الرئيسية » مقالات » القدس: فاتحة الكلام

القدس: فاتحة الكلام

لم تكن إمارات، الكرك، دمشق، حمص، حلب، الرها إلى بيروت، إلاّ سواراً يحمي مملكة القدس الصليبية، ويقف حاجزاً بينها وبين مضارب العرب الذين ما كفّوا عن التطلع إلى أولى القبلتين طوال مائتي عام تقريباً، ظلت فيها المدينة المقدسة أسيرة الاحتلال، إلى أن جاء صلاح الدين ووحّد مصر وبلاد الشام، فصارت “إمارات السوار” عبئاً على درّة التاج، فتحررت بعد واقعة حطين.
بقدر ما تمثل القدس هدفاً فإنها تشكل باعثاً لإعادة الحياة، ومحرضاً على الحرية، وهي تعيد بذلك الكلام إلى فاتحته الأولى، حين يجتمع العرب على كلمة واحدة، قد تشكل مناسبة اعتبارها عاصمة للثقافة العربية العام القادم2009 مدخلاً لها، على قاعدة إعادة الاعتبار إلى ثقافة عربية ناهضة موّحدة، يمكن أن تتشكّل على كل حال، رغم هشاشة السياسة، التي ظلت بحكم تباين الأنظمة وصراعاتها الخفية، عامل فرقة رغم الشعارات هنا أو هناك.
يتطلع العرب إلى القدس، إلى أن يدخلوها، ليعيدوا لها الحرية ولذاتهم الاعتبار، وحتى يكون الأمر كذلك، فلا بد من إطلاق الثقافة من عقالها على أرض فلسطين، حتى يأخذ المثقف الفلسطيني دوره كفاعل في إطار الثقافة العربية، وكفاعل أيضا في مركز الفعل الفلسطيني , في الوقت ذاته.
في خلفية الفعل وفي إطاره، تتفاعل مفردات الثقافة فيما بينها، لتفعل في إطار محيطها، وهكذا يمكن للمناسبة التي ستستمر طوال عام كامل أن تشكل رافعة لإعادة اعتبار علاقة الثقافة الفلسطينية بالسياسة الفلسطينية لتصحح مسارها، وتعيد توحيدها، وتعمق من وعيها بذاتها وبمشروعها كما كان حالها في دورتها الأولى قبل نحو نصف قرن.
وهذا يتطلب إعداداً جيداً وأفقاً واسعاً ومتسعاً، يضع في إطاره جميع المفردات، لإعادة إحياء أمل الناس بالحياة والحرية، حيث يمكن للمناسبة أن تكون فرصة ليس فقط لتنشيط الحياة الثقافية في فلسطين، ولكن أيضاً لإحياء الاتحادات والتجمعات والأطر النقابية، والأهم توحيد “أشتات” الثقافة الفلسطينية ذاتها، على طريق تحقيق واحدٍ من أهم وأنبل الأهداف الفلسطينية التي تعجز السياسة حتى لو نجحت في المدى المنظور بتحقيق هدف إقامة الدولة المستقلة، وهو توحيد الثقافة الفلسطينية، التي تحيط بالفلسطينيين أينما كانوا وأنى حلّوا وأقاموا.
وثوب الثقافة أوسع وأشمل من ثوب السياسة، ليس ضمن إطار التقسيمات والتصنيفات السياسية وحسب، ولكن الجغرافية والموضوعية أيضاً، فهي مناسبة إذاً ليعيد الفلسطينيون في كل مكان انتماءهم لأنفسهم، وليعيدوا إحياء تراثهم الثريّ جداً على صعيد الثقافة، كذلك ليعيدوا رسم المستقبل بعد أن شوشت السياسة وخلافاتها صورته الجميلة، التي شكلتها القصائد واللوحات، الأفلام والروايات والمسرحيات.
قد لا يتسع المكان، وقد تضيّق إجراءات الاحتلال، على المناسبة قدرتها على فعل “المستحيل”، لكن نبالة الفكرة وإطلاق الأحلام لا يزال ويبقى أمراً ممكناً، فعبر هذه الفاعلية، ستدرك الثقافة الفلسطينية مجدداً أنها ليست منقطعة الجذور، وأنها ليست على أرض يباب، وأنه يمكنها أن تجترح المعجزة، كما سبق وفعلت في عدة مناسبات، حين بشرت بالثورة المعاصرة.
من القدس إذاً وفي محيطها ستدبُ الحياة في أوصالنا، شرط أن نحسن صنعاً في المناسبة، وأن نحسن توظيف المشاركة العربية، حتى نعيد لأسوار القدس رونقها، وحتى نحلم بزوال الغيمة عن قببها في قادم الأيام، لا محالة.
وفي مواجهة الحدث، على كل من يؤمن بثقافة الحرية أن لا ينتظر قرارات أو تسهيلات أو ما شابه من إطار رسمي هنا أو هناك، وعلى الأطر الثقافية الشعبية أن تدفع باتجاه أن تجعل من المناسبة فرصة لإعادة الثقافة إلى مستواها الشعبي، فعلى كل اتحاد ونقابة ومركز ثقافي في كل مدينة وقرية ومخيم أن ينظم كل ما لديه من طاقات وأن يعدّ برنامجه لنشر ثقافته وتفعيلها على مدار العام، ويمكن لكل قطاعات الثقافة: شعر، قصّ، مسرح، سينما، فن تشكيلي موسيقي والى ما هناك، أن تبدأ في جمع أشتاتها عبر الاتصال الفردي والجماعي، حتى تكون المناسبة فرصة لتجاوز الآثار السلبية الفادحة التي نجمت عن نكبة العام 48 بتشتيتها، هنالك من وسائل اتصال حديثه ما يمكنه أن يساعد على تحقيق هذه المهمة.
لو بقيت النظرة وظل التفكير في كيفية إحياء مناسبة القدس عاصمة للثقافة العربية 2009 حبيسة المستوى الرسمي، لظلت الفاعليات ضمن إطار وإسار المهرجانات الموقعية والاحتفالات ضمن إطار النخبة وما إلى ذلك، لكن تحويل المناسبة إلى رافعة لإطلاق المكنون الشعبي لتحقيق أهداف بعيدة المدى، بات شعبنا ومجتمعنا بحاجة ماسة إليها وعلى أكثر من صعيد، يكون أفضل . ولو بقيت المناسبة ضمن إطار العلاقة الرسمية، لظلت المشاركة العربية خجولة ومحدودة، خاصة وأن هناك أسبابا تحول دون حضور المبدعين العرب إلى داخل القدس.
بقدر ما نعيد الاعتبار لرمزية القدس ولمكانتها، وبقدر ما نحرر النظرة من إطار التوظيفات قصيرة المدى، بقدر ما نجعل من القدس عاصمة حقيقية للثقافة العربية، ونجعل منها أيضا عاصمة للهوية الفلسطينية، وعنواناً لا يختلف اثنان عليه أبداً، تعيد القدس الاعتبار لنا بقدر ما نعيد الاعتبار إليها، والأمر لا يتوقف عند حدود الشعارات الكاذبة أو الساذجة، بل يحتاج إلى فعل دءوب ومنظم والى عقول متفتحة مع قلوب مفتوحة، حتى يعود الكلام مفهوماً بيننا، لا بد أن تكون القدس فاتحته وعنوانه، إلى أن تعود مدينة للسلام والوئام، حين تعود لها السيادة العربية، كما كان حالها منذ أن فتحها عمر، ومنذ أن أعاد لها هويتها صلاح الدين.