الرئيسية » مدن كوردية » حكايات من خانقين !

حكايات من خانقين !

شفق
24 / 7 / 2008
الكثيـر من المفارقـات ومناظر حياة الناس اليوميـة العاديـة المتكررة لـم تتطـرق على بـال احـد بأنـها ستكون يوم من الأيام مشاهد رائعة وجميلة يسترجعها الإنسان في خياله من التي غرست جذورها في ذاكـرة التاريخ المنقضي، محفورة كالوشم تداولها الألسن بلهفة وتذوق. فالروايات تأتي وفق جوانـب الأحداث الزمنية من حيث استمرارية تكرارها لسنين عديدة في حلوها أو زؤمها، ويبقى الحديـث عنها حسـب واقع حالاتها. والتـرويـح عن البـال يأتي أحياناً عـبر ســرد المــرء حكايـات أو كتابــة لمحات عن ماض مدينتـه تكون في محصلتها مواد دسمة تغـرس الشوق في سمـع ونـاظر الجيل الجديد، وتفتح شهية أكثر للكتابة والتلذذ في سرد حكايات الماضي العريق.
فاجعة مسخ علامات خانقين الفارقة(الوند) بندوب وتشققات وأغوار كسيحة وإغفائه في سبات الصيف العميق بانتظار صدفة الاستيقاظ الغير مسمى، أججت فينا حـب الكتابـة عنه أكثـر فأكثـر لكي لا يظل الأسى مكبوتاً في دواخلنـا لأن المكان الذي كان يشغله الوند في حيـاة أهله أصبــح خالياً ما يجعل النظر الى خرائب أطلاله والتكيف معه في غاية الصعوبة، وهو ما يولد الإحساس بالغم يوازي حالة الانتعـاش والغبطـة التي كانـت تفاجئ نفوسنا عندما كنا نـراه وهو فـي كامــل نشاطه وابتسامتـه المعهودة …

وجفاف عروقـه تعني العذاب العمـومي المشترك لعشـرات الآلاف مــن الناس، ويعنـي أيضا مـوت الوداد و العشـق المتمثلة بالزهور وقطــع الـتواصـل بيـن نســق الموسيقى عن مسمــع حبيبته خانقين، موت الكاميرا والفرشاة، موت صـبر صياد السمك، موت عبق نعناع أركوازي و علمدار، وليس من العجـب لو أرشدته بوصلة التناسـخ المعنـون صـوب سيروان .
وعتمة الجسر بحاجة الى إشعال أثنى عشر عود من البخور الهندي وإضاءة اثني عشـر قنديــلاً من زيوت أسماك سيروان المرعوبة، وفسيـح أقواسه تصلـح أن تكـون ساحة مأتمه بغير الإعالة على الخيــام، وتناثر حطام الصخور تستغني عن الكراسي والطاولات، وإرجـاع الصـدى يستغني عن مكبرات الصــوت، وهناك من يقلد ملا قاسـم في نقـاوة صوتــه، و ستــوزع القهـوة الأصليــة مـن بلد رونالدو وقناني ميـاه باني خيلان العذبـة، كما تتســع حيطانــه لكـي تسـجل عليها أسماء جميـع المعزين بأحبار القوس قزح .
كانت صيحات وقهقهة الشباب تمتزج مع صخب المياه وهو يصب في مساقطه من فتحات الجسر الوسطى وهم يمارسون لعبتهم اليومية المفضلة في أيام الصيف، ألا وهي المصارعة على منزلق الماء التي لـم تعرفها الألعاب الأولمبية في تأريـخ الرياضة الطويـل، والغريبـة حتى على سـاحات الزور خانة، وكان ( باوة كه زي ) يتفرج عليهم بكبـرياء وكأنه يتحداهم للمبارزة معه، ولم يجرأ أحد على تحديه لأنه كان بحق غداراً لا صاحب له، وكل ما نعرفه عن الوند أنه مستقلاً بكل معنى
الكلمة، ولم يدس أنفه في السياسة يومـاً أبدا، ثم انه لم يكن يعرف حتى حسـاب الرياضيات والعد بالأمتار المكعبة مقتنعاً بما يأتيه من خير باري الطبيعة الذي لم يبخل على أحد.
تعتبر الأمسيات من أحلى أوقات التفسح والجلوس في الكازينوهات وكانت الناس تتنزه مشياً بخط مستقيم مثل قوافل النمل (لكن ببطء) باتجاه البنزين خانه في محلة ( باشا كوبري ) مروراً بشارع المزرعة وفروعها المختلفة المسميات قبل أن تعـرف جميعها بمحلة البعث، وفي الجهـة المقابلـة للبنزين خانة كان لـ ( علي داي ) مكاناً خاصاً يبسط فيه بعربته مع( قدر من الباجلة ) الذي أصبح فيما بعد موقعاً ثابتاً لمفرزة التفتيش عن الفارين من الخدمة العسكرية، والجيش الشعبي ومـا الى
ذالك، كان ذالك بعد ما رحلــوه في أواســط السبعينات الى كوردستــان، وكأنهم ورثوا منـه المكان والفكرة، لكن أبو حسين لم يكن يملك غير سلاح شخصي خفيف لا يتعدى مغرفـة فافون (جفجير) والزيتوني لم يلبسها طوال حياته، ومن غير الزمجرة والسباب كان الناس يناولونه عن طيب خاطر بعض ( الفليسات ) التي كانت أصلاً قليلة في قعور جيوبهم وكان يرحب بزبائنه بلهجة تحمل صدق مواصفات الكاسب، وكان يناولهم هو الآخر ماعون باجلة ويذر عليها قليلاً من النعناع (بطنج) كان يأتي بها من أطراف نهر بالاجو، ولذة الباجلة عرفها أهل خانقين جميعاً والماعـون كان مـن الآهين الثقيل لإضفاء قيمة عليها، وأكثر الزبائن كانت تأخذها معها سفري في كيس يصنعـه بنفسه وكان يلاطف زبائنه بابتسامة معهودة، ولم يكـن بمقدور أحد من سرق سـر مهنته الطويلـة كما الحال عند علي الشكرجي، وهريسـة عادل، وشربـت ألنجفي، ولبلبي أبـو علي المشهور الذي كان يتخذ محلـه ركـن فرع المزرعة التي عرفت بمحلة أبو علي الواقـع بجانب فـرع الأمن القديـم بجوار الجامع ، وحكيم أبو البقلاوة, وأزبري أبو حكمت، وكان منهم من يبدل مهنته لسبب أو لآخر لكنه سرعان ما كان يحن إليها ويعود للتواصل مع مهنتــه القديمــة، وجدير بالذكر فان الناس آنذاك لــم تكـن تعرف مطاعم الوجبات السريعة، والهمبركر كان اسمه صعباً على اللسان، وبقي أن نقول بأن فترة عمــل أبو حسين لم تكن تتعدى أربع ساعات، وقبل غروب الشمس كانت أبقار حاج علي أميرة تعود قاصدة البيت باتجاه المزرعة وكعادتها كانت تمر في دربها على علي داي لتلتهم بقايا قشور الباجلة المتناثرة على الأرض من غير أن تتلقى توبيخاً أو محاسبة من البلدية، ويجب أن لا ننسى بأن أبقار حاج علي أميرة كانت أصلاً في خدمة البلدية، وعمله كان ينتهي قبل غروب الشمس وهو موعد بدء رش المبيدات بسيـارة الدخان لمكافحـة البعوض والحشرات الأخرى لكي تضيف جواً رومانسياً على مقهى ( أبو شكر )النموذجي ورواده المثقفين والوطنيين، وعند مرور السيارة كانت الصبية تتراكض خلفها للغوص لهولاً في الدخان الأبيض الكثيف المعمول من الكاز ولخفته كان يبقى عالقاً ومنتشراً في الجو لمساحة كبيرة ولدقائق عديدة وذالك لتهيئة أجواء ليلـة لطيفة للناس للاستمتاع بهناء النوم على سطوح الديار مع هبوب نسمات الليل العليل، والاستيقاظ لصباح يوم جديد كان يتم على صياح الديوك والعصافير أو مناداة بياع الصمون الحار.