الرئيسية » التاريخ » الكرد في المعادلة العراقية في ظل نظام البعث البائد بين 1968-2003الحلقلة الأولى

الكرد في المعادلة العراقية في ظل نظام البعث البائد بين 1968-2003الحلقلة الأولى

عرض تمهيدي عام
لا نزال نسمع كتّابا ودوائر عربية وكردية ترَوج لسياسة البعث ونظامه البائد، حيث تنتابها الشكوك وتراودها الظنون فيما إرتكبه النظام البعثي الصدامي من مجازر وحملات إبادة بحق الشعب العراقي ولا سيما الشعب الكردي. ويقابل هؤلاء المتحمسين للديار البعثية في دفاعهم عن شلالات الدماء التي كانت تسير في العراق، ولا سيما إقليم كردستان، كُتابا ودوائر ترفض المزايدات ولا تكتب إلاُ أن تستند إلى الحقيقة بلغة تعبر عن تبيان جرائم النظام البعثي الصدامي وهم يملكون الخيار في الرجوع إلى الوثائق والتحليل لأقناع الآخرين عن صحة تلك السياسات العدوانية بحق الشعب العراقي، وما تعرض له الشعب الكردي على وجه الخصوص في سياسة محو شخصيته القومية. وعليه فإن المنهج الذي أتبعه في هذه الدراسة هو عدم التسليم بصحة أية فرضية أو فكرة أو ممارسة مطروحة بدون مناقشتها أو تحليلها أو التأكيد من خلفيتها بالرجوع إلى المصادر لتتجلى الحقيقة. فلا يمكن قبول البيانات والنداءات والإتفاقيات التي كان يروجها النظام العراقي البائد بدون عرضها وبحثها وتحليلها لنصل إلى حقيقة الفكر العدواني لذلك النظام، ولنفهم في الوقت ذاته عدالة القضية الكردية ونضال الشعب الكردي من أجل حقوقه العادلة.

تكون الانطلاقة من الأفكار المطروحة على المستويات الكرستانية والعراقية والإقليمية والدولية في دراستها وتحليلها لنستنبط أو نستنتج فكرة عامة نقتنع بها علميا وعمليا في سادية عقلية ذلك النظام الذي حكم العراق وكردستان بالمجازر وحملات الإبادة. لدينا مجموعة من النصوص والبيانات والوثائق من جهات مختلفة تعبر عن مفاهيم متباينة حول نفس الموضوع، وعلينا أن نعالج هذه الطروحات من زاوية البحث من الخاص إلى العام، وأحيانا من العام الى الخاص، بحياد ومنهجية. [1].

تحديد المفاهيم
قال الحكيم الصيني كونفوشيوس: ينبغي أن نحدد المفاهيم حتى نستطيع أن نتفاهم. ومن هنا أقول لابد من فهم الوعي الكردستاني بالتاريخ لمعرفة مسيرة هذا الشعب بجوانبها السلبية والإيجابية. وهنا يجب تحديد مفهوم الوعي.
الوعي “طاقة ذهنية لها حضور إدراكي وجودي قادر على الاختيار أو الانتقاء النقدي. ومعرفة الصواب من رموز الواقع وأحداثه. ومن ثم فإن للوعي القدرة على أن يستشف المستقبل وأن يحس به إحساسا غامضا أو أن يوقف به إيقافا غامضا” [2].

ويتميز الوعي بـ “القدرة على التقييم والتقدير، والقدرة على الفقل الإيجابي في تلقائية حرة”[3]. لكن وعي الكرد بالتاريخ الكردي، وتجارب الكرد الفاشلة وما أكثرها، وتجاربهم الناجحة، وما أقلها، وضرورة ربطها بالحاضر، ودراستها من أجل المستقبل، لا يتطلب مجرد الوعي بالماضي والحاضر وربطهما بالمستقبل، إنما لابد من بلورة هذا الوعي إلى وعي اجتماعي حضاري في المجتمع الذي يعيش فيه الكرد. وعليه ينبغي فهم ما نعنيه بالوعي الاجتماعي.
الوعي الاجتماعي: “هو مجموعة الآراء السياسية والحقوقية والأخلاقية والفنية والفلسفية والدينية والمعارف العلمية الموجودة في المجتمع المعني”[4].

المنطقة الجغرافية
إقليم كردستان هو مصطلح جديد نسبيا إن صح القول، استعمله الكرد في السنين الأخيرة على المناطق التي تضم كرستان الجنوبية المعروفة بـ {{كردستان العراق}} المعروفة سابقا بـ {{ولاية الموصل}} التي كانت خاضعة للأمبراطورية العثمانية إلى نهاية الحرب العالمية الأولى. وبعد ذلك احتلتها القوات البريطانية وألحقتها بالعراق عمليا عام 1918. وفي 1925-1926 اقترحت اللجنة المكلفة من عصبة الأمم بالتحقيق في القضية المعروفة بـ {{ولاية الموصل}} بوجوب إنشاء دولة كردية مستقلة في حالة الأخذ بالنواحي العرقية. أما في حالة الأخذ بالنواحي الاقتصادية فأوصت اللجنة بضم ولاية الموصل جنوب خط بروكسل إلى العراق[5] ، وتضم جميع المحافظات الكردستانية (السليمانية وكركوك وأربيل ودهوك) إضافة إلى جميع الأقضية والنواحي والقرى وتوابعها العائدة لهذه المحافظات، بما فيها المدن التي تمت تعريبها لاحقا مثل خانقين وزمار والشيخان ومندلي وسنجار وطوزخورماتو إلى العراق، البلد الذي كان ضمن الأمبراطورية العثمانية. إنه العراق الجديد، الدولة القومية التي أصبحت تحت الإنتداب البريطاني بعد الحرب العالمية الأولى بموجب إتفاقية سايكس بيكو الموقعة بين بين بريطانيا العظمى وفرنسا وروسيا القيصرية. وسحبت منها الأخيرة بعد ثورة أكتوبر البلشفية المعروفة بالثورة الإشتراكية التي قادها لينين.

استمرت سياسة التعريب والقتل العام في إقليم كردستان إلى سقوط النظام الصدامي البائد عام 2003، مستثنيا منها المناطق التي تحررت من النفوذ البعثي الصدامي عام 1991. لسنا هنا بصدد تفاصيل الرجوع إلى الثورات والإنتفاضات الكردستانية في إقليم كردستان، إعتبارا من حركة الشيخ عبد السلام البرزاني ومرورا بثورات الشيخ محمود الحفيد في العشرينات من القرن الماضي إلى حركات بارزان في الأربعينات من نفس القرن، ثم ثورة أيلول التي قادها البارزاني الخالد عام 1961 إلى 1975، وأخيرا ثورة أيار 1976 نكسة 6 آذار 1975، وانتهاء بالانتفاضة الشعبية عام 1991 إلى سقوط صنم ساحة الفردوس في 9 نيسان/أبريل 2003.
نحن هنا بصدد تبيان ماتعرض له الشعب الكردي من سياسة محو شخصية القومية، ولاسيما في سنين الحكم البعثي الصدامي، ونرجئ الجوانب الإقليمية والدولية إلى دراسات تنشر لاحقا إن شاء الله.

طبيعة النظام البعثي الصدامي العدواني وممارساته في المحك العملي
من خلال تحليلنا لطبيعة نظام البعث صدامي نصل إلى نتيجة حتمية وهي أنه تكون من الميكيافللية، النازية، الفاشية، النيتشوية، الغراندية، الستالينية، الماسونية، العفلقية والشوفينية.
كيف يكون ذلك كذلك؟ هذا ما نلخصه أدناه.
هذا المزيج المتناقض يشكل وحدة تجعل ذلك النظام عدوانيا يتباهى بجنونه الهداّم. وهذا الجنون بلغ درجة اليأس الى حد استعمال القنابل الكيمياوية في إقليم كردستان وأهوار الجنوب العراقي، وقتلْ آلاف الأطفال والنساء بحجة خروجهم عن الدستور العراقي الذي شرعه الدكتاتور صدام حسين. فالمواطن الذي يناضل من أجل الحرية والديمقراطية يعتبر خارجا عن النظام والوطنية في عرف النظام البائد، لذلك يجب تعذيبه أو تسميمه أوقتله. بل يجب قتْلَ أطفاله الأبرياء أو تسميمهم بالعقاقير المحرمة دوليا أو احتجازهم واغتصابهم.

لجأ النظام البعثي الصدامي إلى تشكيل قوات خاصة ومرتزقة من عرب وأكراد للحفاظ على كيانه، وإرساء قواعده بين الناس. وقد استمد هذه الفكرة من ميكيافللي. يقول ميكيافللي: “إن القوات المسلحة التي يعتمد عليها الأمير في الدفاع عن ممتلكاته، إما تكون خاصة به أو مرتزقة أو رديفا أو مزيجا”[6]. ويتابع ميكيافللي: ” ويتجنب الأمير العاقل مثل هذه القوات (المرتزقة الإضافية) ويعتمد فقط على قواته الخاصة” [7]. فالقوات الصدامية الخاصة، نسبة إلى شخص صدام حسين، كانت من هذه التشكيلة، على غرار التشكيلات الفاشية. وقد تجنب صدام أحيانا المرتزقة، واعدم عدد كبير من الآغوات الكرد الذين خدموه من الدوسكيين والزيباريين والريكانيين. وخير مثال هو إعدام جعفر البيسفكي. حيث جمع النظام عددا كبيرا من الآغوات والمستشاريين الذين خدموا النظام وقادوا المرتزقة لضرب الحركة التحررية الكردستانية. وجاء أزلام النظام بجعفر بيسفكي، وسحبوا منه الدم إلى أن جف ثم رموه على قارعة الطريق أمام أنظار قادة المرتزقة الآخرين، ليكون عبرة لكل مَن يخالف تعليمات الحاكم المطلق.

وقد ذهب صدام أبعد من مكيافللي، فهو الرئيس المستبد والدكتاتور الظالم، لايعتمد على جهاز خاص لأنه كان مشكوكا حتى النهاية بكل جهاز من أجهزته الخاصة والعامة إلى درجة أوجد أجهزة ارهابية تراقب بعضها البعض وتحت تصرفها ملايين الدولارات، وهي في النهاية ترجع غلى مؤسسة صدام حسين. ومن هذه الأجهزة على سبيل المثال:
الأمن الخاصة لحماية صدام حسين نفسه.
الاستخبارات العسكرية لمراقبة تحركات الجيش
استخبارات المنظومة الخاصة بحزب البعث العفلقي
المخابرات العامة لملاحقة معارضي النظام في الداخل والخارج
الأمن العامة لإرهاب الجماهير في الداخل
مكتب استخبارات الشمال
هذا ناهيك عن الأجهزة العائدة للارهابيَين عدي وقصي.
صدام حسين كان قائد عام القوات المسلحة،
ومارشال وفريق جو،
وعميد مشاة وقائد بحري،
ورئيس مجلس قيادة الثورة،
ورئيس القيادة القطرية لحزب البعث العفلقي،
ورئيس الجمهورية.
منح نفسه عدة أوسمة، فهو قائد قادسيته المشؤومة بشن الحرب على جمهورية ايران الاسلامية التي ذهب ضحيتها نصف مليون عراقي لمدة ثماني سنين. ثم العدوان على الجارة دولة كويت باحتلالها وهتك أعراض الناس فيها. تبتعتها ممارسة سياسة الإبادة الشاملة وقصف المدن والقرى الكردستانية بالطائرات، والعمل على طرد ما تبقى من الكرد الى خارج الحدود، وتغيير معالم كردستان ومسخ ثقافتها، وتشويه التاريخ الكردي، وضرب الانتفاضة الكردستانية التي اندلعت في مارس/ آذار 1991 في إقليم كردستان، والانتفاضة الشعبانية في الجنوب العراقي.

المنطقة الآمنة (الملاذ الآمن)
تدخُل المجتمع الدولي، وبهذا التدخل تم تشكيل المنطقة الآمنة، (الملاذ الآمن) بقرار من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية في شمال خط عرض 36 أوقف العدوان العراقي أوقف تلك المأساة.
وتبعه قرار مجلس الامن الدولي المرقم 688 في 5 أبريل/ نيسان 1991 الذي عزز الموقف الكردي دوليا، وبذلك قفزت القضية الكردية إلى الساحة الدولية، حيث قضى القرار بوقف ملاحقة الكرد ووضع حد لقمعهم، وضرورة إمدادهم بالمعونة الانسانية. وبذلك فشلت خطط صدام حسين ونظامه الدكتاتوري القاضي بإبادة الشعب الكردي.

عودة إلى طبيعة سياسة النظام البعثي الصدامي
إعتقد صدام حسين أنه يمكن إبادة شعب كامل بالقوة العسكرية. فسياسة الأرض المحروقة والقتل العام وممارسة فن الحرب مجدها الفيلسوف الألماني نيتشه، وتبناها غراندي وموسوليني وهتلر، ودعى اليها ميكيافللي، وهو يقول: “على الأمير أن لا يستهدف شيئا غير الحرب وتنظيمها وطرقها، وأن لايفكر أو يدرس شيئا سواها، إذ أن الحرب هي الفن الوحيد الذي يحتاج اليه كل مَن يتولى القيادة”[8].
وأكد أدولف هتلر أيضا على أهمية ممارسة الحرب من أجل توسيع الأراضي الألمانية، فكان مصيره أن انتحر. قال هتلر: “إن حدود الدول هي من صنع البشر وتبديلها يتم على أيدي البشر”[9].
من هنا يتجلى لنا أن الحل النظري للمسألة الكردية في إتفاقية 11 آذار 1970 كان حلا منبثقا من فكر عسكري في ثوب صلح مزيف، كتكتيك لكسب الوقت من أجل تصفية القضية الكردية بالقوة العسكرية لاحقا. وهذا يقودنا إلى الاختلاف بين (الحل النظري السلمي) كوسيلة، و(الحل العملي العسكري) كمحك لحقيقة النظام الدكتاتوري الاستبدادي كغاية.

عملية إبادة الشعب الكردي في إقليم كردستان
شهد العالم عملية إبادة الشعب الكري في إقليم كردستان، ووقفَ هذا العالم أمام روحية صدام حسين الشريرة التي قضت على حرية العراقيين، وهدرت الكرامة الانسانية للشعب العراقي ككل. فحين يتجرد الإنسان من القيم الإنسانية والمثل الروحية يتجرد في النهاية من المثل السياسية العليا أيضا، ويكَونُ لذاته الأنانية المريضة منهاجا خاصا يكون فوق الطبقات والقوى السياسية والمثل الانسانية. فعراق نظام صدام لم يكن تحكمه طبقة أو فئة بقدر ما كانت تحكمه نفسية مريضة شريرة، الى درجة تجاوز بعض المنظمات الانسانية حدود الاستنكار بضرورة تقديم دكتاتور العراق غلى محكمة العدل الدولية، باعتباره أول شخص استخدم القنابل الكيمياوية ضد شعب البلد الذي حكمه.

هذا البحث الذي بين يدينا يوضح بجلاء سياسة محو الشخصية القومية الكردية التي انتهجها نظام صدام حسين في إقليم كردستان. ويبينُ الأساليب السياسية التي إتبعها ذلك النظام لإبادة الشعب الكردي، وتغيير المعالم الثقافية الكردستانية، وتشويه التاريخ والعداء لكل الاعراف والقوانين الدولية مستندا على أسس منهجية ووثائقية. فالتوقيع على اتفاقيات تكتيكية كإتفاقية 11 آذار 1970 مع القيادات الكردستانية يدخل ضمن مناورات النظام البائد لخداع الرأي العام الكردي والعراقي والعربي والعالمي. وعمليات الأنفال واستخدام الاسلحة الكيمياوية ضد الشعب الكري في كردستان، وقتل الأخوة الشيعة في جنوب العراق كانت سمة أساسية لطبيعة النظام، ونهجا عدوانيا ضد الإنسان أينما كان وكيفما وُجد.

الهوامش
– Ludvig Beckman, Grundbok i idéanalys, Santérus, Stockholm 2005, p. 38-40.
2- محمد حجازي، صدام محنة الاسلام والتاريخ، ص13.

3- المصدر نفسه، ص16.

4- بودوستنيك وسبيركين، عرض موجز للمادية التاريخية، ص137.

5- حامد محمود عيسى، المشكلة الكردية في الشرق الأووسط، مكتبة مدبولي، مصر 1992، ص69-70.

6- نيقولو ميكيافللي، الأمير، ط10، تعقيب فاروق سعد، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت 1979، ص118.

7 – المصدر نفسه، ص127.

8- المصدر نفسه، ص131.

9 – هتلر، كفاحي، ط2، دار الكتب الشعبية، بيروت 1975، ص 145.

تتبع:
الحلقة الثانية: مجازر دموية وعملية إبادة شاملة بحق الشعب الكردي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *