الرئيسية » مقالات » محمود درويش: حروفٌ من ذهب

محمود درويش: حروفٌ من ذهب

رغم أن للموت جلاله، الذي ينثر غلالات الحزن على الناس، فانه يمكن القول بأن رحيل محمود درويش، لن يمثل سوى تحقيق للقدر الإلهي، بنهاية كل إنسان، النهاية الطبيعية، أما درويش الذي قهر الموت بمعناه المجازي، منذ أطلق قصيدته الأولى، فانه سيبقى عصياً على الغياب.
ودرويش الذي وضعته موهبته، ثم مثابرته الإبداعية الاستثنائية، في مكانة الرمز والعنوان، منذ خطّ بقصائده الأولى أبجدية الوعي الوطني الفلسطيني، ثم ملأ الدنيا وشغل الناس، كما سبق أن فعل المتنبي قبله بأكثر من ألف سنة، سيبقى حاضراً وفاعلاً على الأصعدة كلها، الوطنية، الثقافية والإنسانية.
لقد شكّل درويش منذ قصيدته “سجّل أنا عربي”، وهو ما زال يافعاً على مقاعد الدراسة الثانوية، أول حرف في أبجدية الوعي الوطني الفلسطيني، الذي مثّل بدوره محتوى الهوية الفلسطينية المعاصرة، بعد أن تعرضت إلى مخاطر التبديد جرّاء النكبة العام 1948م.
وهكذا وجد نفسه الفتى الشاعر، ومنذ أن تفتحت قريحته الشعرية، في مكانة موضوعية، لازمت لاحقاً بين تجربته الشعرية وبين مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية بأسرها، وبعد أن خطت المرحلة الأولى من تجربته الشعرية باعث الهوية وصوت فلسطين المغتصبة، شكلت المرحلة التالية “تسجيلاً” حيّاً ومتطوراً لمحطات الثورة ذاتها، التي أحاطتها تجربته، بحيث صار صوت الفلسطينيين الرافض للاستسلام وللغياب، فكانت تل الزعتر/ احمد العربي، وبيروت خيمتنا الأخيرة / مديح الظل العالي، حتى انتهت المرحلة بالخروج من بيروت العام 1982م.
لينطلق بعدها الشاعر في تجربته المتطورة والمتجاوزة لذاتها ولتجارب غيرها، بعد إقامته في باريس، ليبدع شعراً إنسانيا عظيماً، وضعه في مصاف الشعراء العالميين، في الوقت الذي منح فيه القضية الفلسطينية بعداً إنسانيا عميقاً تجاوز سذاجة الشعار، ومباشرة ردود الفعل متجاوزاً بذلك إرث الشعرية العربية بأسرها.
هكذا ساهمت الموهبة الفذة والمثابرة المستمرة، والاجتهاد في عمق التجربة، بتأكيد حضوره الذي تجاوز حالة التعاطف مع كونه فلسطينياً أو شاعراً للمقاومة، التي اجترح لها، عبر التجربة الشعرية ذاتها مفهوماً أعمق وأبعد من الكلمة / الرصاصة، أو القصيدة المقاتلة.
وبعد مرحلة الاعتراض الشعري على الاغتصاب، جاءت مرحلة الاشتباك الثقافي / الإنساني، التي استمرت في فضح البعد الظالم والظلامي لمشروع الاقتلاع الصهيوني ولممارسات الاحتلال، فكانت “عابرون في كلام عابر” التي أثارت حفيظة الإسرائيليين الذين لم يجدوا ما يفعلونه للرد على القصيدة، سوى فرض الحظر والمنع على الشاعر وشعره، بعد أن نوقشت “القصيدة” وأبعادها في الكنيست.
ظل درويش اذاً ملتصقاً بشعبه وقضيته، رغم حالة التطور المستمرة في تجربته الشعرية، وهذا ما يفسر استمرار حضوره وفاعليته، بعد أن قبض ليس فقط على ناصية الحرف الشعري، الذي صار من فصيلة الذهب، بعد أن صار سيدُه سيداً للكلام، بل على المعادلة الصعبة، بالجمع بين الجماهيري والمتقن، فهو من جهة يقدم شعراً متطوراً يحظى بتقدير النقاد والمختصين، في الوقت الذي يجد فيه القبول الواسع من عامة الجمهور، ليس الفلسطيني وحسب، بل والعربي أيضاً.
محمود درويش، الذي تخرجت أجيال إبداعية، وليست شعرية فقط في فلسطين وسواها من الأقطار العربية من عباءته منذ ستينيات القرن الماضي، تحول ومنذ وقت مبكر إلى واحد من أهم الشعراء العرب، الذين حملوا راية الشعر الحديث، لكنه ومع مرور الوقت تحول إلى أهمهم على الإطلاق، لأنه ظل حاضراً ومتجاوزاً وفاعلاً.
ليس أدل على ذلك من ملاحظة حضوره حتى أيامه الأخيرة، وفي كل العواصم العربية، من الرباط إلى دبي، مروراً بتونس، القاهرة، عمان، دمشق، بيروت، ثم رام الله، وفي ظل طغيان ثقافة الصورة، ظل درويش يغرد وحيداً في حضوره، حيث تتجمع الآلاف للاستماع إليه، في كل مكان، وهذا يظهر من خلال عدد وحجم الأمسيات المصورة – تلفازياً – والتي تشكل مادة إعلامية، بالغة الأهمية، تعد شكلاً جديداً ومستجداً، في تغطية فاعليات ومناسبات العزاء والتأبين.
الآن وبعد رحيله، وقد كان رمزاً موحداً للفلسطينيين المختلفين في الايدولوجيا والفكر والسياسة، والمتناثرين على لوحة الجغرافيا، والموزعين في الوطن (الـ 48 غزة، القدس والضفة)، وكل أماكن اللجوء والشتات، لن يحضر درويش بشخصه، ولن يضيف بعضاً من قصائد جديدة، لكنه ترك إرثاً وتراثاً عظيماً، تجاوز الثلاثين كتاباً، بين ديوان شعري ونثري، يمكن للمؤسسة الثقافية الرسمية والمؤسسات الثقافية غير الرسمية المختلفة أن تجعل منه باعثاً مستمراً للهوية، وللوطنية الفلسطينية، حتى تقبض الأجيال الفلسطينية المتتالية على روح فلسطين، التي شكل الراحل درويش رمزاً فريداً من رموزها، لا يختلف عليه اثنان، تماماً كما العلم الوطني والنشيد القومي.