الرئيسية » مقالات » الاتفاقية العراقية–الأمريكية.. لا تجهضوا حلم العراق بدولة قوية

الاتفاقية العراقية–الأمريكية.. لا تجهضوا حلم العراق بدولة قوية

تتزامن مساعي الحكومة العراقية والإدارة الأمريكية الحثيثة، جارياً، لإبرام اتفاق التعاون الأمني الاستراتيجي، (الذي تحول تالياً إلى مذكرة تفاهم، عوضاً عن المعاهدة، أو الاتفاق، حيث الأولى تلزم موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ، حسب المادة الاولة من الدستور الأمريكي؛ والثاني يتطلب أن تحظى بموافقة أغلبية أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، طبقاً للمادة الأولى من الدستور الأمريكي، وهي إشارة إلى أنّ الوثائق غير ملزمة، وبالتالي أن توفر الأساس القانون الوجود الأمريكي في العراق) وقرب انتهاء العمل بقرار الأممي الذي صدر عام (2004)، والذي منح بموجبه غطاءاً دولياً، لوجود القوات الأمريكية ودول التحالف على أرض العراق، كقوات وصاية دولية. والذي كان يمدد سنوياً على مدار السنوات الأربعة الماضية، وذلك بطلب من الحكومة العراقية. وسينتهي العمل به نهاية العام الجاري، وهي الفترة الانتقالية لتسنم الرئيس الأمريكي المقبل منصبه. لهذا فالإدارة الأمريكية الحالية تسرع في التفاوض مع الحكومة العراقية، بحيث أن يتم الانتهاء منه، لغاية الـ(31) من الشهر المقبل. والهدف من تسريع وتيرة هذه المفاوضات يعود لجملة من الأسباب، منها:

– تحرير العراق من ربقة البند السابع لقرار الأمم المتحدة. قبل بدء الحملة الانتخابية الرئاسية في الولايات المتحدة، أو بالأحرى قبل نهاية ولاية بوش الابن.

– أن تتم تلك الاتفاقية الاستراتيجية بمفاوضين جمهوريين، وهو ما يشرف عليها نائب الرئيس “ديك تشيني”، لكي يصعب على المرشح الديمقراطي (أوباما)، -إن ما فاز- سحب القوات الأمريكية من العراق، بسرعة كما تعهد. فضلاً عن أنّ الاتفاقية ستساعد المرشح الجمهوري “جون ماكين” الذي يريد إبقاءها.

– البعد الفني للاتفاقية: أي إمكانية توظيف هذه الاتفاقية ضمن البرنامج الانتخابي للمرشح الجمهوري “جون ماكين”.

وعلى الرغم من الضبابية المتكاثفة التي تحوم حول فحوى الاتفاقية، والتي ترى بعض الأطرف العراقية الشيعية، على أنها مجحفة بحق العراق، وهي الفئة الممتعضة، مقابل دعم الأطراف السنية والكوردية، وبعض القوى الشيعية الأخرى. فإنّ المعاهدة ليست مدعاة لهذه الدرجة من التخوف. يذكر أنّه ثمة أكثر من (75) دولة حول العالم، قد أبرمت معاهدات مماثلة مع الولايات المتحدة الأمريكية، والذي يعرف اختصاراً بـ”سوفاس” أي (اتفاقيات وضع القوات)، وهي التي تحدد شكل وأهداف القوات الأمريكية في البلد المضيف، بالإضافة إلى سبل تمويلها وعلاقاتها مع القضاء في البلد المضيف. ومن أبرز الدول الموقعة على هذه المعاهدة: ألمانيا واليابان.

ومن بين ما تتضمنتها مسودة الاتفاقية من بنود، كما سرّب: حق احتفاظ القوات الأمريكية، ومقاوليهم، وشركاتهم الأمنية، والمنظمات، بالحصانة القانونية. فضلاً عن بند أخر: إقامة أكثر من خمسين قاعدة عسكرية على امتداد الأراضي العراقية، ثلثها في اقليم كوردستان العراق، مع حق السيطرة التامة والدائمة للأمريكيين على قواعدهم.

فاعتقد أنّ هذين البندين ومع بنود أخرى التي أثيرت حفظية بعض الأطراف الشيعية واللغط الضرير الذي صاحبها، وهم لم يطلعوا بعد على مضمونها، لا تبعث على الخوف إلى هذا الحد، بقدر ما هي ستخدم العراق في استعادة هيبتها، ومكانتها السياسية والاقتصاية في المنطقة، لا بل حتى في العالم. كون أن بلداً كالعراق، حديث العهد، ضعيف البنية، سهلة الاختراق، أضحى مرتعاً لمآرب وصراعات دول اقليمية ودولية.. إذ من الصعوبة بمكان وزمان، أن ينهض العراق بين عشية وضحاها، ويجاري نظيراته الاقليمية المتربصة به، قوة ومناعة، في مواجهة التحديات المستقبلية المتسارعة، ما لم تكن هناك قوة (كالولايات المتحدة) تقدم الدعم والمساندة له، وهو في أحلك أوقاته.

أما فيما يتعلق ببند: إبقاء الأجواء العراقية مفتوحة أمام السلاح الجو الأمريكي، مع تقديم تسهيلات على الأرض عند الضرورة. فنتساءل أي من أجواء دول المنطقة مغلقة، وغير مخترقة أمام النشاطات العسكرية الأمريكية الجوية، بل نجزم بأن كلها مفتوحة أمام السلاح الجوي الأمريكي، وحتى أمام السلاح الجوي الاسرائيلي، فكما نتذكر، استهداف السلاح الجوي الاسرائيلي، صيف العام الماضي، موقعاً مشتبهاً به لبناء مفاعل نووي سوري، حيث تم القصف المكان المراد بكل دقة متناهية، وهذا كله، ما هي إلاّ إشارة على أنّ كل أجوائنا مكشوفة ومفتوحة، ودون أن ندري ما الذي يجري فيها، سواء شئنا أم أبينا.

لذا فاستماتة بعض الأطراف العراقية برفض الاتفاقية الأمنية بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية، يشكل خطأ تاريخياً بحق العراق، من شأنه سيعمق من ضعف وهون الدولة العراقية الحديثة، في حين أن التحدي الأكبر للدولة العراقية الحديثة، هو بناء دولة عراقية قوية موحدة قادرة على مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية المتسارعة في المنطقة، وليس دائما التطلع نحو الماضي والانتقام من الحاضر. سيما وأنّ عمر الدول العاجزة عن حماية نفسها في الشرق الأوسط سيكون قصيراً جداً.

وأخيراً، ففي الوقت الذي تتصارع فيه وتيرة المواقف إزاء الاتفاقية الأمنية بين العراق والولايات المتحدة المقرر إبرامها تالياً، والتي لا تخرج في إطارها العام عن هدف واحد، هو أن الغاية من الوجود العسكري الأمريكي في العراق، هو مساعدة الحكومة العراقية والتنسيق معها، من جهة، ومن الأخرى تنظيم الوجود العسكرية الأمريكي في العراق مستقبلاً.

لذا فما تبدو لنا اليوم من مواقف أطراف عراقية متنابذة، مرده هو مدى توتر الفكري والمذهبي، والتوظيف للمعطى الطائفي في السياسات الوطنية، لا أكثر ولا أقل.

سيلفان سايدو: إعلامي !