الرئيسية » مقالات » الكرد في المعادلة العراقية في ظل نظام البعث البائد بين 1968- 2003 :الحلقة الرابعة

الكرد في المعادلة العراقية في ظل نظام البعث البائد بين 1968- 2003 :الحلقة الرابعة

الكرد الفيليون ضحايا الارهاب العفلقي، فهل أنصفناهم؟

تَحدَثنا كثيرا عن حلبجه واستشهاد آلاف الأبرياء في تلك المدينة الفاضلة في الحلقات السابقة، كما تحدثنا كثيرا عن استشهاد ثمانية آلاف بارزاني اختفوا ودُفنوا أحياء في صحاري جنوب العراق. ولكننا لم نكن منصفين في بحثنا عن الأخوة الفيليين الذين كانوا رأس الرمح في نضال الشعب الكردي العظيم. فقد كانوا يمثلون وقود الثورة حين كانوا يدفعون الملايين من جهدهم وأتعابهم لتمويل الحركة التحررية الكردية ماليا ومعنويا. وكانوا من التجار الكبار في أسواق بغداد، وكانت كردستان تعيش في قلوبهم، كما كانوا هم يعيشون بين النيران التي تلتهب كردستان. وكان الكرد الفيليون يمثلون البركان الثائر لحرق الأعداء، من أجل حريتنا جميعا، حريتي وحريتك أيها العراقي، فلا تنس هذه الشريحة الثائرة التي فقدت كل ما كانت تملك من أجل تلك الحرية. هُجِروا من وطنهم، وأُجبِروا على النزوح، وجُرِدوا من أموالهم وممتلكاتهم، وأتُهموا زورا بأنهم ليسوا كردا عراقيين، وعُذِبوا وطُرِدوا، وقُتل الكثير منهم. فماذا فعلنا لهم؟ كيف جازيناهم وشكرناهم؟ ألم يستحقوا أن نمنحهم الحب ونجعلهم على رؤوسنا، ونحبهم لأنهم ضحوا من أجل الشعب كله؟ لم يكونوا أنانيين ولا تجار دم ولا جُباة ضرائب، بل كانوا من أولئك الذين قال فيهم عباس محمود العقاد في كتابه (الديمقراطية في الإسلام) : “إن في الكون حكما، وإن قضاء الحق فوق قضاء الأقوياء”. فقد كانوا يتحَدَِّون الصعوبات، وعاشوا عيشة صعبة في الملمات، وصدق توينبي في قوله “حين يزول التحدي تتهاوى الحضارة”.

الكرد الفيليون صنعوا الكثير من المجد بتَحَديهم للطغاة، وها نجد اليوم وزارات وبرلمانات كردستانية، فكم أعطينا لهؤلاء الذين أعطونا كثيرا؟ إنها مسؤوليتنا، فهل يفرَغ العقل عندما يفرغ فنجان القهوة من القهوة؟ كما قال سارتر. إنه يستحيل على الإنسان أن يقوم بأي عمل من الأعمال دون الاعتراف بالمعنى. لابد من شعور في أن ُنجزي هؤلاء الذين فسروا لنا معنى التاريخ الذي نعيشه اليوم، فلا ذات سامية إنما شعور بالذات لكي تصبح سامية.

قال الجنرال ديغول وهو يقارع النازية التي إحتلت بلده: “إذا أردتَ أن تعرف ما يحدث في بلدك فارحل بعيدا عنه”.
إننا نراقب الأحداث من بعيد، وكردستان تعيش في قلوبنا، ونتحدى الرسائل التي نستلمها من أعداء الكرد لأننا ندافع عن حقوق شعبنا في مرارة الهجر والغربة منذ سنين. ولكن ماذا يمكن أن نقول في الأخوة الكرد الفليليين الذين عاشوا غرباء بين الغرباء في إيران والمهجر بعد أن فُقدوا كل ما كانوا يملكون؟ هل نحن منصفون حقا معهم لكي يدخلوا معركة البناء والسلام والحضارة في إقليم كردستان اليوم كما دخلوا معركة المواجهة مع نظام صدام حسن؟

الشجاعة تتحقق بانتشار الديمقراطية، والحرية في النهاية شجاعة عقلية، ولا يمكن لديمقراطيتنا في إقليم كردستان أن تحقق هذه الشجاعة العقلية بدون أن نكون منصفين وأوفياء لكل هؤلاء الذين قدموا لنا أرواحهم لتنير الدروب المظلمة التي نسير عليها اليوم لنصنع للشعب كرامة وللوطن عزا. خذ مسؤوليك وكن منصفا للذي انصفك. إنهم الكرد الفيلية الذين ينبغي، لا بل يجب أن ننصفهم.

العهر الثقافي العفلقي

في أي بلد في العالم يُقتَل الأبوين حين يتفوه طفل بريء في الروضة أن والده لا يحب صدام حسين. القنابل الكيمياوية التي تساقطت فوق رؤوس الكرد حادثة فريدة في العالم. حادثة تستنكرها النفس البشرية والأخلاق الانسانية، حتى أن هتلر رفض أن يستخدم القنابل الكيمياوية رغم وجود مخزون هائل من تلك الأسلحة في ألمانيا النازية سنين الحرب العالمية الثانية 1939-1945. وعندما سألوه عن أسباب امتناعه استخدام تلك القنابل، قال بأنه كان جنديا في الحرب العالمية الأولى وساهم في معركة أستُخدمت فيها تلك القنابل، فشعر بالدوار وتوتُر الأعصاب والأوجاع في البطن والمفاصل، وحين يتذكر تلك اللحظات يُصيب بالدوار فيمتنع عن استخدامها.

كان هتلر دكتاتورا عنجهيا نازيا وعنصريا لا انسانيا. فماذا يمكن أن يُقال عن نظام العهد الصدامي البائد الذي كان يحرق أطفال كردستان كل يوم بأسم ثقافة الوحدة العربية، وثقافة أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة، وبأسم ثقافة الانفال وحرق القرى الكردستانية، وبأسم المقابر الجماعية وتعريب الكرد وكردستان وتهجير أهلها وإسكان الغرباء فيها. تلك هي عروبة صدام حسين، وقد انتقدها الشاعر الفلسطيني (محمود درويش) حين قال:
ونقول بعد الآن فلتحيا العروبة
مرّي إذا في أرض كردستان- مرّي يا عروبة
هذا حصاد الصيف هل تبصرين؟
لن تبصرين إن كنت من ثقب المدافع تبصرين [37].

لم يفكر صدام حسين بمصير القتلة حين كان في الحكم. وهو اليوم في عالم البرزخ. وقد يعرف أو لا يعرف بمصير القتلة، أين آلت نهاية هتلر وموسوليني وسوموزا وبول بوت وفرانكو ونوري السعيد وشاه ايران وبوكاسا وعشرات غيرهم؟ حتى المفكرون الذين مجَّدوا الحرب والعدوان أصابوا بالجنون، أمثال الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه. أما الذين حاولوا السيطرة على العالم فلم يعيشوا طويلا، وأصابوا بالعلل، أمثال (الأسكندر المقدوني) الذي مات بمرض الملاريا في الثلاثينات من عمره، ونابليون بونابرت الذي مات بداء الصرع، ويوليوث قيصر مقتولا، وهتلر منتحرا.

قال الشاعر العربي العراقي (أبو ثائر)، ” تعال معي أخي المتطلع الى الحقيقة لزيارة كردستان والوقوف عن كثب على حقيقة مايجري هناك من ظلم مابعده ظلم”. وقد عبر عن حقيقة العهر الثقافي البعثي والفكر العفلقي الصدامي الغارس في ممارسة الارهاب والقتل في قصيدته المأثرة بعنوان (شاهدتُ) ذلك أنه العربي الذي يشهد مأساة الشعب الكردي بنفسه. نقتطف منها بضعة أبيات:

ففي جبالك كردستان كم مطرت
طيارة البعث أو ألقت بنيران
وهل تعامى عن الأطفال أم عميت
عيناه عن نسوة مرضى ورضعان
وهل رأى ما جرى أم لم يرَ أبدا
مأساة من دمِنا في حاج عمران
وما تأسى لنا طفل وراضعة
في خرمال أو زاخو وجومان
وفي ضواحي نوبردان مجزرة
وفي حلبجه غدر البعث آذاني
وفي مصايفنا نسرين نائحة
وصوت مريم في لولان أبكاني [38]

حقائق تدين نظام صدام البائد

الجرائم التي ارتكبها النظام العفلقي البائد تضع الانسان أمام حقيقة مرة ليست بعدها مرارة، جرائم أجبرت حتى أصدقاء نظام صدام حسين أن يعيدوا النظر في مواقفهم. على سبيل المثال الولايات المتحدة الاميركية التي كانت تؤيده آنذاك في حربه مع إيران ثماني سنين. فقد ذكرت وكالات الأنباء أن مجلس الشيوخ الأمريكي أدان علنا استخدام العراق غاز الأعصاب في حلبجه. وصرح ناطق بأسم مجلس الشيوخ الاميركي أن الامم المتحدة أكدت استخدام العراق للسلاح الكيمياوي مرات عديدة، رغم بروتوكول جنيف لعام 1925 الذي يحرم استخدامها.
وفي يناير/ كانون الثاني عام 1989 عُقد مؤتمر باريس، واشتركت فيه (149) دولة بما فيها العراق، بضرورة عدم استعمال الأسلحة الكيمياوية.
نشرت مجلة (شتيرن) مقالة حول حلبجه تقول:
“كشف أحد الفنيين من شركة شتاير الألمانية (الغربية) النقاب أن المكائن والخبرة الألمانية مكّنت العراق من انتاج الأسلحة الكيمياوية. وأن هذه المكائن وصلت الى العراق عن طريق تركيا وبمساعدة حكومتها” [39].

ونقلت مجلة (بربانك) أسماء ثلاثين خبيرا روسيا يعملون في معامل انتاج الاسلحة الكيمياوية العراقية [40]. وكشف الأستاذ مام جلال الطالباني، في مقابلة اجرتها مع سيادته مجلة (بربانك)، النقاب عن هذه الحقيقة قائلا: أنه بعث برسالة الى الزعيم السوفيتي آنذاك (غورباشوف) والمكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفيتي، مطالبا بضرورة سحب هؤلاء الخبراء من العراق، لأن ذلك لا يتوافق مع مباديء (البيريسترويكا) أي (اعادة البناء) و (الكلاسنوست) أي العلنية.

تقارير منظمة العفو الدولية والمنظمات التابعة للامم المتحدة

تعطينا منظمة العفو الدولية للدفاع عن حقوق الانسان صورة واضحة عن بعض ممارسات نظام صدام حسين في فترة عمليات (الأنفال) ضد الشعب الكردي، من خلال البيان الذي ألقته المنظمة في الدورة الأربعين لـ (اللجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الأقليات التابعة للأمم المتحدة) في أواخر عام 1988. كما أعلنت منظمة العفو الدولية، أن المعاملة الوحشية للأطفال الكرد من قبل نظام البعث العفلقي الصدامي أصبحت ممارسة روتينية في سجون العراق، حيث تعرض الأطفال للتعذيب لارغامهم على الاعتراف ضد ذويهم بجرائم مزعومة.
وقد جاء في بيان هذه المنظمة في الدورة الاربعين للجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الأقليات مايلي:
” نود أن نلفت انتباه هذه اللجنة الفرعية الى وضع تعتقد منظمة العفو الدولية أن يستحق التمحيص العاجل، ألا وهو المستوى الملح المروع من انتهاكات حقوق الانسان التي مازالت تحدث في العراق. وبالرغم من أن العراق ليس البلد الوحيد الذي يثير نسبة عالية وخطيرة من قلق منظمة العفو الدولية حاليا، إلاّ أننا نعتقد أن خطورة الوضع في العراق تتطلب اهتماما فوريا، وخاصة بالنظر الى التطورات السياسية الاخيرة المتعلقة بالنزاع بين ايران والعراق. لقد سبق وأبلغت منظمة العفو الدولية الأمين العام للأمم المتحدة بمعلومات عن العراق. لكن بياننا اليوم يحتوي على معلومات اضافية أكثر حداثة وتفصيلا عن معلوماتنا السابقة، وهو جدير باعتبار اللجنة الفرعية تحت هذا البند من جدول الاعمال.
سيادة الرئيس
إن منظمة العفو الدولية ترحب بوقف اطلاق النار المقترح وبالخطوات المتخذة لتحقيق تسوية سلمية للنزاع بين ايران والعراق. وقد لعب مجلس الأمن الدولي والأمين العام دورا رئيسا في المفاوضات. كما ستواصل الامم المتحدة اشتراكها الوثيق في تنفيذ خطة السلام. ولذا فإنه من المهم بصورة خاصة في فترة الانتقال هو أن تولي عناية خاصة لحماية حقوق الانسان ومنع المزيد من الانتهاكات.
إذ لم يخضع الوضع في العراق لفحص مشابه بالرغم من أن جميع الاجهزة الثلاثة التابعة للجنة التي يطلق عليها أسم (الاجهزة الموضوعية) وهي المجموعة العاملة على حوادث الاختفاء القهري او الاكراهي. والمقررون الخاصون بالإعدامات الفورية او التعسفية وبالتعذيب، قامت مرارا بلفت الانتباه في تقاريرها الى ادعاءات بانتهاكات واقعة ضمن نطاق مهامها حدثت داخل العراق.
وعلى مدى عدد من السنين، ظلت منظمة العفو الدولية تتلقى تقارير مقلقة عن حوادث قتل متعمدة على نطاق واسع لمدنيين اكراد غير مسلحين قامت بها قوات الحكومة العراقية، وعن اعدام جماعي لسجناء سياسيين بدون اجراءات قانونية مسبقة. ويبدو أن حوادث القتل هذه استمرت بلا هوادة. وفي هذا البيان، تود منظمة العفو الدولية أن تلفت انتباه اللجنة الفرعية الى ما تعتقد أنه سياسة منهجية ومتعمدة من قبل حكومة العراق، للقضاء على أعداد كبيرة من المدنيين الاكراد، عقابا لهم على مايعزى اليهم من تعاطفات سياسية، وانتقاما لنشاطات قوات المعارضة.
وقد ورد أن اعدادا كبيرة من المدنيين الاكراد، من بينهم نساء وأطفال مصابين بجروح نتيجة لهجمات كيمياوية شنتها قوات الحكومة عام 1987 وفي وقت سابق من هذا العام، احتجزوا، وأن الكثيرين منهم أعدموا في وقت لاحق. وفي شهر آذار/ مارس من هذا العام (1988) قيل أن عدة مئات من الاشخاص، ربما يبلغ عددهم أربعماءة شخص، اعتقلوا وهم في طريقهم الى مدينة السليمانية سعيا وراء العلاج الطبي للجروح التي أنزلتها بهم القوات العراقية باستعمالها الاسلحة الكيمياوية في منطقة قرداغ بمحافظة السليمانية. وورد انهم اخذوا الى (معسكر تانجو) على مسافة 4 كيلومترات خارج المدينة، واعدموا رميا بالرصاص في 2 أبريل/ نيسان.
وفي حادث آخر وقع في منتصف أبريل/ نيسان 1987، في أعقاب هجوم كيمياوي على وادي باليسان في محافظة أربيل، نقل الى مستشفيات أربيل للعلاج نحو (360) شخصا من (قرية وسان) أصيبوا بجروح نتيجة للهجوم. ووفقا لتقارير وردت الى منظمة العفو الدولية، من بينها شاهد عيان، حرم الضحايا من العلاج الطبي، ونقلوا بواسطة قوات الأمن الى مركز اعتقال أربيل. وذكر أنهم اختفوا بعد ذلك بأيام، عقب نقلهم الى جهة مجهولة خارج المدينة ولايزال مصيرهم ومكان وجودهم مجهولين. ودعى أنهم ربما قد أعدموا. وقد استلمت منظمة العفو الدولية أسماء (48) من الضحايا.
وعلى مر السنين دعمت منظمة العفو الدولية بالوثائق كثيرا من حوادث القتل المتعمد هذه لايمكن أن تعزى للقتال. وفي تشرين الأول/أكتوبر 1985 ورد ما يزيد على (300) كردي قتلوا في مدينتي السليمانية وأربيل، في أعقاب قتل ضابطي جيش على أيدي قوات المعارضة. واعتقل بعض الضحايا وجرى صفهم وقتلهم بالرصاص، وادعى أن آخرين دفنوا أحياء أو فارقوا الحياة عندما أطلقت القوات النار مباشرة على جماهير المتظاهرين. وفي وقت أقرب عهدا، قيل أن مايقدر بمئة وخمسين كرديا بينهم نساء وأطفال أعدموا بصورة فورية عقب عمليات تفتيش أجريت من بيت الى بيت في قرية (جيمن) بمحافظة كركوك في تشرين الثاني/ نوفمبر 1987. و (جيمن) هي قرية من بين مئات القرى الكردية التي اعلنت السلطات منذ آذار/ مارس 1987 أنها محرمة لأسباب أمنية والتي أعيد توطين سكانها قسرا. وقد قُصفت القرية بعد أن عاد سكانها الى ديارهم، وكانوا قد طردوا قبل ذلك.
وتعتقد منظمة العفو الدولية أن قوات الحكومة التي وزعت في شمال العراق تمتعت طوال سنوات عديدة بسلطات واسعة لإتخاذ اجراءات عقابية، تشمل الإعدام الفوري ضد المدنيين الاكراد، انتقاما من الهجمات التي تشنها قوات المعارضة. ففي أبريل/ نيسان 1986، على سبيل المثال، اعتقل 15 طالبا واعدموا بالرصاص علانية في أربيل. وفي مايو/ أيار 1987 اعتقل ثمانية مدنيين بصورة مشابهة واعدموا علانية في السليمانية ردا على مثل تلك الهجمات. واعتقل مدنيون يشتبه بتأييدهم للمعارضة أو تعاطفهم معها، واعدموا في عدد من الحالات بدون محاكمة، وكان أقرباء الممناهضين أيضا هدفا لمثل هذه الانتهاكات. وقد أعدم المحتجزون بشكل جماعي في السجون بدون اجراءات قانونية مسبقة، أو بعد صدور أحكام بالسجن عليهم. ولدى منظمة العفو الدولية أسماء (46) كرديا ذكر أنهم اعدموا في (سجن أبو غريب) في بغداد خلال اليومين الأخيرين من ديسمبر/ كانون الاول 1987. وقد مات أكراد معارضون وهم قيد الاحتجاز نتيجة للتعذيب، بينما قيل أن آخرين سمموا بواسطة عملاء الحكومة. ولا يزال مصير عدة آلاف من الاكراد مجهولا. وكان قد ورد أنهم اختفوا عقب اعتقالهم عام 1983. وترفع منظمة العفو الدولية بانتظام تفاصيل هذه الانتهاكات الى الاجهزة (الموضوعية) للجنة، بالاضافة الى اثارتها مع حكومة العراق التي كانت ترفض مثل تلك الادعاءات على وجه العموم، لكنها اعترفت بعدد من حوادث الاعدام.
سيادة الرئيس
من المأمول أن تكون الحرب بين العراق وايران على وشك الانتهاء، إلاّ أن هناك مخاوف شديدة من امكان حدوث مزيد من التدهور الملحوظ في وضع حقوق الانسان في العراق في أعقابها، إذ قامت الحكومة باتخاذ مزيد من الاجراءات ضد منتقديها ومعارضيها في الداخل. وبالتالي فإن لدى منظمة العفو الدولية شعور قوي بوجود حاجة لمراقبة الحالة بدقة في المستقبل. لقد شهدت السنوات الاخيرة، والشهور الاخيرة بصورة خاصة، أشد حوادث القتل تعمدا وانتظاما ضد الاكراد، خاصة المدنيين غير المسلحين منهم. أن عددا من الحالات التي استعملت فيها القوات العراقية الأسلحة الكيمياوية بصورة متكررة في المنطقة الكردية. لأغراض عسكرية من الناحية الظاهرية، يشير بقوة ووضوح الى وجود مثل هذه السياسة الحكومية. وقتل عدد يقدر (بخمسة آلاف مدني) عقب الهجوم الكيمياوي على مدينة (حلبجه) في مارس/ آذار 1988. فضلا عن قتل مئات آخرين في هجمات مشابهة تواردت انباءها منذ أبريل/ نيسان 1987، غني عن الافاضة. وقد ذكرت الانباء أن آخر هجوم من هذا النوع وقع في وقت سابق من هذا الشهر.
إن هذه الانتهاكات يجب أن لاتمر بعد اليوم بدون أن يلحظها المجتمع الدولي أو يدقق فيها. وفي الوقت الذي تسعى فيه مفاوضات السلام الى حسم النزاع الخارجي. تقع على عاتق الامم المتحدة مسؤولية التأكد من أن ذلك لن يسفر عن مزيد من التدهور في وضع حقوق الانسان داخل العراق. ونحن نحث اللجنة الفرعية هذه على أن تضمن اتخاذ الاجراء الملائم الفعال من قبل هيئات الأمم المتحدة المعنية بحقوق الانسان لتشجيع العراق على مراعاة التزاماته الدولية، ولضمان الحماية التامة لحقوق الانسان الاساسية بالنسبة لأفراد شعبه جميعا ” [41].

تتبع: الحلقة الخامسة والأخيرة
الهوامش
37- من قصيدة محمود درويش بعنوان (معكم).
38 – ابو ثائر، كردستان في الشعر العربي، ستوكهولم 1990، ص 129.
39- مجلة شتيرن الالمانية، “مجزرة حلبجه بمساعدة الألمان”، عدد تموز 1988.
40- مجلة بربانك، عدد فبراير/ شباط 1989. نقلا عن “ريبازي نوي” الجريدة المركزية للاتحاد الوطني الكردستاني.
41- بيان منظمة العفو الدولية أمام الدورة الأربعين للجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الأقليات التابعة للأمم المتحدة في أواخر عام 1988.