الرئيسية » مقالات » ماذا سيبقى من (بوش) للتاريخ؟

ماذا سيبقى من (بوش) للتاريخ؟

-1-

كل زعيم أو حاكم في التاريخ البشري، يسعى لأن يُخلّده التاريخ بالذكر الطيب والخطاب الحسن. وليس هذا قاصراً على الحكام الرشيديين العادلين النزيهين فقط، ولكنه ينسحب أيضاً على الحكام الديكتاتوريين، الذين يعتبرون أنفسهم فوق إرادة التاريخ، والذين يُطلق عليهم “الإرادويون”؛ أي الذين يظنون أنهم فوق التاريخ ويُسيّرون التاريخ حسب أهوائهم.

-2-

أشهرٌ معدودات، ويترك الرئيس بوش البيت الأبيض إلى الحياة المدنية، ويعيش كأي مواطن أمريكي في مزرعته، في بلدة كروفورد بولاية تكساس، يزرع الأرض بالذرة والقمح، ويرعى الأبقار، ويدير أعمال العائلة النفطية الواسعة، في ظل ارتفاع أسعار المواد الغذائية وأسعار البترول كذلك. ويُلقي المحاضرات هنا وهناك، ويحضر المؤتمرات المختلفة في كل بقاع الأرض، ويكتب مذكراته ويبيعها بملايين الدولارات، كباقي رؤساء أمريكا والعالم السابقين، وسينعم بهذه الحياة أكثر من نعيمه بالبيت الأبيض، المليء بالكوابيس المقلقة، والخيبات المتتابعة.

-3-



والرئيس بوش، من الرؤساء الأمريكيين الذين سيتركون بصمة واضحة في التاريخ الأمريكي المعاصر، ليس لأنه أكثر عِلماً ومعرفةً وإنجازاً وحنكةً وشعبيةً من باقي الرؤساء الأمريكيين الذين سبقوه، ولكن لأن الأحداث الجسام التي وقعت في عهده، هي التي صنعت منه صاحب تلك البصمة التاريخية، ولم يصنع هو هذه الأحداث. فقد كانت الأحداث السياسية تسوقه سوقاً إلى أقدار، لم يسبق لها أن اقترنت بفترة رئاسة أحد غيره من رؤساء أمريكا الاثنين والأربعين السابقين.

فكارثة 11 سبتمبر 2001، اعتُبرت أكبر كارثة حلّت بأمريكا. وهي بإجماع المؤرخين والمحللين السياسيين، أكبر بكثير من كارثة “بيرل هاربر” في 1942. وكان يُخشى أن يضرب بوش العالم العربي بقنبلة نووية، كما فعل هاري ترومان الرئيس الديمقراطي في 1945، عندما ضرب هيروشيما ونجازاكي. ولكن من حُسن حظ العالم العربي، ومنطقة الخليج والعراق بالذات، أن هذه البلدان هي المنتجة الرئيسية للطاقة الحيوية عصب الصناعة الأمريكية والغربية بشكل عام، مما حال دون الانتقام منها، كما تمَّ مع اليابان عام 1945.

ثم جاءت “حملة تحرير العراق” في 2003. وهذه الحملة – رغم كل الأسباب والأعذار الموجبة لها – كانت ردّ فعل انتقامي واضح، لكارثة 11 سبتمبر 2001، من عصابات الإرهاب، التي تُعشش في جحور وكهوف جبال أفغانستان وباكستان. وكان في مخيال البيت الأبيض، ما يؤكد أن جذب وتجميع عناصر الإرهاب على أرض العراق وإبادتها دفعة واحدة، هو الطريق السليم بدلاً من السماح لها بالقدوم عبر المحيطات إلى أمريكا، ومحاربتها على الأرض الأمريكية. ومن هنا، تحوّل العراق إلى أرض معركة محروقة، ليس بين أمريكا وعصابات الإرهاب فقط، ولكن بين الحداثة والقدامة، وبين الأصولية والليبرالية، وبين الديمقراطية والسلفية الجهادية. والدليل أن ما رأيناه في العراق ، نسخة طبق الأصل مما نقول، بحيث هاجم الإرهابيون كل معالم الحداثة والليبرالية والديمقراطية في العراق، أكثر مما هاجموا قوات الاحتلال. ونظرة سريعة على أرقام مئات الآلاف من الضحايا العراقيين الذين رحلوا منذ خمس سنوات إلى الآن، تدل – بما لا يدع مجالاً للشك – أن نسبة الضحايا من جنود الاحتلال لا تتعدى واحد بالمائة من جملة عدد الضحايا.

-4-

في خلال السنوات الخمس الأخير، ومنذ عام 2003 لا يمرُّ يوم من الأيام دون أن نقرأ عشرات المقالات التي تنتقد إدارة بوش نقداً مريراً، على ما فعل خارج حدود أمريكا من تورط في أفغانستان، إلى تورط في العراق، إلى عدم إدارة الأزمة النووية في كوريا الشمالية وإيران، إدارة سليمة وحكيمة، إلى فشل ذريع في إنهاء النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني وإقامة الدولة الفلسطينية. وكذلك النقد المرير الذي يتلقاه نتيجة لما يجري داخل أمريكا من كساد الاقتصاد الأمريكي، وانهيار سوق العقارات كما لم يسبق له مثيل، وهبوط سعر صرف الدولار، وارتفاع نسبة البطالة، وتدني الفائدة البنكية… الخ. وهذه العوامل كلها تكاثفت لكي تقلل من شعبية الرئيس بوش في استطلاعات الرأي العام الأمريكي. في حين أن في التاريخ الأمريكي ما يُثبت أن نقمة التاريخ أثناء حكم أي الرئيس، ربما تتحول إلى نعمة بعد خروجه من البيت الأبيض، ويتحول الرفض إلى قبول، والغضب إلى محبة، كما تمَّ مع الرئيس الديمقراطي هاري ترمان، الذي غادر البيت الأبيض بنسبة تأييد شعبي متدنية للغاية، بسبب تورطه في الحرب الكورية، ليأتي المؤرخون لاحقاً، فيعيدون له اسمه واعتباره كاملين، وهذا هو مكر التاريخ كما يقول هيجل.

ولكن جوزيف ناي الأستاذ بجامعة هارفارد، وعضو مجلس إدارة مركز بيلفر للعلوم والشؤون الدولي، يقول: “أن ديفيد ماكولوف- المتخصص في كتابة سيرة “ترومان”- حذر من حقيقة أن التاريخ لا يُصدر حكمه بتقريظ أي رئيس كان للولايات المتحدة، إلا بعد مضي 50 عاماً على انقضاء ولايته. وعليه فإن أوجه الاختلاف بين سيرة ترومان والرئيس بوش الحالي واضحة، وهو أن الأول كان قد أنجز خلال فترة ولايته كلاً من “خطة مارشال” لبناء الأمم، وإنشاء “حلف “الناتو”، وقد اعتُبر كلاهما إنجازات راسخة للسياسات الأميركية، في حين لا يزال يفتقر بوش إلى ما يعوض عنه خسائر سوء إدارته لحربه على العراق.”

ويضيف جوزيف ناي بقوله: “ربما كان من الأفضل أن نلتفت إلى رئيس “حربي” آخر في تاريخ بلادنا، يبدو أكثر شبهاً ببوش، حين نشرع في تأمل الحكم التاريخي المتوقع لاحقاً على ولايته. والمقصود بهذا الرئيس “الحربي” السابق هو وودرو ويلسون. ولعل القاسم المشترك الأعظم بين هذين، أن كليهما جاء إلى البيت الأبيض وهو على درجة كبيرة من التدين والخلو من أي تجربة سابقة في مجال صنع السياسات، كما استجاب كلاهما للأزمة التي حدثت إبان ولايته وفق رؤية أخلاقية جريئة: فقد نشبت الحرب العالمية الأولى في عهد وودرو ويلسون، بينما استجاب بوش لهجمات 11 سبتمبر على بلاده. وكان ويلسون قد تعهد بجعل العالم أكثر أمناً وملائمة للديمقراطية، بينما سعى بوش إلى نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط عن طريق فرضه لها فرضاً. ويشترك كلا الرئيسين في عنادهما أيضاً. فنرى بوش وهو يزداد تمنعاً عن الاعتراف بخطأ استراتيجيته الخاصة بالعراق، إلى أن حل شهر أغسطس من عام 2004 الذي صرح فيه قائلاً إنه “أخطأ تقدير” الوضع في عراق ما بعد الغزو. لكن وعلى رغم ذلك الاعتراف، أصر بوش على تأكيد مرونة استراتيجيته وقدرتها على التصدي” .

-5-

فهل سيقوم التاريخ حقاً بإنصاف الرئيس بوش بعد خمسين عاماً؟

وهل سيلقَّب الرئيس بوش بعد هذا التاريخ بأنه قاهر الإرهاب، ومحرر العراق من الديكتاتورية؟

وهل “الفشل هو المصير المحتوم لسيرة كل زعيم سياسي، ما لم تنته هذه السيرة نهاية سعيدة في منتصف الطريق، حين يكون السياسي في أوج مجده”، كما قال ذات مرة “إينوك باول”، السياسي البريطاني المحافظ؟

وماذا سيبقى من الرئيس بوش إذن للتاريخ؟

سننتظر كلمة التاريخ البعيدة، التي سيقرأها أولادنا، أو أحفادنا، من بعدنا.