها من قبل القوى الناشئة في جنوب بلاد الرافدين.
ومع ذلك لا نميل إلى الاعتقاد بالفرضيات التي تفصل فصلاً تاماً بين مجمل الإرث التاريخي – الاجتماعي في المنطقة، إذ يمكن القول بأن هذه المجتمعات البدائية قد تطورت في خط متصاعد لفترة طويلة إلى أن تبلورت في صيغ منظمة غير محددة الهوية (اللغوية على الأقل) مع الافتقار إلى المدونات، وقد نقلت منجزاتها من جيل إلى آخر ومن رقعة جغرافية إلى أخرى تجاورها، بحيث يمكن أن نعتبر أساس تاريخ مجتمعات سورية والأناضول وشمالي بلاد الرافدين هو المجتمع (الحلفي) الذي لم يندثر, ولم يتبخر وإنما تحول وتمظهر في شكل آخر أكثر دقة في سماته الحضارية، اللغوية، الفنية والمعتَقَديّة، ولكن بعد صيرورة تاريخية طويلة نسبياً وفي حقب ومراحل وأماكن لاحقة.
ومن المرجح أن المراكز الحضارية في العالم القديم كانت تنتقل من منطقة إلى أخرى مجاورة بشكل دوري، وكانت تعيد إنتاج خصائص زمانية ومكانية مكتسبة. فالمكتشفات الأثرية العديدة تفسح المجال أمام إعادة كتابة الكثير من المسلمات التاريخية التي باتت معارف أولية بسيطة في حقل علوم التاريخ أمام الكم الكبير من المعطيات والوثائق واللقى الأثرية الجديدة.


أنتجت حضارة تل حلف الفخار الملون لأول مرة في التاريخ في الألف السادس ق م
لنموذج لآنية فخارية


صورة لنموذج ( المفتاح) ـ عمارة مرحلة تل حلف قرب الموصل