الرئيسية » مقالات » الكرد في المعادلة العراقية في ظل نظام البعث البائد بين 1968-2003: الحلقلة الثالثة

الكرد في المعادلة العراقية في ظل نظام البعث البائد بين 1968-2003: الحلقلة الثالثة

شهود عيان يتحدثون عن مشاهد مأساوية عميقة

هنا أورد مشهدين من آلاف مشاهد المأساة العميقة التي تعرض لها الشعب الكردي بسبب مطالبته بحقوقه القومية المشروعة في إطار عراق ديمقراطي ينعم فيه الشعب العراقي كله بالحرية والمساواة.

المشهد الأول:
“المشهد قرية ورتي في قضاء رواندوز بمحافظة أربيل، وهي قرية كبيرة كانت تبلغ حوالي (600) عائلة آنذاك، وظلت حتى أيار بعيدة عن متناول الذئاب الفاشية. في 24 أيار عام 1988، وصلتها الحملة الشرسة، مغاوير وجنود لواء الحرس الجمهوري. فبدؤوا فورا باحراق المنازل، الواحد بعد الآخر. كانوا يهرولون وهم ينقلون النار من منزل الى منزل، فتعالى الدخان ألسنة اللهب. وخرج من بين الحرائق رجل وامرأة عجوزان لم يستطيعا الهرب، وبقيا بعد أن هرب الرجال والنساء والاطفال. الرجل (قادر علي زيرو) 82 عاما. المرأة (ستي رسول) 86 عاما. فأمسك بهما المغاوير أثناء محاولتهما الهرب من النيران. جروا المرأة العجوز الى الخرائب ,اعتدى عليها جنديان. وأما الرجل فصار الجنود يتقاذفونه كالكرة، وحملوه أعلاه ثم طرحوه بشدة، وسحبوه بقوة. إثنان من يدين، واثنان من رجلين حتى ندت منه أنه أغمي عليه بعدها، ثم قفزوا يركضون على بطنه. وغرس أحدهم حربة في صدره وأفرغ آخر صلية على طول جسمه. وفي هذه الأثناء جاؤوا بالعجوز نصف عارية وهي تبكي وتلطم، فركلها أحدهم بالجزمة من عقبها فسقطت على بطنها، وهرع آخر وأمسك بأحدى ذراعيها، ووقف آخر على ظهرها، فسحب الذراع بكل قوة، ثم قلبوها على ظهرها، فوقف اثنان على صدرها وأمسك آخر باحدى رجليها ولواها بكل قوة ثم سحبها فتقطعت وهكذا قطعوا أجزاء أخرى من جسمها. وجاء آخر ينهال على رأسها بجزمته بكل قواه حتى تعب، فتركها جثة غارقة في الدم. ثم مضوا الى قرية أخرى لاحراقها” [29].

وهناك مشهد آخر عن مأساة أم كردية في قرية (ملكان) الكردستانية التي تعرضت لقصف القنابل الكيمياوية عشية عيد الفطر المبارك عام 1988. شاهد العيان هو المرحوم سامي عبد الرحمن الذي قام بجولة في الارض المحروقة ليعيش مأساة الشعب الكردي الحي.
ينزل سامي عبد الرحمن في القرية التي قدمت عدة شهداء
“ويجد طفلة صغيرة شعرت أمها أنها تحتضر فأرادت أن تقبلها القبلة الاخيرة في المستشفى فأدارت الأم المصابة عينيها من أعلى رأس الطفلة حتر قدميها لإيجاد مكان غير محروق أو نازف فلم تجد إلا بقعة صغيرة من قدم طفلتها سالمة فوجهت عاطفتها المحترقة الى تلك البقعة في قبلة تغمرها الدموع” [30].

اعترافات نظام صدام بإبادة الكرد
في يوم 14 يونيو/حزيران عام 1987 صدر كتاب من أمين سر الدولة (علي موشدة كاظم) الى كافة المنظمات الحزبية البعثية يؤكد على سياسة التهجير الجماعي بحق الشعب الكردي وقتل كل مواطن أعزل، وإبادة الحيوانات التي تتواجد على أرض كردستان. وهنا أشير ألى نص القرار:
حزب البعث العربي الاشتراكي

أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة

قيادة شعبة زاخو
لجنة تنظيم أفواج الدفاع الوطني
العدد/س/ش/664
التاريخ:14/6/1987
سري للغاية وشخصي
الى كافة المنظمات الحزبية
م/قرار
تحية رفاقية
كتاب لجنة تنظيم أفواج الدفاع الوطني المرقم س.ش/ 1175 في 9/6/1987 المعطوف على كتاب مكتب تنظيم الشمال/ سري للغاية وشخصي/28/2650 في 3/6/1987 المتضمن مايلي:
1. يمنع منعا باتا وصول أية مادة غذائية أو بشرية أو آلية الى القرى المحذورة أمنيا بالمرحلة الثانية من تجميع القرى ويسمح للعودة الى الصف الوطني من يرغب منهم ولا يسمح الاتصال بهم من أقربائهم نهائيا إلا بعلم الاجهزة الأمنية.
2. يمنع التواجد منعا باتا للمناطق المرحلة من القرى المحظورة أمنيا والمشمولة بالمرحلة الأولى ولغاية 21/6/1987 للمنطقة المشمولة بالمرحلة الثانية.
3. بعد اكمال الموسم الشتوي والذي يجب أن ينتهي قبل يوم 15 أيلول/ تموز بالنسبة للحصاد ولا يجوز استمرار الزراعة فيه للموسمين الشتوي والصيفي لهذا الموسم أيضا.
4. يحرم كذلك رعي المواشي ضمن هذه المناطق.
5. على القوة العسكرية كل ضمن قاطعه قتل أي انسان أو حيوان يتواجد ضمن هذه المناطق وتعتبر محرمة تحريما كاملا.
6. يبلغ المشمولين بترحيلهم الى المجمعات بهذا القرار ويتحملون مسؤولية مخالفتهم له.
للتفضل بالاطلاع والعمل بموجبه- كل ضمن اختصاصه- مع التقدير.
ودمتم للنضال.
الرفيق
علي موشدة كاظم
أمين سر الدولة

ذكر المدير العام لأمن نظام صدام (فاضل البراك) في كتابه (حول الأمن القومي) بضرورة تغيير التركيب الاجتماعي في العراق. وهو يعني بذلك تنفيذ خطط صدام حسين بنقل الأكراد الى السعودية والسودان واليمن الشمالي، وفتح مجمعات سكنية للبقية الباقية منهم في صحاري الجنوب وجعل كردستان منطقة مهجورة أو أقليما عربيا، ذلك أن فاضل البراك يعتبر القضية الكردية خطرا على الأمن القومي العربي.
اعترف وزير الخارجية العراقي (طارق عزيز) بالجرائم التي ارتكبها النظام العراقي في العهد البائد، وقال: “نحن نأمل أن يتفهم المجتمع الدولي الأساليب التي نستعملها لما أسماه، الدفاع عن شعبنا وقوميتنا”[31]. بذلك المنطق الأعوج والفكر المتخلف يريد طارق عزيز ان يبيد الشعب الكردي الذي يدافع عن حقوقه دون ان يعتدي على أحد، تحت حجة حماية القومية العربية التي لا تفهم قادتها العفلقيون الحرية وحقوق الانسان وحق الشعوب الاخرى في الحياة. وطبيعي أن الشرفاء من الشعب العربي براء من هذه الجرائم.
واعتقد صدام حسين أن من حقه استخدام كل انواع الاسلحة ضد المدنيين الكرد العزل للدفاع عن شعبه. ومن هنا يرى المرء أن صدام حسين لايعتبر الكرد مواطنين عراقيين. واذا كان الامر كذلك فلماذا يُلام الكرد إذا ناضلوا من أجل دولة كرستانية مستقلة على أرض وطنهم كردستان ليخلصوا من ممارسات هذه العقليات الاستبدادية المتخلفة؟
أدلى سفير النظام العراقي في العاصمة البريطانية – لندن – في 6 يونيو/ حزيران 1989 بتصريح أعلن فيه عن خطة النظام العراقي بافراغ مساحات شاسعة من المناطق الحدودية بعمق 30 كيلومترا في مناطقها المتاخمة لإيران وتركيا وجنوب العراق، وايجاد حزام أمني حدودي بطول (1200) كيلومتر.
في الحقيقة والواقع لايشمل هذا الحزام المناطق العربية، إنما ينتهي طرفه الجنوبي عند آخر نقطة يسكنها الكرد. هذا إذا علمنا أن الحدود العراقية مع كل من تركيا وايران تبلغ حوالي 1700 كيلومتر طولا حسب تصريحات مسؤولين حكوميين.
إن ما اسماه السفير العراقي في لندن، بخطة الحزام الأمني لا تشمل في الواقع المناطق الجنوبية، وإلا لأمكن إخلاء مدينتي البصرة والفاو مثلا. إن الخطة هي في الأصل موجه لإخلاء مدن كردستان من شعبها الكردي، وقد تم تدمير أكثر من أربعة آلاف قرية كردستانية حينذاك، إضافة الى عشرات المدن الكردستانية التي تقع في عمق حوالي مائة كيلومتر عن الحدود، مثل مدينتي (سنكاو، وقرداغ) الكردستانيتين، اضافة الى اخلاء مدينة كركوك الكردستانية من سكانها الكرد.
وأعلن النظام العراقي الصدامي عن اخلاء المناطق الحدودية مع سورية أيضا بعمق 30 كيلومترا. وعلى هذا الأساس فإن القرى والمدن الكردستانية التي هدمت وأخلِيَت على الحدود الايرانية التركية السورية والتي سيتم هدمها واخلاء الشعب منها كليا ستكون أكثر من (40.000) أربعين ألف كيلومتر مربع أي ما يعادل حوالي أربعة أضعاف مساحة لبنان. [32].

السياسة العنصرية والجينوسايد منافية للمواثيق الدولية
السياسة العنصرية التي اتبعها نظام صدام حسين بحق الشعب الكردي منافية لـ (المعاهدة الدولية حول الغاء كافة أشكال التمييز العنصري) والتي أقرت في الدورة العشرين للجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 21 يناير/ كانون الثاني 1965. حيث تشير المعاهدة الى حظر والغاء التمييز العنصري بكافة أشكاله. وإقامة المساواة بين الناس، وحق الحريات العامة بغض النظر عن الجنس، البشرة، الانتماء القومي والعرقي.
كما أن التعذيب ممنوع كذلك في التشريعات العراقية بموجب الفقرة 22 (أ) من الدستور. وتذكر الفقرة (127) من (قانون المرافعات القضائية لعام 1971) بأنه “يمنع استعمال طرق غير قانونية بحق المواطنين أو تهديدهم أو استعمال العقاقير”[33].
الاعتقالات الكيفية بحق المواطنين الكرد أمر عادي من قبل النظام البعثي العراقي. وينفذ أحكام الاعدام بحق كل مَن ينتمي لتنظيم سياسي آخر عدا حزب البعث العفلقي، الى درجة أن حكم الاعدام ينفذ بحق المواطن الذي ينتقد دكتاتور العراق صدام حسين حسب قانون شرع عام 1986. وهذا خرق صريح (للميثاق العالمي للحقوق المدنية والسياسية)، ولا سيما المادة التاسعة بفقراتها الخمس، حيث تنص الفقرة الأولى:
“لكل شخص الحق بالحرية والأمن الشخصي ويجب عدم تعريض أي شخص لإلقاء القبض أو الاعتقال الكيفي ويجب عدم حرمان أي شخص من حريته باستثناء ذلك الحرمان الذي يجري على أساس وطبقا للاجراءات التي يحددها القانون” [34].
كما تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في9 سبتمبر/ أيلول 1975 اعلان يدين أي عمل تعذيب أو معاملة غير انسانية بحق الانسان. كما أن (الاعلان العالمي لحقوق الانسان) يشترط عدم تعريض أي شخص للتعذيب والقسوة. وأوصت الجمعية العامة بأن يكون الاعلان العالمي دليل عمل لجميع الدول. وقد وافق العراق رسميا في 3 سبتمبر/ أيلول 1979 بالالتزام ببنود الاعلان وتنفيذه عبر تشريعاتها وممارساتها. “يكون لكل فرد الحق في الحياة والحرية والأمن”[35]، كما أن عملية التعذيب والملاحقة منافية للمواد 5، 9 و12 من لائحة حقوق الانسان العالمية.
أما عملية التعريب اللاإنسانية فمنافية لبنود (لائحة حقوق الانسان العالمية)، ولاسيما البنود الثلاثة الاولى. حيث يقول البند الأول: كل الناس ولدوا أحرارا، ولهم نفس القيمة الانسانية والحقوق، ويجب معاملتهم على أساس الأخوة”.
أما سياسة ترحيل الكرد الفيليين وهم كرد أقحاح وعراقيون، فمخالفة للائحة حقوق الانسان العالمية. تقول المادة 15 مايلي:
1. لكل فرد الحق في الجنسية.
2. لايجوز سحب الجنسية من أحد أو اجباره بتغيير جنسيته.

وتقول المادة 7 مايلي:
جميع المواطنين متساوون أمام القانون ويتمتعون بحماية القانون بالتساوي . . .” [36].

إن سياسة القمع بحق أبناء الشعب الكردي في التعلم بلغته، واجبار التلاميذ الكرد بدراسة اللغة العربية ومنع دراسة اللغة الكردية في كردستان العراق منافية لـ (الميثاق الدولي لحقوق الانسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية) المصادق عليه من قبل الأمم المتحدة في 16/12/1966. وصادق العراق عليه عام 1971. ويؤكد (البند الثالث عشر) من الميثاق على حق كل فرد في التعليم في أن يطور نفسه ويحترم حقوق الانسان والحريات الأساسية في مجتمع حر ومن أجل تقوية الصداقة بين كافة الأمم والمجموعات العرقية أو الدينية للحفاظ على السلام.
إن عدم احترام نظام صدام حسين لتلك المواثيق الدولية يؤكد لنا مدى درجة عنجهيته ومعاداته لحقوق الانسان. فليس له قانون ولا عرف سوى شريعة الغاب. تلك هي أفكاره ومنهجه في الحياة، انسان سادي مريض همه احتكار السلطة وابادة كل معارض لشريعة الغاب. طبَّق سياسة العنف والارهاب لمحو الشخصية القومية للشعب الكردي والقضاء على الثقافة الكردية بكل مظاهرها الانسانية.

تتبع: الحلقة الرابعة
الكرد الفيلية وحقائق تدين نظام صدام البعثي

هوامش
29 – مجلة أخبار كردستان، العدد 178 في أيار 1988.
30 – سامي عبد الرحمن، جولة في الأرض المحروقة، كردستان العراق، فبراير/ شباط 1988، ص30.
31 – Dagens Nyheter, Sondagen den 3 april 1988.
32- للتفاصيل راجع: خالد يونس خالد، كيف تعالج الدساتير العراقية الحقوق القومية للشعب الكردي، مطبعة أرارات، السويد 1990، صفحات متفرقة.
33 – تقرير منظمة العفو الدولية، العراق- شهادة اثبات حول التعذيب في العراق، 1981، ص25.
34- الفقرة الاولى من المادة التاسعة من الميثاق العالمي للحقوق المدنية والسياسية، عام 1966.
35- المادة الثالثة من لائحة حقوق الانسان العالمية المقرة في 10/12/1048.
36 – Hans Danielius, Manskliga rattigheter, 3:e upplagan, P.A. Norrstedt och Soners forlag, Stockholm 1984.