الرئيسية » مقالات » الدولة العراقیة الإتحادیة ومهامها

الدولة العراقیة الإتحادیة ومهامها

النظام الأخلاق والسیاسي والاجتماعي السائد في مجتمع ما ، وحتی عند الأفراد ، مبني علی ومقرون بالنظام الاقتصادي الفاعل في ذلك المجتمع ، وهذا الإرتباط إرتباط جوهري وعضوي . فالتغییرات الجذریة في الهیکل الاقتصادي لمجتمع ما عامل حاسم في هیکلة البناء الفکري والنظام الأخلاقي السائدین بین افراد ذلك المجتمع.
المقصود بالتغيير الاقتصادي هو ذلك التغييرالنوعي الذي یحدث نتیجة للإنتاج الفکري والجسدي للافراد ، ولیس تغییرا فوقیا کنتیجة لعوامل غیر إنتاجیة . فعلی سبیل المثال ، التغییرات الإقتصادیة الحاصلة في بعض الدول النفطیة وفي دول أخری نتیجة لتسويق وبیع مواد خام أوإستخراج وشحن موارد طبیعیة لم تغیر النظام الأخلاقي والقیم السائدة في تلك الدول . فموقع المرأة في تلك المجتمعات هونفسه‌ منذ قرون ، ومساحة الحریة الفردیة في المجتمع هي نفسها ومنذ دهور. فرغم التغییرات الاقتصادیة الهائلة نتیجة تراکمات الرأسمال، ورغم حرکة العمران وأستخدام التقنیة الحدیثة فان الفهم اللاإنساني لموقع المرأة ، مثالا ، ودورها في المجتمع ، وموقع الأقلیات الدینیة أو العرقیة في هیکل السیاسي للدولة ، ودور الفرد وحریته‌ الشخصیة وأحترام الطفل ککائن متکامل لم یطرأ علیه‌ تغییر جذري . لم یتغیر مفهوم الدولة وأرکانها ،ولا مفهوم القائد ووظیفته‌ ، ولا الإعتقاد الدیني ومساحة تأثیره‌ . ما أستبدل مفهوم الرعیة بمفهوم المواطنة . وفي العراق ورغم التغییرات الهائلة في ترکیبها السیاسي والاجتماعي فما یزال هذا الفهم البالي المسیطر علی الحیاة السیاسیة فاعلا . التغییر الکمي الذي حصل في العراق لم یتخطی لیصل الهیکل الإقتصادي و الإنتاجي للمجتمع . إقتصاد العراق کان ومایزال معتمد علی تصدیر البترول الخام . لذلك الدیمقراطیة والتفکیرالدیمقراطي بحاجة الی أشواط ومراحل لکي یتغیر النموذج الفکري السائد عند الحاکم وعند الفرد العراقي ، یحترم الآخر ولا ینفیه‌ ولا یستصغره‌ . لذلك نری بأن المشاکل الإجتماعیة و السیاسیة والإقتصادیة ماتزال عالقة ، والإقتراحات والحلول المطروحة لحل تلك المشاکل لیست أکثر حضاریة من معالجات الأنظمة السابقة لها ، حیث ماتزال عنیفة ، بدائیة وغیر دیمقراطیة .
ففي الدول ذات الإقتصاد الإستهلاکي ونتیجة لهذا‌ الرکود الفکري وفقدان عوامل المواکبة وأنسنة العلاقات البشریة فأن جمیع النشاطات البشریة قد أصیبت بشلل ، وإحدی هذه‌ النشاطات هي السیاسة والتعامل مع الآخر وأحترام حریة التفکیر . وعلاقة دولة بدولة أخری في هذه‌ المنطقة عموما هي الأخری علاقة راکدة لم تعاصر التغییرات الهائلة في العلاقات الدولیة . فعلی سبیل المثال ولیس حصرا ، مصر کدولة ذات سیادة تعامل دولة العراق کأن لها حق علیها لانهما دولتان إسلامیتان تارة وعربیتان تارة أخری . فالدولتان تتعمالان مع بعضهما البعض کأشقاء وأبناء العم ولهما نفس النسب والحسب . وتملي بعضهما البعض إلتزامات ومواقف سیاسیة کثیرا ما تکون لصالح إحداهما فقط . الخطاب الرسمي بین الدول العربیة شبیه‌ بعلاقة الإشقاء في عائلة تقلیدیة و من بیئة محافظة شبه‌ قبلیة . ففکرة الدولة کوحدة سیاسیة مستقلة جل وظیفتها حمایة مصالح مواطنیها غیر موجودة في جغرافیتنا الشرق الاوسطیة . ورغم أن الدولة ، کمفهوم سیاسي ، عبارة عن مؤسسة سیاسیة متجردة ، تغیر سیاستها حسب مصالح شعبها ولیس رغبة رئیسها ، فأن الدول العربیة تخالف هذا المفهوم قولا وفعلا . فالتغییرات السیاسیة في هذه‌ الدول تحدث إرضاء للزعماء والنخب الحاکمة . وهذا الجهل في السیاسیة والنفاق في السلوك قد نخر عمیقا بحیث إن النخب الحاکمة تعامل شعوبها کانها تملکها ، والعقلیة القبلية في التعامل مع الشعب قد أغلقت الباب أمام نمو المؤسسات المدنیة الدیمقراطیة الحدیثة . والعراق ووضعه‌ السیاسي ، رغم تحرره‌ من الدکتاتوریة السیاسية ، خیر دلیل علی ممارسة السیاسة في عصر العولمة بأسس ومبادئ قبلیة .
العراق دولة مستقلة ، بمعنی أنها ، کإطار جغرافي ، موجودة للدفاع عن الأفراد القاطنین فیها ولتنسیق المصالح الأقتصادیة والسیاسیة بین تلك الافراد الساکنة في هذه‌ الجغرافیة . وفي العراق ، کما نعلم ، أثنیات مختلفة ودیانات متعددة ومذاهب متباینة ، والدولة قبل أن تکون حاکماعلی الکل ، هي الحکم وراع لمصالح الجمیع . هذه‌ هي مهمة الدولة وسبب وجودها ککیان سیاسي . في دولة حضاریة دیمقراطیة لیس هناك أي فضل لفئة أو دیانة أو عرق علی الآخر . علی سبیل المثال ، إن الخلاف الشیعي السني قائم مع ظهور الإسلام ، لامن خلق الإستعمار ولا من صنع أعداء الإمة العربیة . المذهبان موجودان في العراق ، وکان العراق ومایزال ساحة لجزء کبیر من تأریخهما الدموي . فعلی دولة العراق أخذ بنظر الإعتبار هذا التأریخ وهذا الوجود البشري المتنوع . وللعراق تجربة ألیمة في ما قد حصل وقد یحصل أذا لم یحترم هذا التنوع في العقیدة والترکیب . علی الدولة أن تکون محایدا وحاکما وفاعل خیر ولیس طرفا ومنحازا . وعلاقة الکورد والعرب والقومیات الأخری في العراق لها نفس الثقل ونفس النتیجة والعواقب . حیاد الدولة وتوازن دورها هوعامل حاسم للسلام والإستقرارفي هذا البقعة الجغرافیة .
إن عقلیة التآمر والخداع والوعید في أدارة الدولة هي عقلیة رجل في مجتمع أبوي ولیس سلوك دولة علی کاهلها کل هذا العبء والإلتزامات بحق شعبها . وشعبها مکون من العرب والکورد وأقوام أخری ، من السنة والشیعة ومذاهب عدة . أحترام هذا التنوع والتوازن في التعامل معه‌ هي وظیفة الدولة الأولی . رئیس الدولة والوزراء ما هم سوی موظفون في خدمة الافراد ویتقاضون رواتبهم مقابل جهدهم ، فهم لیسوا موحدي الملل ومنقذي الإمم ومحاربین في سبیل الله‌ ورسوله‌ ، ولا خلفاء الله‌ علی الأرض ، ولا مختارین ولا معصومین ، ولیسوا أهل الحل والربط سوی في الدفاع عن العراق وشعبه‌ . ببساطة شدیدة هم موظفون یخدمون مصالح المجموعة البشریة المتواجدة في تلك الدولة ومقابل ذلك تقاضون رواتب . لذلك لیس من واجب رئیس الوزراء ، وخاصة في دولة إتحادیة کالعراق ، أن یأخذ مواقف سیاسیة لصالح مجموعة ضد أخری . رئیس الوزراء في دولة العراق یجب أن یلعب دور الحکم ویرفع الغبن عن المغدورین ویرفع الظلم عن المظلومین ، هذا حتی یدب السلام والإستقرار. فلا سلام في مجتمع یعاني بعض من أفراده‌ الظلم و الغبن ، وبغیاب السلام لاوجود للأمان . الکل ، الحاکم والمحکوم ، الاقلیة والاکثریة ، المسلم والمسیحي ، المدني والقروي کلهم خاسرون . لارابح في مجتمع غیر دیمقراطي . ولا منتصر في حرب دولة علی شعبها . العراق دولة لا کوردیة ولا عربیة ، العراق لا ملك الکورد ولا العرب . الکل علیه‌ واجبات والکل له‌ حقوق . لیس في العراق حکومة مرکزیة تتفاوض مع قوة داخلیة في محاولة لخداعها ولتنتهز الفرص للإنقضاض علیها . فترة المراهقة في إدارة الدولة قد إنقضت . الکل شرکاء والکل یتفاوض مع الکل للوصول الی حلول أفضل للکل . لیس في العراق من یعطي بخشیشا ومن یستقبله‌ ویحمد ربه‌ . لامکان للإضطهاد باسم الدین أو العروبة أو الوطنیة والأمن القومي . الأقلیة الدینیة أو العرقیة لیست بمعنی أنهم أقل حقوقا . هذه‌ الفکرة العتیقة البالیة لامکان لها في دولة إتحادیة کدولة العراق . الافکار العنصریة والإستعلائیة لا مکان لها في عصر العولمة وفي قرن الواحد بعد العشرین .