الرئيسية » مقالات » الجمهورية الموريتانية الانقلابية

الجمهورية الموريتانية الانقلابية

لم استغرب حينما سمعت، بان انقلاباً عسكرياً قد حصل في موريتانيا قبل ايام قلائل، لانني اعرف جيداً نفسية وميول العنصر الموريتاني المُحبّة لهكذا كرنفالات دورية، الاّ ان الحق يجب ان يُقال، بان الانقلابيين الموريتانيين كانوا هذه المرة لطفاء مع زعمائهم، واكتفوا بتقييدهم واخراجهم خارج المراكز الرئاسية دون ان يصاحب ذلك اطلاق رصاص او تجاوز من هنا او هناك، يعني انه انقلاب ابيض، مع خط احمر تحت كلمة (ابيض)، لانه لا يوجد بالحقيقة انقلاب ابيض وآخر اسود، سوى انه عمل اجرامي بغيض، يرغب القائمين به، الوصول الى كرسي الحكم باقرب فرصة ممكنة وبوسائل خاكية دموية في كثير من الاحيان.

بصراحة شديدة، ان الشخصية الموريتانية ومن خلال دراسة واقعها وبيئتها السياسية المليئة بالانقلابات والثورات على الانظمة، تشبه الى حدٍ كبير شخصية العراقي الذي تربى على فكر الانقلاب طوال فترة اعلان دولته دولة مستقلة، فلا تمر فترة خمس سنوات كمعدّل، الاّ وطلّ علينا بيان رقم واحد مُشبّع بكلمات الحب والغزل بالوطن ومُغذّى ب(كلاوات ودجل) الوطنية والرغبة في انتشال البلد من الدكتاتورية والانفراد والخيانة والتخلّف …… والقائمة طويلة وعريضة، لا يستطيع سليم سوزه حصرها بأجمعها في مقالٍ واحد ..

الموريتانيون كذلك … فلقد حطّموا الرقم القياسي في سباق الانقلابات، والمُسجّل باسم العراق حتى اول امس القريب، واستطاعوا ان يكونوا روّاداً للفكر الانقلابي بامتياز، بعد ان قدّموا للعالم اروع النماذج في ذلك، وما كان آخرها فهو الاسوأ من بين الجميع، حيث كان انقلاباً على الديمقراطية التي تأسّست على انقاض دكتاتورية معاوية ولد سيدا احمد الطايع.
باعتقادي ان الموريتانيين سيندمون كثيراً على الانقلاب الاخير الذي حصل، لانه كان بالامكان ان تنتعش الديمقراطية في موريتانيا، بعد الانتخابات الحرّة الديمقراطية الاخيرة مطلع عام 2007 والتي لم تشهد الدولة مثلها طوال تاريخها الطويل .. لكن القدر كان لهم بالمرصاد وحصل ما حصل مؤخراً، لينهي آمال دولة تمشي على خطى الديمقراطية في وطن عربي لا يعرف سوى شعار (بالروح بالدم .. نفديك يازعيم).

لا ادري ان كانت مسألة الانقلابات تتعلق بجينة وراثية متجذرة داخل خلايا الجسد العربي، ام هي شيء غيبي لا يعرف مكنونه، الاّ الله والراسخون في العلم، لكن ما انا متأكد منه، هو ان شهري تموز وآب شريكان اساسيان في العنف والخراب العربي، لأنهما احتضنا كل انقلابات بلاد العروبة .. وما انقلابات الرابع عشر والسابع عشر والثلاثون من تموز في العراق، والثاني والعشرون من يوليو في مصر، والواحد من آب في السودان، بل وكل انقلاباتنا الاخرى التي لم تقع خارج ايام تموز او آب كحد اقصى، الاّ دليل على ما نقول.

لهذا لابد لنا من محاكمة حرارة يوليو وآب بدلا ً من ان نحاكم العسكر، فهي سبب هيجان العقل العسكرتاري، وتمدّده نحو الانقلاب على المدني .. بالتالي هي السبب وراء مصائب الامة ومشاكلها.