الرئيسية » الآثار والتنقيبات » من أعشاب أرض كردستان اكتشف الدواء لداء الإنسان .. فلســفة مــن داخــل كهــف شــانه ده ر

من أعشاب أرض كردستان اكتشف الدواء لداء الإنسان .. فلســفة مــن داخــل كهــف شــانه ده ر

وهم وخيال وأسطورة، لكنها ليست كالأساطير الخرافية المتعارف عليها، بل هي واقعة إنسانية حقيقية لا تقبل في جوهرها التشكيك أو الجدل، ولأنها غرست جذورها المتينة في أرض كردستان، وجاءت بعد أن دونت أحداثها على صدر صفحات التاريخ القديم الحافل بالأحداث المثيرة التي فك الإنسان الحديث رموزها المدهشة بعد عشرات الآلاف من السنين.

قبل ستين ألف سنة مات رجل عجوز بين ثنايا جبال زاكروس في كردستان العراق في فصل الربيع الذي أغدق على الأرض فتنة وجمالاً، كان الرجل طبيباً يملك ما يكفي من الخبرة والدراية في العلاج الطبيعي بواسطة الزهور والأعشاب البرية، وكان روحانياً وعضواً بارزاً في رابطة الإنسانية المتصلة مع العالم البعيد جداً والمعروف في فهم وأدراك الإنسان المتمدن.
سادت مشاعر الحزن والأسى بين قوم (شا نه ده ر)، على فقدان واحدً من أعضاء المجموعة المتحابة التي كانت تأوي الكهف، وتهيأ القوم لإقامة مراسيم جنازة متميزة ونادرة وآلام الحزن والأسى تعصر قلوبهم المنكسرة وعيونهم تتساقط منها قطرات الدموع الدافئة تعبيراً عن مدى حبهم له ولأنهم أكملوا معاً مشوار عمر واحتملوا مشقات الحياة وصعوباتها المتنوعة وفي جميعها لم يتخل واحدهم عن الآخر.
تجمع الشباب حول الجنازة وهم على إطلاع ومعرفة كاملة بمراسيـم وطقوس فـن الدفن، ثم أنتقل البعض منهم الى أعلى الجبل لقطف الورود الربيعية المزهرة التي تفوح منها عطراً زكياً، كذالك لجمع بعض من الأعشاب الكثيرة التي تملأ الجبال والسهول الغير الملفتة للنظر.
كان الربيــع يشـرف على انتهائه لكـن وفـرة وتبذيـر زهور جبـال زاكروس الكردستانية عاقبـت أصفاد البرد الكاذبـة التي حبست الأرض وقمـم الجبـال الشامخـة آنذاك وما بـعدها بعشرات الآلاف من الأعـوام بكامـل فتراتها الجليدية الباردة القارصة المتعاقبة.
رجع الشباب الى الكهف بعد أن أنجزوا مهمتهم، بقطف سبعة أنواع مختلفة من الزهور والأعشاب التي لاتزال الى يومنا هذا تنبت في أراض كردستان ومعروفة بمفعولها الايجابي عند الكرد في سائر مناطقهم. تهيأت مجموعة أخرى لتحضير ضفائر وقلائد من تلك الزهور والأعشاب التي جيء بها لتدفن الى جانب الرجل العجـوز في مثواه الأخيـر في أرض الكهـف، حيث اعتبروا إقامة مراسيـم الجنازة الاستثنائية جزءا من وفائهم للمكانة الوقورة لذلك الرجل الذي كان له أحساس رهيف لأبناء قومه من الذين عاشوا معه في الكهف، لذا كانوا يرون بأن يكرموا جسده ليكون رمـزاً لرفعة روحه التي كانت تعني لهم الكثير، ولـم يمر في ذهنهم أبداً بأن ما يقومون به سيكـون الحدث النادر في تأريـخ البشريـة الطويل بكامـل صفحاته القديمـة منها والحديثـة، ويظهر بعد عشـرات الآلاف مـن السنيـن ليذكـره الإنسان المتطور مـن بعده بنقاوة ورفعة ذوق الإنسان القديم.
إن اختيارهم الدقيق للزهور والأعشاب المتعددة الألوان لم تكن لأنها ترمز الى الحب والجمال فحسب بل لاعتبارها قوة دوائية ناجعـة تـمت تهيئتها بدقـة متناهيـة لتكون من نفس الأصناف التي كان الرجل العجوز يستحضر منها الأدوية ويطبقها على مرضاه من أبناء قوم شانه ده ر قبل وفاته.
شاب آخر أوكل لنفسه مهمة انجاز شعائر وطقوس مراسيم الدفن، وتولد لديه شعور بأن شبح روح الرجل المتوفى يحـوم حولـه ليستلمـه منه لما له من أهمية خاصة ومتميـزة، ثم ختـم المراسيـم بترديد كلمات ذات نغـم وإيقاع حزين مسردً للقوم عن مكانـة الرجل الروحية المتميزة في هذا العالـم الذي لايتـوقف فيـه نبـض الحيـاة، في الوقت نفسه يستحيل لأي كائن كان على وجـه الأرض أن يفلت من قبضـة المـوت وحتمية الفناء.
كان يردد كلماته على أصحابـه وقد بانت على وجوههم الكئيبة علامات حزن وبأس شديدين ثم احتدمت في نفوسهم حرقة ولوعة لم يعيشوها من قبل بفقدانهم لطبيبهم الروحاني الذي أسدى لهم الكثير من الواجبات الإنسانية النبيلة، ثم انتشرت في باحة الكهف روائـح الزهور الفواحة العطرة لتجدد فيهم الأمل بمن سيحل مكانه، ويبدأ من النقطـة التي انتهى بها طبيبهم ويواصل الاستضاءة بتجربته الروحية الشافية التي خدم بها أبناء جلدته بوقار الشيوخ لتتواصل وتستمر بحيوية وتجدد الشباب.
ثـم وضعوه في القبر وغطوا جسـده بسبعة أنواع من الزهور الحكيمة لينهوا بها مراسيم الدفن قبل أن يغزو ظلمات الليل صفوة السماء الزرقاء ويحتل السكون أرجاء كهف لايسمع فيه غير تصفيق أجنحة الوطاويط ونفخة التأوه، بعدها اضطجعوا في أماكنهم تلفهم الآلام يمرر كل منهم على مسمع الآخر حرقة الفراق والهجران، واستسلموا بعدها لسلطان النوم بقلوب منفطرة، لكن اليأس لم يجد لنفسه مكاناً بينهم ولم تتسلل خيبات الأمل الى نفوسهم بعد أن تأملوا خيراً من الشاب الذي حل مكانه ليسد فراغ سلفه ويستمر بتأدية خدمات إنسانية لقومه بمثابرة ملؤها السعادة والأمل لتستمر عجلة الزمن في دورانها وتتوسع نشأة الإدراك للروح في انعكاس شانه ده ر كمبدأ ثابت تحتذي بها البشرية جمعاء.
من المعلوم فأن بعثة تنقيب أثرية قامت في بداية خمسينيات القــرن المنصرم برئاسة عالم الآثار الدكتور (رالف سوليكي) من جامعة كولومبيا بالبحث في كهف شانه ده ر وعثرت على عظام الرجـل داخـل قبـر كهـف شانه ده ر وعثرت على قلائــد الزهـور والأعشاب موضوعة حول جثمانه، ونقلتها الى أمـريكا فوراً، لإجـراء الفحوص المختبريـة الدقيقة عليها ثم أبدى خبراء دول عديدة بآرائهم حول الاكتشاف المدهش الذي أثار في حينها جدلاً واسعاً بين الأوساط العلمية وغير من المفاهيم الخاطئة في التشكيك بمصداقية الصفات المطلوبة التي يتميز الإنسان، من حيث عدم أخلاله بمبادئها وثوابتها المعروفة ولا يعترض أحدً على حقائقها المطلقة.
لا شك فأن سوليكي يؤكدها في كتـابـه (شانه ده ر) بالانكليزية في موضوع (إنسان الزهور الأول) بأن آراء العلماء توحدت فيما بعد لتبدد الشك باليقين من أن النيـاندرتال القديـم الذي عاش على أرض كردستان العراق قبل أكثر من مائة ألف سنة توافرت لديهم كامل الصفات الإنسانية وثمنوا مكانة بني جنسهم وتميزوا بحداثة الوعي والإدراك وإظهار الذوق والإحساس بالجمال حتى في حالات البؤس والشدة رغم بدائية العصر التي كانوا يعيشونها، وهو ما يتفق عليه العلماء في آرائهم بأن طقوس الدفن كانت عملياً أحدى عناصر حضارات البشرية القديمة جداً، وان شعورهم بتكريم الإنسان بعد موته تعتبر تجربة فلسفية لقيمة روح الإنسان.
ملاحظة: هذا الموضوع هو أحد مواضيع كتابي الذي سينشر لاحقاً بعنوان (شانه ده ر مهد الحضارات).

http://www.alitthad.com/paper.php?name=News&file=article&sid=41190