الرئيسية » مقالات » هل السكوت عن أخطاء الأصدقاء إمعان في الرذيلة؟

هل السكوت عن أخطاء الأصدقاء إمعان في الرذيلة؟

الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تزيد عن كلمة نعم وألف نعم , إنها إمعان في الرذيلة وتجسيد للضعف وانعدام الثقة بالنفس ومواقف ذيلية لا يجوز السماح بها , وإساءة صارخة للأصدقاء لا يجوز القبول بها. الصديق أيها الناس من صَدَقَكَ وليس من صَدَّقكَ , من قال لك أنت مخطئ في موضع الخطأ وأنت مصيب في موضع الصح , وفق ما يراه.
أتابع ما يجري في العراق , سواء في بغداد ومجلس النواب العراقي أم في كُردستان والبرلمان الكُردستاني , أتابع تصريحات الناطقين باسم هذه الحكومة أو تلك في بغداد وأربيل , وأتابع الأحزاب السياسية ومواقفها , وأتابع تصريحات ومواقف الشخصيات المستقلة , وأتابع بعناية ما تكتبه الصحافة والمواقع الإلكترونية وما تنشره وكالات الأنباء أو قنوات التلفزة.
يصاب الإنسان بالذهول أمام ما يرى ويسمع وما يحدث في العراق , والكثير من الناس لا يستطيعون حل طلاسم السياسة العراقية الجارية , فهو لغز لم يعد مفهوماً للكثير من البشر.
الشعب الكردي حقق مكاسب مهمة وأساسية فرحنا له بها جميعاً , إلا من كان أو لا يزال في نفسه مرض الشوفينية والعنصرية والكراهية للإنسان الآخر. وقلنا بأن هذه النجاحات هي حق له بعد كل تلك العذابات والمرارات والضحايا الغالية , ومن حقه الكامل أن يأخذ جميع حقوقه ولن يقف في طريقه إلا من في نفسه مرض من ذات الأمراض السالفة الذكر. وقلنا أن النجاحات والمكاسب يفترض أن يحافظ عليها وأن لا تصيب أي حزب من الأحزاب السياسية بالغرور والعجرفة والشطط , بل عليه أن يرى بوضوح بأن نجاحاته ستبقى ترتبط بنجاحات العراق كله وانتكاسات العراق هي انتكاسات للشعب الكردي ولكل الأحزاب القومية والديمقراطية. وهذا يعني أن تُبذل الجهود الخيرة لكي ترتبط تلك النجاحات بطريقة مناسبة بما يساعد على دفع العملية السياسية على الصعيد العراقي نحو الأمام ومعالجة مشكلة الديمقراطية وتخليص المجتمع من الطائفية السياسية باعتبارها ضمانة لنجاحات جديدة للجميع.
وأشرنا إلى تقسيم العراق إلى فيدراليات جنوبية وغربية وشمالية على طريقة بايدن , في ما عدا فيدرالية كردستان , هي ليست في مصلحة العرب , ولكنها ليست في مصلحة فيدرالية كُردستان ذاتها على المدى المتوسط والبعيد. وأشرنا بما لا يقبل الشك بأن التحالف الكردستاني لا يمكن أن لا يعمل على تعزيز التيار الديمقراطي واللبرالي والعلماني على صعيد العراق كله , إذ أن هذا التيار هو الحليف الأساسي والفعلي وليست قوى الإسلام السياسية الطائفية , رغم احتمال بروز تباين في وجهات النظر في قوى التيار الديمقراطية إزاء هذه القضية أو تلك.
لم نكن مخطئين في ما قلنا والأيام تدلل على ذلك , والمخطئ هو من وجه لنا الاتهام واعتبرنا شوفينيين , كما فعل ذلك بصوت يفوق قامته الطويلة , السيد عارف طيفور , نائب رئيس مجلس النواب العراقي ولم يعتذر لنا حتى الآن.
ارتكب الأخوة الكُرد في التحالف الكردستاني وفي الحكومة الكُردستانية جملة من الأخطاء التكتيكية بالاستناد إلى وجود ضبابية في تحديد استراتيج المرحلة التي يفترض أن تتم مراجعتها بهدوء وروية ودون مبالغة بالقدرات الفعلية في ظل أوضاع شائكة ومعقدة ومتغيرة باستمرار , فليس هناك من ثبات في أي من العوامل , فكلها متحركة , أولاً , كما أنه ليس هناك صديق دولي معين ودائم , بل المحدد لكل ذلك هي المصالح ثانياً , ولا بد من اخذ امتدادات الجوار وتأثيرها على قوى الداخل بنظر الاعتبار ثالثاً.
لم ننطلق في نقدنا وملاحظاتنا من مواقع الكراهية والشوفينية أو العنصرية , ولا من مواقع الشماتة أو الفرح بارتكاب الأخطاء , بل من مواقع المسؤولية والحرص على الثوابت التالية:
* مصالح العراق كدولة فيدرالية يفترض أن تسير على طريق الديمقراطية وتستجيب لحقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية وتستند إلى مبدأ المواطنة المتساوية للجميع.
* مصالح كل القوميات في العراق التي يفترض أن تعيش بسلام وأمن وتتمتع بكامل حقوقها
ما دامت قررت البقاء في إطار الدولة العراقية الاتحادية (الفيدرالية) , ومنها حقوق الشعب الكردي وحقوق التركمان وحقوق الكلدان والآشوريين وحقوق العرب أيضاً.
* سيادة مبادئ الحرية الفردية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة كاملة.
* رفض الطائفية السياسية والعمل من أجل سيادة مبدأ المجتمع المدني الديمقراطي الحديث في الدولة العراقية , دولة المواطنة الحرة والمتساوية.
* حل كافة الخلافات والمشكلات المعلقة بالطرق السلمية والحوار والتفاوض الديمقراطي ونبذ العنف ورفض التهديد باستخدام القوة والسلاح كلية.
* إقامة حسن الجوار مع الدول المجاور وبقية دول العالم.
* الاستثمار العقلاني للموارد المادية والمالية لصالح تطوير الاقتصاد الوطني والتنمية البشرية وزيادة فرص العمل ومكافحة البطالة وتحسين ظروف حياة ومعيشة أفراد المجتمع , وخاصة الفئات الكادحة والمنتجة للخيرات المادية.
* مساندة فيدرالية كُردستان العراق لتكون نموذجاً يحتذى به لسائر أقاليم كُردستان وتوزيع الثروة العراقية على أسس سليمة يتفق عليها , وحل مشكلة كركوك وغيرها وفق المادة 140 من الدستور الذي اقر وصودق عليه أخيراً.
إن هذا ما كنا نؤكده ونسعى إليه دوماً , ولكن شجبنا في الوقت نفسه التطرف , سواء صدر أو يصدر من العرب أم الكُرد أم التركمان أم الكلدان والآشوريين والسريان. وفي الوقت الذي نجد شوفينية عربية واضحة لدى أوساط سياسية في العراق وفي الدول العربية , نلاحظ وجودها أيضاً بين القوى السياسية الكردستانية , وكذلك لدى التركمان، أو الآخرين. ونحن حين نشجب هذه الظاهرة لدى العرب وبكل قوة وصراحة ووضوح , لا يمكن أن نقبل ببروز التطرف والشوفينية عند أوساط من الكُرد أو التركمان أو غيرهم. فالتطرف والشوفينية كلاهما مؤذي للجميع , بغض النظر عمن يمارسه.
فمن غير المعقول أن ينبري سياسي كردي وفي البرلمان ليقول “إن العرب من العلمانيين إلى الإسلاميين هم أعداء لنا …” , ومن غير اللائق أن ينبري سياسي كردي آخر ومسؤول ليقول بـ “أن العرب هم ليسوا إلا عازفي ربابة”!
هل فقد هؤلاء البوصلة السياسية التي يفترض أن تهديهم وأن يميزوا بين الصديق والعدو , وبين الصديق المختلف بسبب وجهة نظره وبين المناهض للقضايا أصلاً, أم أن روح التطرف ونفس الشوفينية قد ارتفعا إلى درجة علية بحيث يتم شتم الجميع دون تمييز ,فيحترق الأخضر بسعر اليابس ونخسر الجميع.
الصداقة لا تُشترى ولا تباع أيها الأخوة وليست معروضة في سوق النخاسة , الصداقة كنز ثمين حقاً أتمنى على العرب والكُرد أن يحافظوا عليه لصالحمها معاً ولصالح بقية القوميات في العراق. إذ أن قوى عربية غير قليلة في العراق تمارس مواقف وسياسات تسعى من خلالها إلى إثارة الكُرد وإخراجهم عن طورهم ليتسنى لهم تعبئة الرأي العام العربي ضدهم. رد الفعل المنفعل أيها السادة لا يحل المشكلات بل يعقدها ويزيد من التوتر. إن التصريحات التي تتهم الطرف الآخر بشتى التهم لأن له وجهة نظر أخرى ترتكب خطأ فادحاً وتختلف مع ما أشار إليه رئيس إقليم كُردستان حين قال في كركوك في 8/8/2008 ما يلي: ” نحن لا نعادي من يخالفنا فكرياً وأيديولوجياً، ونؤمن بالحوار الديمقراطي والأخوي”. وأعتقد بأن الدكتور برهم صالح كان مخطئاً في آخر تصريحاته حين أشار إلى أن المظاهرات في كُردستان هي التي ساهمت في “إسقاط المؤامرة” , ويصعب علي أن اقبل مثل هذا التصريح , إذ يمكن أن يهيج العرب مظاهرات مضادة لا معنى لها أيضاً , وأرى بأن التهدئة والحكمة هي التي فوتت على من أراد استثمار الفرصة لزرع الشقاق أكثر فأكثر وتفجير الوضع في كركوك ومن ثم في جميع أرجاء العراق.
أتمنى على القوى السياسية العراقية من خارج التحالف الكُردستاني , ومنها الحزب الشيوعي العراقي , أو في إطار التحالف الكُردستاني , ومنها الحزب الشيوعي الكُردستاني , أن تمتلك الجرأة والشجاعة لكي تنتقد ما تراه سلبياً أو خاطئاً في سياسات الحزبين الحاكمين , والنقد يفترض أن يكون علناً وليس خلف الكواليس , إذ أنه الطريق الوحيد للوصول إلى مسائل عدة:
1. دفاعاً عن الطريق الصائب والسياسة الصحيحة.
2. خدمة لصديق يرتكب خطأ دون أن يدرك عواقبه.
3. تثقيفاً لأوساط المجتمع في ما يفترض أن يكون عليه الموقف إزاء هذه المسالة أو تلك.
4. إن طريقة “موافج” القديمة لا تخدم أحداً ولا تنفع الصديق , بل يستفيد منها العدو.
أملي أن يدركوا الأخوان في التحالف الكُردستاني , وخاصة الحزبين الحاكمين بأن الحوار والديمقراطية والعقلانية والاستعداد للمساومة المناسبة مطلوبة في معالجة كل المشكلات , وهي التي تؤكد بأن هذا الطرف أو ذاك يمارس السياسة الصحيحة فعلياً أو أنه سياسي حقاً. كما أتمنى على جميع القوى السياسية الأخرى , سواء أكانت القوى العربية أم القوى التركمانية أم غيرها , أن تمارس ذات النهج وبعيداً عن صب الزيت في النيران المشتعلة , بل ممارسة التهدئة والحلول الواقعية والعقلانية.

9/8/2008 كاظم حبيب