الرئيسية » مقالات » شعرة معاوية

شعرة معاوية

ردة فعل بعض مسئولي حركة حماس على إطلاق حوالي مائتي أسير فلسطيني، تبدو غريبة، في توظيف الخطوة “الإسرائيلية” للإبقاء على حالة “الشحن” والتوتر الداخلي، التي تتعاكس مع الجهود العربية والفلسطينية الدافعة باتجاه الحوار في القاهرة.
ذلك انه من الواضح أن الحكومة الإسرائيلية ومنذ شهور عديدة، لا تتقدم تجاه الفلسطينيين إلا بمثل هذه الخطوات المحدودة، في ملفي الأسرى الذين يعدون أكثر من عشرة آلاف، وفي جمع الشمل من خلال منح بطاقات الهوية لإغلاق ملف بات منذ حوالي عقد ونصف أمرا واقعاً، لا يجد الإسرائيليون أمامهم مخرجاً سوى إغلاقه، خاصة وأن هؤلاء يقيمون في الأراضي الفلسطينية (الضفة الغربية وقطاع غزة) وحتى تتجنب إسرائيل الإجابة عن استحقاق التفاوض بالتقدم في ملفاته الرئيسة، تفضل الذهاب في هذين الملفين، خاصة وأن الخطوة جاءت بهدف “تهدئة” الأميركيين عشية الزيارة الأخيرة لوزيرة خارجيتهم كوندوليزا رايس.
وربما كان هناك دافع آخر، له علاقة بردة فعل بعض قادة حماس المشار إليها أعلاه، حيث أن هذه الخطوة الإسرائيلية تجيء بهدف الضغط على حماس فيما يتعلق بدفع ملف شاليت الذي تبدي فيه حماس تلكؤاً، أي عدم استجابة “للعرض” الإسرائيلي الذي يبدو بخساً للغاية، حيث سبق وأن عبّرت الحكومة الإسرائيلية عبر رسائل للمصريين، باستهداف قادة الحركة، ما لم يتم التقدم على طريق هذا الملف، الذي يبدو الإسرائيليون بحاجة إلى إغلاقه لينتهوا من صداع الرأس على جبهة غزة، بعد إغلاق ملف إطلاق الصواريخ على سديروت وأخواتها.
بذلك فإن إسرائيل، تكون قد ضربت عصفورين بحجر واحد، الأول هو تهدئة المطالب الأميركية بالإبقاء على -حالة التفاوض- قائمة مع السلطة الفلسطينية، من خلال الإيحاء بأن هناك ما تقدمه إسرائيل لهذه السلطة بما يخفف من حالة الإحباط، وما يقطع الطريق على وقف هذه المفاوضات غير المجدية، والتي وصلت إلى الدائرة الضيقة المركزية- أبو علاء قريع- الذي يقود الملف بنفسه، والثاني دفع حماس إلى التقدم قدماً للإفراج عن شاليت، بإزالة العثرة التي تتمثل بالثمن الباهظ جراء أو مقابل هذا الإطلاق، والمدخل إلى ذلك التحلل من الالتزام بالمطالبة بإطلاق القيادات الأسيرة، خاصة من “فتح” والفصائل الأخرى، وهذا ما يفسر عدم تضمن الخطوة الإسرائيلية تجاه رام الله، إطلاق سراح القادة احمد سعدات، ومروان البرغوثي وغيرهما.
في الوقت ذاته فإنه ردة الفعل تجاه إطلاق سراح بعض الأسرى من قبل بعض قادة حماس، يعبر في الحقيقة عن ضائقة مستمرة تعاني منها الحركة، خاصة على مستوى قيادتها أو إدارتها لقطاع غزة الذي يستمر فيه الحصار للعام الثالث على التوالي، والذي بات أشبه بطنجرة ضغط تغلي، تتزايد فيه القناعة العامة بانعدام وجود أي أفق يضع حداً لعذاباته، مع استمرار الانقسام الداخلي وسيطرة عسكريي الحركة عليه.
وقد وصل الأمر، رغم أن حدة التوتر لا تبدو ظاهرة للعيان، كما كان الحال في محطات سابقة، آخرها اقتحام حي الشجاعية، وعشرات الجمعيات والمؤسسات المدنية، واعتقال المئات من المواطنين، إلى “شعرة معاوية” التي ظلت وطوال أكثر من عام، وحدها خارج دائرة الشد والجذب، ونقصد بذلك التربية والتعليم، فبعد العرس الوطني، الذي تمثل بإجراء امتحانات الثانوية العامة بنجاح في شطري الوطن، بشكل موحد، بما يبقي على أمل الوحدة قائماً، جاءت الانتكاسة مع بداية العام الدراسي باندفاع سلطة حماس في قطاع غزة، لاجتياح هذا القطاع التعليمي بمحاولة فرض السيطرة عليه، من خلال إجراء عشرات عمليات النقل في صفوف المعلمين ومدراء المدارس، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل جاءت الخطوة الأخطر – من حيث المبدأ- في كيفية النظر والتعامل مع الحق الطبيعي للنقابات بالإضراب ومن خلال التفكير بحل اقل ما يقال فيه انه يفتقر إلى الحرص المسئول على مهنية العملية التعليمية، بالتلويح بفصل مئات المعلمين وتعيين خريجين غير مؤهلين، أو يفتقرون إلى التجربة.
في حال استمر الطرفان: الأول التمسك بحقه في الإضراب حتى تحقق مطالبه النقابية بتراجع السلطة التنفيذية- سلطة الأمر الواقع التعليمية في غزة عن إجراءات ذات خلفية سياسية، والثاني فصل المضربين وتعيين من هم قليلو الخبرة والتجربة بدلاً منهم، ستكون العملية التعليمية هي الضحية الأولى، بما يمكن وصفه بأنه يشكل انقلاباً على التعليم بأسره.
هذا فضلاً عن “الإجراءات” التربوية التي تلوح في الأفق من خلال التعليمات والتوجيهات التي لها علاقة بالزي المدرسي والتشدد في شكل وطريقة لباس الطالبات في الثانوية، ما يوحي بأن ما يشغل بال سلطة حماس في غزة، إنما يندرج في دائرة التفاصيل الخاصة، بإدارة المجتمع وفق رؤية أحادية مع أن مشاكل القطاع المتفاقمة ذات طبيعة وطنية وسياسية، لها علاقة بمجمل مستقبله وعلاقته مع السلطة المركزية والجناح الآخر من الوطن، ثم مع المحيطين الإقليمي والدولي.
استمرار هذه الحالة واجتياز محطة القاهرة، بتفويت آخر فرصة ممكنة لرأب الصدع، يعني عملياً قطع شعرة معاوية بين مركزي السلطتين التنفيذيتين، ويدفع باتجاه منح الأولوية لتقرير مصير ومستقبل قطاع غزة، بدلاً من الضفة الغربية، وقد لا تكون النتيجة على شاكلة مبايعة الحاكم المتغلب، بل طحناً إضافيا للطحين، بما يحيله رذاذاً يتبدد في الهواء مع أول هبة ريح، تنطلق مع بداية الشتاء القادم.