الرئيسية » مقالات » عن الكرد وإسرائيل ومستقبل سورية وهذيان بعضهم

عن الكرد وإسرائيل ومستقبل سورية وهذيان بعضهم


بعضهم يكذب الكذبة، أو يتلقّفها من أفواه جهلة أو حاقدين، ثم يصدّقها، ويحاجج الناس بها على أن كذبته حقيقة، وهذه مأساة.
وبعضهم يتصدى للسياسة والشأن العامّ ولا يملك من مؤهلات هذا المرتقى الصعب إلا حب الظهور ولو على خازوق، وهذه مأساة أشد من الأولى.
وبعضهم الآخر يتحدّث باسم شعب أو قطاع واسع منه ولا يمثّل في حقيقة الأمر سوى نفسه، وفي حالات الصحو فقط، وهذه هي الأخرى مأساة أشد من سابقتيها.
وبعضهم الرابع أدمن على القفز، ولا شيء سوى القفز، القفز من اليمين إلى اليسار، وبالعكس، ومن حضن إلى حضن أدفأ، وهكذا!! وهذا تعرفون بمَ تصفونه.
وبعضهم يلوك جملاً وعبارات وأقوالاً أو ترّهات لا يفقه منها شيئاً، تماماً كالببغاء، أو لا يدري تأثيرها على الآخرين، وربما يعرف تأثير أقواله وتصرفاته، ولكن معلّميه وأسياده يصرّون عليه أن يلوكها، وإلا فإنه يعرف مصير الرفضين.. وهذا ما يسمى بالمنطق الببغاوي!
وبعضهم الآخر يملك عيناً عوراء أو رمداء، لا يستطيع أن يرى بها الألوان والأضواء، ينظر للعالم بها، ولا يقبل إلا ما يراه هو، والحق هو ما قرره هو، وهذه قمة المأساة!!!
كانت هذه المقدمة ضرورية ونحن نريد أن نتحدث عن الكرد في سورية بخاصة، وفي سائر مناطقهم بعامة، وعلاقتهم بإسرائيل، ومستقبل سورية…إلخ.
الكرد وجوداً وجغرافية وتاريخاً وحاضراً:
أراني مضطراً إلى إيراد فقرات في هامش هذا الموضوع(**)تؤكد أن الكرد يعيشون في مناطقهم التي وجدوا فيها منذ الأزل، ولم يتفضل أحد ـ كائناً من كان ـ بالأرض التي يعيشون عليها، بل إن ظروفاً وأحوالاً استثنائية ألجأتهم إلى الهجرة (أو التهجير) عن مناطقهم، كما هو حال الكرد في قيرغيزيا، أو كازاخستان، أو مصر، أو لبنان، أو فلسطين، أو أفغانستان أو غيرها.
وإذا كانت اتفاقيات سايكس بيكو قد نالت منهم أكثر من غيرهم فليس معنى ذلك أن الكرد في تركيا أو العراق أو سورية قد جاؤوا من مناطق أخرى واستقروا في المناطق التي يعيشون فيها الآن. كما أن الكرد في إيران أو تركيا قد أصبحوا أسارى الاتفاقية التي أعقبت معركة جالديران عام 1514م وانتصار العثمانيين فيها على الفرس.
وإذا كانت قد ظهرت في الآونة الأخيرة أصوات منكرة وشاذة بلحن نشاز تذكر أن الكرد في سورية ليسوا من أهل البلاد، وإنما جاؤوا من تركيا، ولذلك ليس لهم حقوق سوى حقوق المواطنة، وأن كل من يقول بكردستان سورية إنما هو خائن للوطن…إلخ من الترّهات.
نقول إذا كانت هذه الأصوات قد ظهرت مؤخراً فإننا مضطرون إلى تذكير أصحاب هذه الأصوات ببعض الحقائق التاريخية:
أولاً: هل لهؤلاء الأفاضل أن يذكروا لنا منذ متى قدم الكرد إلى سورية؟ ومن قبِلهم فيها؟
ثانياً: هل لهؤلاء الأفاضل أن يتفضلوا علينا بذكر أصل القائد إبراهيم هنانو قائد الثورات السورية في الشمال السوري ضد الفرنسيين، من أين جاء إلى سورية ومتى؟
ثالثاً: هل لهؤلاء أن يذكروا لنا عن أصل أول وزير دفاع سوري بعد استقلال انفصال سورية عن تركيا عام 1918م، ممن هو؟ هذا الوزير الذي لم يستطع أن يتصور جيشاً فرنسياً يدخل سورية، وهو حيّ، فآثر الدفاع والمقاومة والاستشهاد في ساحة ميسلون على الاستسلام ورؤية الفرنسيين في أرض سورية.
رابعاً: هل لهؤلاء أن يذكروا لنا أصل ذلك الجبل الشامخ والعالم النحرير الذي أنشأ أول مجمع علمي للغة العربية في دمشق وسائر البلاد العربية؟
خامساً: وهل لهؤلاء أن يحدّثونا عن مقاومة حركة المريدين في جبل الكرد وعشائر الكيكية والملية والدقورية الكردية للاستعمار الفرنسي؟ من أين جاؤوا إلى سورية ومتى وبإذن مِن مَن؟
سادساً: وهل لهؤلاء أن يحدّثونا عن أول قائد للجيش السوري بعد الاستقلال ـ حسني الزعيم ـ الذي أصبح فيما بعد رئيساً للجمهورية، وكذا رئيس وزرائه د.محسن البرازي، ورئيس الجمهورية الآخر أديب الشيشكلي، وقائد أركان الجيش السوري خلال فترة الخمسينيات توفيق نظام الدين وأخيه النائب والوزير عبد الباقي نظام الدين، هل لهؤلاء أن يحدثونا عن أصول هؤلاء ومن أين جاؤوا ومتى؟
سابعاً: وهل لهؤلاء الأفندية أن يحدّدوا لنا أصلاً تعريف سورية وحدودها قبل اتفاقية سايكس بيكو؟ إذن ليعودوا إلى المراجع التي تتحدث عن هذه المواضيع، قبل أن يحددوا من هو الخائن ومن هو المخلص لسورية، من هو الأصيل ومن هو المعقور.
وإذا كانت كلمة “كردستان سورية” قد أغاظت أولئك فقالوا ما قالوا، فإن القلوب السليمة والنيات الصافية والحوار الهادىء كفيلة بتذليل العقبات، وإزال الغبش وسوء التفاهم أو الفهم، علماً أن كردستان لا تعني إلا أرض الكرد، أو مناطق سكناهم، وعلى هذا فكردستان سورية تعني المناطق التي يسكنها الكرد السوريون، فهل هذا كاف لاتهامهم بالخيانة والعمالة، وشنّ الحرب الشعواء عليهم، لتتلقّف إسرائيل الإشارة وتمدّ يد العون لهم، وتعطوا بذلك الذريعة لضعاف النفوس للارتماء في أحضان غير المسلمين(كما سيأتي فيما بعد)؟
إن كرد سورية الذين خدموا وطنهم سورية، وبنوه بإخلاص طوال وجودهم فيه ليسوا بحاجة إلى شهادة ميلاد أو مواطنة أو حسن سلوك من أولئك الاستئصاليين الشوفينيين، الذين أعمى الله أبصارهم وبصائرهم، فلم يعودوا يرون إلا أنفسهم المريضة، وإن كرد سورية الذين رفضوا العرض الفرنسيّ بإقامة دولة كردية لهم في الجزيرة الفراتية على غرار دولة العلويين ودولة الدروز، وأبوا أن يكونوا عنصر تمزيق أو تفريق، فإن أبناءهم وحفدتهم يرفضون أن يكونوا عنصر تجزيء المجزّأ، وتقسيم المقسّم، ولكنهم في الوقت نفسه لا يقبلون التنازل عن حقوقهم التي وهبهم الله وحرمهم منها بشر مثلهم.
ألا إن الأوطان لا تبنى بالفكر التهميشيّ والاستئصالي والإلغائي، وإن خير الأوطان وتقدمها لا يقوم على أكتاف أولئك الذين أدمنوا على نفي الآخر وصهره أو تذويبه. ولنا ولهم في أخبار الآخرين عظة وعبرة.
الكرد وإسرائيل:
لن نتحدث عن ظروف نشأة إسرائيل وعوامل بقائها، ومدى شرعية أو عدم شرعية وجودها، فإن هذا ليس مجال بحثنا هنا، ولكن ما يهمّنا الآن هو: هل أن إسرائيل حقاً صديقة للشعب الكردي كما زعم بعض الطارئين على السياسة، ممن ألغوا من ذاكرتهم الدين والتاريخ والجغرافية والقيم والأخلاق؟ هل أن الأكراد هم حلفاء طبيعيون لإسرائيل كما جاء في زعم أولئك النفر؟
(انظر الأكراد و اسرائيل و مستقبل سوريا/بقلم الكاتب جوزيف بودر/ مجلة فرونت بيج/ تاريخ27/6/2008م The Kurds, Israel, and the Future of Syria/ By Joseph Puder/ FrontPageMagazine.com | Friday, June 27, 2008)

إن الحقيقة التي يجهلها أولئك الزاعمون هي أن إسرائيل تحاول استغلال التناقضات الموجودة في منطقة الشرق الأوسط، والاصطياد في الماء العكِر فيها، وتقدّم لها الأنظمة الحاكمة في المنطقة أسباب النجاح بسياساتها الظالمة والحمقاء تجاه الشعب الكردي!!! فهي من جهة تمدّ يد العون لكرد العراق، وتبني لهم المطارات والبنى التحتية، وتزوّدهم بالخبرات التي يحتاجونها في سائر مناحي حياتهم، وتعالج ضحايا حلبجة وغيرها، كما تعالج أطفال الكرد الذين لا تتوفر سبل معالجتهم في كردستان أو العراق، تعالجهم في مستشفياتها وعلى نفقة الحكومة الإسرائيلية في خارج إسرائيل، الأمر الذي يكسبها دعماً ويداً بيضاء هناك.
وقد حدّثني أحد المطّلعين على هذا الأمر أن مجموع الأطفال الذين تمت معالجتهم في إسرائيل أو على نفقتها في مناطق أخرى قد بلغ نحو خمسة آلاف طفل، وبخاصة أولئك الأطفال والأشخاص الذين تعرضوا لأسلحة صدام حسين الكيماوية.
كما ذكر لي ذلك المطلع أن حكومة كردستان قد خاطبت الحكومات العربية والإسلامية بشأن هؤلاء المصابين والمرضى ومدى استعداد تلك الحكومات لمعالجتهم، قبل أن تسمح لجهات إسرائيلية أو تبشيرية بمعالجتهم، لكنها لم تجد من هذه الحكومات سوى الاعتذار أو الرفض أو اللامبالاة. الأمر الذي جرى تصويره بالشكل الآتي: العرب والمسلمون يقتلون الكرد ويصيبونهم بإعاقات وأمراض دائمة أو مزمنة، بينما تأتي إسرائيل لتنقذهم. يا أسفاه على هؤلاء الإخوة في الدين والعقيدة والتاريخ والمصير المشتركين!!! أين هم من الرابطة الدينية ومن حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام: “المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يُسْلِمه…”، أي لا يسلمه للأعداء، وإنما يقف معه وينصره ويؤمّن متطلباته حتى لا يلتجىء إلى غير المسلمين سعياً وراء هذه المتطلبات!!
إنني هنا لا أسوّغ التعاون بين أطراف كردية وإسرائيل، وإنما أعطي وصفاً لواقع مرير يمرّ به المسلمون. وكيف أن فريقاً منهم (المسلمين) قد غرقوا في التقصير إلى شحمة آذانهم، ثم تراهم لا يلوذون بالصمت أو الشعور بالعار والخزي وحسب، وإنما تراهم يملكون ألسنةً حِداداً أشحّة على الخير تجاه إخوانهم، يعينون الشيطان على إخوانهم وليس العكس، بئس السلوك سلوكهم والفهم فهمهم!!!
ولكن ينبغي أن لا يظنّ ظانّ أن إسرائيل تنظر إلى الكرد في جميع مناطقهم كما تنظر إلى الكرد في كردستان العراق، كلا إنها على النقيض من ذلك مع الكرد في كردستان تركيا، طلباً لودّ السلطات التركية، إنها هناك مع المؤسسة العسكرية التركية والاستخبارات التركية والسياسة الاستئصالية التي تتبعها أنقرة تجاه مواطنيها الكرد الذين ربما يزيد عددهم على ثلاثين مليون نسمة، ومع ذلك تحرمهم من أبسط حقوقهم القومية.
فهي(أي إسرائيل) تهدي الجيش التركيّ الطائرات الاستطلاعية بدون طيارين للتجسس على قواعد ومعسكرات حزب العمال الكردستاني، وهي التي اقترحت على السلطات التركية إقامة مناطق عازلة على طول الحدود العراقية التركية، للتقليل من الهجمات التي تشنها قوى معارضة كردية على أهداف تركية، على غرار المناطق العازلة التي أقامتها إسرائيل في جنوب لبنان إبان احتلالها له.
والموساد الإسرائيلي تعاون بإخلاص وجدية وبشكل حثيث مع المخابرات الأمريكية والتركية لإلقاء القبض على زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوج آلان، والقوات الإسرائيلية تقدّم خبراتها للقوات التركية في سبيل”مكافحة الإرهاب الكردي الذي يمثله حزب العمال الكردستاني”، أي أن إسرائيل تتآمر مع المتآمرين ضد الشعب الكردي في تركيا، الذي يمثل نصف أكراد العالم. فأي صداقة هذه من جانب إسرائيل مع الشعب الكردي والحال هذه؟ هلاّ واجه الزاعم بصداقة إسرائيل للشعب الكردي الإسرئيليين بهذه الحقيقة، بدلاً من القيام بالدعاية الرخيصة لإسرائيل والارتماء في أحضان الصهيونية وتنكّب طريق الحق والصواب في معالجة القضية الكردية” .
لم يكتف أولئك الفارغون بالمزاعم التي أشرنا إليها، وإنما زادوا عليها قولهم:” كما أن الأكراد يطمحون الى أن يكونوا مجتمعا ديمقراطيا ويسيروا في ذلك على خطى اسرائيل”.
إن من العار لأي كردي أن يرى في الديمقراطية الإسرئيلية الأنموذج الذي ينبغي أن يحتذى، أي ديمقراطية هذه التي تنبني على احتلال أرض ليست لهم وتطرد سكانها الأصليين إلى خارج الحدود، ومن تبقّى منهم متشبثاً بأرضه أقامت لهم المجازر والمعتقلات والجيتوات!! وأي ديمقراطية هذه التي تضرب بالقرارات الدولية عرض الحائط، وتغير معالم الأرض وتسعى إلى تهويد سائر فلسطين بقوة الدبابات والبلدوزرات، وليس بقوة الحق أو الحجة!! هل يريد ذلك الزاعم أن يلجأ الشعب الكردي مستقبلاً إلى سياسات إسرائيل مع الآخرين؟ ألا تبّت يدا أولئك الذين ينطقون باسم الشعب الكردي وما هم منه، وتبّ ما كسبوا ويكسبون، وتبّ أولئك الذين أعطوا لمثل أولئك ذريعة، بحرمانهم الكرد من أبسط حقوقهم.
إننا نرفض أن يتحدّث أنصاف مسلمين (أو أنصاف يهود) باسم الشعب الكردي المسلم، وستكون سهامنا الإعلامية والسياسية تجاههم ليست بأقلّ من شدة سهامنا وقوتها تجاه أولئك الذين جعلوا الكرد مجرد مهاجرين في أرضهم، أو مواطنين من الدرجة الثالثة أو الرابعة أو الخامسة في كل من سورية أو تركيا أو إيران، فليرعووا وليلجِموا ألسنتهم، قبل أن تلحقهم لعنة الشعب والتاريخ و…!!
مستقبل سورية:
إن مستقبل سورية مشرق بإذن الله تعالى، إذا تعاون أبناؤها المخلصون، من عرب وكرد وتركمان وكلدان وغيرهم، من مسلمين ومسيحيين وعلويين ودروز ويزيديين وغيرهم، إذا تعاونوا على احترام الحرية السياسية وحرية تأليف الأحزاب وحرية الرأي والتعبير، والاحتكام لصناديق الاقتراع في أجواء من الحرية والديمقراطية، وإذا تعاهدوا على احترام حقوق الإنسان ورعايتها، بغض النظر عن الجنس أو الدين أو المذهب، وإذا تعاهدوا على التداول السلمي للسلطة وتحكيم الدستور والقانون العادلَينِ المنبثقَينِ من إرادة الشعب، وليس الخارجَينِ من أدراج مكاتب حزب ما تسلّق إلى كرسيّ السلطة عبر انقلاب عسكري في ليل بهيم.
أما الزعم أو الادّعاء بأن الحلّ في تقسيم سورية إلى كيانات أو فيدراليات هزيلة فليس من يطرحها أهلاً لأن يسمى معارضاً، وليس له حظ من النجاح، كما أن المعارضة السورية الشريفة بكل أطيافها وألوانها ترفضه وتدينه وتتهم قائليه في عقله وإدراكه ووطنيته، فأوربا على اختلاف أديانها ولغاتها ومذاهبها الدينية والفكرية والسياسية تتفق على قواسم مشتركة وتتفق على اتحاد أو وحدة، لأنها تعرف أن لا مستقبل للكيانات الضعيفة والهزيلة، فما بال بعضهم يلوك ويعلك ويردّد ما ازدرده الآخرون وتجاوزوها منذ زمن، كيف تكون الوحدة عندنا مرضاً وعند غيرنا علاجاً ودواء!ّ! ما لكم كيف تحكمون؟؟!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(**) يرى غالبية المختصين في علم الأجناس والسلالات أن الأصول التاريخية للشعب الكردي تعود إلى “الكوتيين” الذين عاصروا السومريين قبل أربعة آلاف سنة، وسيطروا على مدينة بابل سنة 2649 قبل الميلاد، وعندما سقط حكمهم تراجعوا إلى جبالهم واحتموا بها، وحافظوا على كيانهم ونظامهم الداخلي[1]. وكان البابليون يسمونهم “كاردو Karddu أو كارادو Karadu”. وحدد المؤرخون المملكة الكوتية في المنطقة الواقعة بين الزاب الصغير ونهر دجلة ونهر ديالى ومرتفعات السليمانية في العراق الحالي[2]. كما يرى الباحثون الكرد أن الميديين الذين عاصروا الآشوريين والكلدانيين هم أحفاد الكَوتيين وأجداد الكرد الحاليين. وقد قامت دولة ميديا في الجبال الواقعة شرقيّ دجلة، واستطاعوا بتحالفهم ومصاهرتهم مع الملك الكلداني “نبوخذ نصر” إسقاط الدولة الآشورية سنة 613 قبل الميلاد، فاتسعت امبراطورية ميديا وامتدت حدودها من بخارى شرقاً إلى نهر قزل أميرسق في وسط تركيا غرباً، ومن بحر قزوين شمالاً إلى الخليج العربي جنوباً، وعندما قضى الفرس الأخمينيون على امبراطوريتهم ارتدوا إلى مناطقهم الجبلية، وسموا في هذه الفترة باسم “كاردئي”[3].
وقد جاء ذكر الكرد باسم (كاردوخيين) في كتاب “رجعة العشرة آلاف” للقائد اليوناني زينفون- “XYenephon”، وذلك في عام 431 ق.م[4] أو في عام 401 قبل الميلاد، إذ يتحدث زينفون عن انسحاب عشرة آلاف مرتزق إغريقي يعملون في خدمة أمير فارسي يطالب بعرش بلاد فارس، إلى البحر الأسود، مشيراً إلى أنهم عبروا بلاد الكردوخوي بصعوبة شديدة وأمضوا الوقت كله في محاربة الكردوخوي، وعانوا بسببهم أكثر بكثير مما ألحقه بهم ملك فارس وقائد قواته من خسائر.[5]
ويرى باحثون آخرون أن كلمة “كردي” قد ظهرت في الكتابات الفارسية لدى تأسيس الدولة الساسانية عام 226م، ثم نقلت إلى العربية واللغات الأوربية[6].
وقد اختلفت كلمة “كردي” باختلاف الأصوات اللغوية لدى الشعوب التي استعملتها؛ فالسومريون أطلقوا على الكردي: كوتي، جوتي، جودي. والآشوريون والآراميون سمّوه: كوتي، كَوتي، كورتي، كارتي، كاردو، كارداك، خلديني، خالدي، كلدي، كالدي. واليونان والرومان أطلقوا على الكردي: كاردوسوي، كاردوخي، كاردوك، كردوكي. والأرمن عُرف عندهم الكردي بـ: كوردوئين، كورجيخ، كورتيخ، كرخي، كورخي[7].
إذن فقد أصاب كلمة “كردي” التطوير والتحوير عبر مختلف مراحل التاريخ، إلى أن استقرت على لفظها الحالي، والأرجح أن اللفظة مشتقة من “جودي” اسم الجبل الذي استقرت عليه سفينة سيدنا نوح عليه السلام بعد الطوفان الذي أغرق الكافرين بدعوته[8]، الأمر الذي يعني أن كردستان هي موطن البشرية الثاني، وربما الأول أيضاً، إذ يؤكد بعض الباحثين أن سكان كردستان كانوا رواد الزراعة منذ اثني عشر ألف سنة قبل الميلاد، وأنهم دجّنوا الماعز والخراف والخنازير، وزرعوا القمح والشعير والشوفان والجاودار والعدس. ويعتقد بأن استخدام الأدوات النحاسية لأول مرة في التاريخ، بدأ في الألف السابع قبل الميلاد في منطقة ديار بكر في كردستان تركيا، وبأن الأدوات البرونزية ظهرت في هذه المنطقة أيضاً في الألف الرابع قبل الميلاد”، ثم انتقل مركز الحضارة جنوباً إلى بلاد ما بين النهرين[9].
بعض ممالك الكرد قبل الإسلام:
أقام الكرد دولاً وممالك كثيرة، وخاضوا معارك عسكرية وصراعات سياسية كثيرة، كما أجروا اتصالات وأقاموا صلات وتحالفات مع حكام الدول المجاورة الموجودة في عصورهم المختلفة، فقبل الميلاد بنحو ثلاثة آلاف سنة قامت حكومة “لولو” Lulupi”، ولقيت مصيرها على يد الجيش الآشوري سنة 828 ق.م، وكانت حكومة “كوتي- Guti” قد قامت قبل هذه الفترة وحارب أول ملوكها وهو “أناتوم” العيلاميين في القرن 31 ق.م متخذاً من “أربخا أو أربخاي” قرب كركوك الحالية عاصمة لدولته، وفي القرن 28 ق.م استولى الكوتيون على بلاد الأكاديين وحكموا بابل أكثر من قرنين، وانتهت هذه الدولة على يد “أوتوهيكال” السومري، ثم قامت دولة “كاساي” للفترة 1530-1238 ق.م، فحكومة “سوباري”، في حدود سنة 2000 ق.م، فحكومة “هوري” قبل القرن العشرين قبل الميلاد، فحكومة “ميتاني” في حدود 1800 ق.م، فالمملكة الهورية-الميتانية المتحدة خلال الفترة 1500-1350 ق.م، فالدولة الكالدية خلال القرنين التاسع والسابع ما قبل الميلاد، فالمملكة الميدية للفترة 700-549 ق.م، فالكورديون المظفرون. وبعد انهيار هذه الدولة انتقل حكم المنطقة إلى السلوقيين اليونانيين فالأرمن فالبيزنطيين والساسانيين إلى حين مجيء الفتح الإسلامي سنة 633م[10].
الكرد خلال العهد الإسلامي:
اتصل العرب المسلمون بالكرد بعد ما فتح العرب تكريت وحلوان سنة (16هـ/637م)، وقام بفتح بلادهم الصحابة سعد بن أبي وقاص وخالد بن الوليد وعياض بن غنم وأبو موسى الأشعري وغيرهم- رضي الله عنهم، فغدت كردستان جزءاً من الدولة الإسلامية مع حلول عام 25هـ/645م، وأصبح الكرد ضمن نسيج المجتمع الإسلامي، يشتركون في جيوش الفتوحات وخدمة الأمراء والسلاطين، وينتظم بعضهم في حلقات العلم والدرس، مع انتظام بعضهم أو اشتراكهم في الفتن والقلاقل التي تنشب في مناطقهم أو بالقرب منها، شأن بقية الشعوب[11].
غير أن ما يهمنا في هذا المقام هو الإشارة إلى الدول والإمارات والكيانات الكردية التي قامت في العصر الإسلامي، لا سيما في العصر العباسي، ومنها: دولة ديسم وبني مسافر في أنحاء أذربيجان وشهروز وهمذان والدينور ونهاوند والصامغان، ودولة دوستك أو بني مروان للفترة 356-489هـ في أنحاء كردستان تركيا[12]. ودولة قراباغ ووادي الآراس في القوقاز الجنوبي أو حكومة بني شداد التي قامت في منتصف القرن الرابع الهجري وانقرضت بمجيء التتر، والدولة الأيوبية التي أسسها صلاح الدين وشملت بلاد الشام والموصل والقسم الشرقي من تركيا واليمن ومصر وليبيا وغيرها، واستمرت ما بين 564-648هـ في زهوها[13]، والدولة الفضلوية أو الدولة الهزار أسبية، واستمرت ما بين 543-827هـ في منطقة لورستان من كردستان الإيرانية، فضلاً عن الإمارات التي قامت خلال خضوع كردستان للحكم الصفوي والحكم العثماني، إذ كانت سيطرة هاتين الدولتين على أنحاء كردستان اسمية أو شكلية[14].
[1] فؤدا حمه خورشيد: الأكراد في معرض الجغرافية البشرية، (جريدة التآخي، بغداد، 16/11/ 1967).
[2] شاكر خصباك: العراق الشمالي، (مطبعة شفيق، بغداد، 1973)، ص 164.
[3] هادي رشيد الجاوشلي: القومية الكردية وتراثها التاريخي، (كتاب التآخي، مطبعة الإرشاد، بغداد، 1967)، ص 62-63.
[4] خصباك، المصدر السابق، ص 164.
[5] راندل، جوناثان: أمة في شقاق- دروب كردستان كما سلكتها، (ترجمة فادي حمود، دار النهار، بيروت، ط2، 1999)، ص 35
[6] محمود الدرة: القضية الكردية، (مطبعة الطليعة، بيروت، ط، 1966)، ص 20. وملاّ.ع. كردي: كردستان والأكراد، ( دار الكاتب، بيروت، ط2، 1990)، ص 19.
[7] ملا.ع. كردي، المصدر السابق، ص 18-19.
[8] : قال الله تعالى: “وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي، وغيض الماء وقُضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعُداً للقوم الظالمين”. سورة هود/ الآية 44. وفي العهد القديم: “واستقر الفلك على جبل أراراط” سفر التكوين/8. وأرارات والجودي جبلان في كردستان.
[9] راندل، المصدر السابق، ص 34، وينظر أيضاً، محمد علي الصويركي الكردي: الأكراد الأردنيون ودورهم في بناء الأردن الحديث، (دار سندباد للنشر، عمان، الأردن، ط1، 2004م)،ص 22-25.
[10] ملا.ع. كردي، المصدر السابق، ص 28-53. وعلي سيدو الكوراني: من عمان إلى العمادية أو جولة في كردستان الجنوبية، (مطبعة السعادة، القاهرة، 1939)، ص 232-240. وبريستد، جيمس هنري: انتصار الحضارة- تاريخ الشرق القديم، (تعريب د. أحمد فوزي، مطبعة انجلو المصرية، القاهرة) د.ت، ص 202-258-263.
[11] دائرة المعارف الإسلامية، ج 26، ص 7990-8004.
[12] للمزيد عنها ينظر: “تاريخ الفارقي”.
[13] للمزيد عنها يُنظر: السلوك في دول الملوك للمقريزي، والأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة لابن شداد.
[14] ينظر: الكوراني، المصدر السابق، ص 244-247. وللمزيد عن الإمارات والدول الكردية في العهد الإسلامي ينظر: تاريخ الدول والإمارات الكردية، لمؤلفه محمد أمين زكي، ترجمة محمد علي عوني، القاهرة، 1945م.
من بحث بعنوان: كرد سورية نظرة في الماضي والحاضر والمستقبل / إبراهيم درويش.
(*):المشرف على موقعsyriakurds.com