الرئيسية » مقالات » من رواية سر النار للروائي السويدي: هيننغ مانكل.

من رواية سر النار للروائي السويدي: هيننغ مانكل.

ترجمة: جاسم الولائي.

إلى ذكرى ماريّا ألفاكا

فتاة أفريقيّة
ماتت حين كانت صغيرة جدّاً

الكتاب يتعلّق بشقيقتها
صوفيّا
التي نجت وعاشت.

بضع كلمات قبل أن تقرأ هذا الكتاب…

هناك العديد من الكلمات في اللغة السويديّة جميلة ومشحونة بالمشاعر.
واحدة منها كلمة okuvlig تقاربها بالعربية عبارة لا يُقهر.
حين يقولها المرء لنفسه بصوت عال، يسمع بأذنية ماذا تعني.
أن لايسمح المرء لنفسه أن يُداس.
أنّ لا يعطي المرء نفسه ويتنازل.


هذا الكتاب يتحدّث عن إنسانة لا تقهر، تدعى صوفيّا. وجدت في الحقيقة وهي في سنّ 12 سنة. تعيش في واحد من أكثر بلدان العالم فقراً، موزنبيق الواقعة بعيداً أسفل الساحل الشرقي في أفريقيا.

حقيقة الأمر أنّها بلاد غنيّة. لكنها أصبحت فقيرة، لأنّ حرباً مجنونة إندلعت فيها واستمرّت قرابة العشرين عاماً. خلال حقبة طويلة إنتهت عام 1975 كانت موزنبيق مستعمرة برتغالية. حين نالت تلك البلاد استقلالها ورغبت في المضي في طريقها الذي كانت ستختاره، حاول الكثيرون منعها وعرقلتها. ليس أقلّهم أولئك المتضررون من البرتغاليين الذين شهدوا ضياع سلطتهم القديمة. الكثيرون منهم إنتقلوا إلى جنوب أفريقيا. لم يكتفِ العنصريون في جنوب أفريقيا بالنظر بعيونهم المجرّدة إلى ما كان يحدث في جارتهم موزنبيق. لقد قدّموا المال والسلاح للمتذمرين والفقراء الموزنبيقيين وشجّعوهم على إشعال حرب أهلية. وكما يحدث في كلّ الحروب، فإنّ مَنْ يتعرّض لأضرار الحرب ويدفع الثمن هو الشعب. قُتل الكثير من الناس. الكثيرون نزحوا من قراهم. صوفيّا كانت واحدة منهم. لكنّها نجت من الموت.
هذا الكتاب يتعلّق بها وبشيء مما حدث. شيء ما سيحدث ويغيّر كلّ حياتها.


هيننغ مانكل

هذه قصّتي
أريدها أن تعيش وتبقى
في ذاكرتكم.

هذا القلب الأفريقي
كالشمس
كبير، أحمر
حرير دموي اللون

يرقص الفجر الأفريقي.
من الشمس الصاعدة
تنمو الأصوات الأولى
تهمس أولاً، يرتفع الهمس
وبعدها أخيراً
كلّ شيء أقوى.

لكن حتى الآن لم يبرح الليل مكانه
وصوفيّا تحلم…





الفصل الأول

صوفيّا تهرول في قلب الليل.
العتمة تحتلّ المساحات، هي خائفة جداً.
لا تدري لمَ تركض، لماذا هي خائفة، أو إلى أين يأخذها الطريق.
ثمّة شيء ما خلفها، شيء ما عميقاً هناك في قلب العتمة يرعبها. تعلم أنّ عليها أن تزيد في سرعتها. يجب أن تقوى على الجري أسرع. هذا الذي هناك خلفها ولا تستطيع رؤيته، صار أقرب وأقرب.

إنّها خائفة جداً، وحيدة تماماً، وكلّ ما تستطيع فعله هو أن تجري.
تجري بموازاة درب يتلوّى بين شجيرات وأيكٍ كثيفة. لم ترَ الدرب، لكنّهاتحفظه عن ظهر قلب. قدماها تعرفان أين ينثني وأين يستقيم. هذا الدرب تسلكه كلّ صباح مع شقيقتها ماريّا. حتى الحقل الصغير، هناك يزرعون الذرة والخسّ والبصل. يومياً عند كلّ طلوع فجر تذهب هناك، وفي كلّ مساء، تماماً قبل الغروب تعود وماريّا، حينها تكون والدتهما ليديا بصحبتهما، إلى تلك السقيفة الصغيرة حيث تسكن العائلة.
لكن لماذا تركض هناك الآن، حين يحلّ الليل وتهبط الظلمة؟ ما الذي يطاردها في الظلام، أهو وحش بلا عينين؟ إنها تحسّ بزفيره يلهب رقبتها وهي تحاول زيادة سرعتها أكثر. لكنّها لاتقوى. تفكر في أن تُخبيء نفسها، أن تنسلّ فجأةً من الدرب وتنكمش على نفسها لامّةً جسدها داخل الأكمة. تقفز كما تفعل الظباء التي شاهدتها مرّة وتترك الأرض بقفزاتها.

وقتها أدركت.
هذا بالضبط ما يريده الوحش الذي يطاردها هناك في الظلمة.
أن أنسل وأترك الدرب، هذا هو الأخطر من كلّ شيء.
كلّ صباح كانت ماما ليديا تقول:
– لا تتركا الطريق نهائياً. ولا حتى متراً واحداً. لا تسلكا إطلاقاً طرقاً مختصرة.
عِداني.

صوفيّا تعلم أنّ ثمّة ما هو خطير في الأرض. جنود مسلحون لا يستطيع أحد رؤيتهم. دفائن عميقة في الأرض، أشياء غير مرئية. تنتظر قدماً تدوس عليها. تحاول يائسةً أن تتعلّق في الهواء. تعرف أنّها لا تقدر أن تُنزل قدميها على الأرض. لكنّها لا تقوى أيضاً على أن تتعلّق في الهواء، لا تملك جناحين مثل الطيور، تنجذب نحو الأرض، وباطن قدميها يلمس التراب الجاف.

في تلك اللحظة تستيقظ صوفيّا.
تستحمّ بعرقها وتشعر بحرقة وجفاف حادّين في فمها، يصخب قلبها نابضاً داخل صدرها ولم تعرف في البداية أين هي. لكن بعدها سمعت أنفاس شقيقيها وأمّها الغارقين في النوم. إنّهم يتمددون متزاحمين على أرضية كوخهم الصغير. باحتراس شديد مدت يدها متلمّسة ظهر أمّها التي تحركت دون أن تستيقظ.
تستلقي صوفيّا بعينين مفتوحتين داخل الظلمة والسكينة. ماما ليديا تتنفس بهدوء لكن دون انتظام، وكأنّها قد صحت قبل ذلك وانشغلت بإعداد الحساء الذي سيتناولونه في الصباح. إلى يسارها ينام ألفريدو وفاوستينو الصغير الذي لم يتعلّم بعدُ المشي.
تعتقد صوفيّا أنّ ثمّة قادماً جديداً سيشاركهم بين يوم وآخر النوم على أرضية الكوخ، فماما ليديا توشك على وضع مولود جديد. مرّات عديدة شاهدت صوفيّا هذه السمنة على أمّها في السابق، وهي تعلم أن هذه السمنة لن تستمر أياماً كثيرة.
أخذت تفكّر في الحلم. الآن وهي مستيقظة تشعر بنوع من الهدوء والسعادة، لكنّها مع ذلك حزينة.

تفكّر بما يمثّل هذا الحلم، بالذي حدث في ذلك الصباح قبل عام مضى.
تفكّر بماريّا، أنفاسها التي لم تعد تسمعها في الظلام.
ماريّا التي فارقت.
لقد رقدت عميقاً في الظلمة. بوم ينعق في مكان ما خارج السقيفة. خشخشة جرذ حذر عند الجانب الخارجي للجدار القشّي للسقيفة.
تفكّر بما حدث في ذلك الصباح، كان كلّ شيء طبيعياً، حين ذهبت مع ماريّا لمساعدة ليديا في قطع الحشائش الضارة وتنظيف الحقل الذي يقع عند نهاية القرية.
وتفكّر في كلّ ما حدث قبل ذلك.