الرئيسية » مقالات » ضوء في آخر النفق!

ضوء في آخر النفق!

في اللقاء الأخير، الذي عقد قبل يومين، بين الرئيس محمود عباس ورئيس الحكومة الإسرائيلية ايهود اولمرت، أعلن كبير المفاوضين د. صائب عريقات عن موافقة إسرائيلية على إطلاق سراح مئة وخمسين معتقلاً فلسطينياً، في التأكيد على أن “المنجز” الأهم لسلسلة اللقاءات بين الجانبين، والتي تجري منذ انابوليس، إنما يتلخص في مثل هذا الإجراء، الذي نجم عنه إطلاق سراح “مئات” من الأسرى، في مناسبات سابقة.
على صعيد آخر، وبشكل حثيث، جرت خلال الشهور الماضية، تسوية ملف، كان تعليقه يشكل معاناة لآلاف الأسر الفلسطينية، التي كانت تفتقد إلى بطاقات الهوية، حيث أعلن الأخ حسين الشيخ مسئول الشؤون المدنية موافقة الجانب الإسرائيلي على جميع طلبات لم الشمل المتبقية، بما يؤكد الطابع السياسي لمعظم الملفات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، بما فيها بالطبع هذان الملفان.
وبصرف النظر عمن سيشملهم إطلاق سراحهم من الأسرى، يوم الخامس والعشرين من الجاري، وإن كان سيكون من بينهم القادة: مروان البرغوثي، وأحمد سعدات وعزيز الدويك، الذين إن كانوا من بين هؤلاء فإن الأمر سينطوي على دلالة سياسية بالغة، فإنه يمكن القول انه رغم سلسلة التراجعات وحالة التردي الفلسطينية الداخلية، إلا أن هناك ما يتحقق بشكل ايجابي، وبالطبع فإنه يمكن تصور – استناداً إلى الحالة الإقليمية، لو كان الوضع الداخلي بعافية وفي أحسن حالاته – حجم الإنجاز الذي يمكن تحقيقه، والذي كان من المؤكد انه سيصل إلى المستوى السياسي المتعلق بالاقتراب من الخلاص الوطني من ربقة الاحتلال.
على كل حال، ورغم حالة التدهور على الجبهة الداخلية، ووضع عصي إضافية في طريق المصالحة، فإن جملة التطورات السياسية الإقليمية، تؤكد تقريباً – انسداد – الأفق أمام خيار الممانعة الإقليمي، الذي أسدل ستائره ونثر آثاره على الوضع الفلسطيني الداخلي، خاصة بعد ولوج دمشق طريق الحل السياسي العقلاني، والذي يتأكد يوماً بعد يوم.
فمن يراقب تصريحات قادة طهران، خلال الأسابيع الأخيرة، يلحظ تراجعاً في لغة التحدي والمكابرة، وذلك يعود بالأساس إلى “توحد” الجبهة الدولية، أمام طهران، بعد تقديم رزمة الحوافز وانكشاف تكتيك طهران الساعي إلى كسب الوقت بحيث بات يمكن القول أن إدارة المعركة السياسية بين طهران والغرب، لم تعد حصراً على واشنطن في الجانب المقابل، وان مراوغة طهران التي كانت تعول على توسيع رقعة الشقوق بين مواقف الدول، قد تلاشت، حيث باتت طهران الآن تقترب من مواجهة الحقيقة، فإما أن تختار طريق الاستخدام السلمي للطاقة النووية، تحت الإشراف الدولي، وإما أن تواجه العالم بأسره.
دمشق التي تعتبر أكثر حنكة سياسية من كل دول الممانعة، أدركت هذا الأمر، لذا جاءت زيارة الرئيس بشار الأسد لطهران من اجل السعي إلى بقاء التحالف بين الدولتين، لكن على طريق تحقيق المكاسب السياسية، بالدخول إلى المحفل السياسي الدولي من بوابته الشرعية، وهناك مدخل يحفظ ماء الوجه، وهناك خيار آخر، غير ذلك الذي كان اختاره الرئيس العراقي الراحل صدام حسين.
وهذا ما نصح به القائد الليبي معمر القذافي، الذي يعرف بخبرته الطويلة في مقارعة الغرب، وطبيعة المعادلة الدولية، خاصة بين الشمال والجنوب، بأن الممانعة كتكتيك سياسي بهدف تحسين شروط الشراكة السياسية، هي أمر مختلف تماماً عن الممانعة كإستراتيجية في حال التشبث بها كخيار مفتوح فإنها تصل بأصحابها إلى الانتحار!
ولأن الوضع الداخلي الفلسطيني محكوم إلى درجة كبيرة بمعادلة السياسة الإقليمية، فإنه يمكن القول أن طريق الحل الإقليمي، يفتح الباب للحل الداخلي، رغم تعقيدات اللحظة، خاصة وأن ما ينطبق على دول الممانعة الإقليمية، ينطبق على حركات الممانعة أو على مشاريع كياناتها وسلطاتها المحلية، التي حتى لو وصلت إلى درجة حسم الأمور لصالحها داخلياً، فإن مشكلتها لا تنتهي، لأنها مشكلتها أصلاً تكمن في “توافقها” مع دول الجوار، ثم مع مجموع سياسات النظامين الإقليمي والدولي.
كان الراحل العظيم ياسر عرفات يردد دائماً القول أن هناك ضوءاً في آخر النفق، ليس من قبيل بث التفاؤل فقط، في لحظات اليأس، ولكن لاستشرافه أن الحياة لا تعرف التوقف وأنه لا يمكن قهر إرادة الشعب الفلسطيني، مهما بلغت القوة العسكرية من قدرة على تحقيق ما يبدو لها “نصراً” لحظياً عابراً أو مؤقتاً، ذلك أن السياسة بعيدة النظر هي التي تقرأ ما وراء الأفق، وما هو ابعد من الأنف.
نجحت التهدئة في غزة بعد مرور أكثر من شهر ونصف، حتى رغم عدم التزام إسرائيل بتزويد غزة بكل احتياجاتها من السلع الغذائية والمواد التموينية، ولم تشهد الأسابيع الثلاثة الماضية، أي رد فعل فلسطيني على “خروقات” إسرائيلية، وهذا مؤشر على انه يمكن “التعايش” وضبط الأمور الداخلية على الصعيد الأمني، وهذا يفسر “رضى” المستوى السياسي الرسمي وتحركاته في دول الجوار العربي.
حين يتوافق الفلسطينيون على طريقة للتعايش مع الجيران، وحين يتم قبولهم، حتى لو كانوا متعددين ضمن الدائرة الإقليمية، فإن التوتر الداخلي سيهدأ، وحينها سيجلس الفلسطينيون وذوو الاهتمام من الأشقاء والجيران، وسيكون هناك “توافق” على تعايش الجميع وفق الصيغة التي لا تنفي أحدا، صيغة الذهاب إلى المستقبل، بعد التحرر من تبعات الماضي القريب والبعيد البغيضة، وفي الطريق إلى دخول المنعطفات التاريخية، تتبدد التفاصيل الصغيرة.