الرئيسية » مقالات » طلاب كركوك الكرد:{ أزمة اللغة }

طلاب كركوك الكرد:{ أزمة اللغة }

نقاش – (كركوك) – 17/4/2008:

يعيش الطلاب الكرد في كركوك ما يسمونه “أزمة لغة” أورثتهم إياها سنوات من التعاطي السلبي للحكومات المتعاقبة مع اللغات غير العربية في العراق.

في هذا البلد المتعدد القوميات والاثنيات، كانت لغة السلطة تتبوء موقع اللغة الرسمية وتفرض بالقوة على ما سواها من لغات محلية في مختلف المؤسسات. إبان حكم السلطنة العثمانية كانت اللغة التركية هي لغة التدريس الرسمية في كركوك. ومع انحسار سلطة آل عثمان في العراق ووقوعه تحت الانتداب البريطاني، حلت اللغة العربية محل التركية كلغة للمؤسسات التربوية.

عام 1970 شهد تغيرا كبيرا في كيفية تعامل السلطات العراقية مع اللغة الكردية اثر اتفاقية 11 اذار التي ابرمها نائب الرئيس في حينه صدام حسين مع قيادة الثورة الكردية بقيادة مصطفى البارزاني حيث تضمنت احدى بنود الاتفاقية حق الكرد في المناطق ذات الأغلبية الكردية بتعليم أبنائهم بلغتهم الأم. بعد هذا التاريخ شاع التعليم بالكردية في كركوك لفترة قصيرة، لكن السلطة سرعان ما تراجعت عن قرارها بعد اندلاع الحرب مجددا بينها و بين الأحزاب الكردية عام 1974، و منذ ذلك التاريخ بدأت السلطة العراقية بتنفيذ خطة لانهاء التعليم بغير العربية بشكل تدريجي في مدينة كركوك واقتصار مناهج التعليم على اللغة العربية. الخطة كانت ضمن سياسة اوسع تهدف إلى حظر استخدام اللغات غير العربية على مختلف الأصعدة، الى ان وصل الامر بالسلطة الى منع تسمية المولودين الجدد بغير الاسماء العربية.

سقوط نظام صدام حسين عام 2003 ، شكل انعطافة على صعيد حرية استخدام اللغة في كركوك، وكان لتجربة حكومة اقليم كردستان انعكاسها الواسع على كركوك في مجال التدريس. فالمناهج التربوية باللغات الكردية والتركمانية والسريانية كانت متداولة في مدارس الاقليم منذ أن حصلت على الحكم الذاتي، وما أن سقط النظام حتى قامت وزارة التربية في حكومة اقليم كردستان بتزويد مدارس كركوك بمناهج كردية وتركمانية وسريانية هي ذات المناهج المعتمدة في مدارسها. الآن يوجد في كركوك اكثر من 300 مدرسة كردية و 55 مدرسة تركمانية واربعة مدارس سريانية ، جميعها تعتمد المناهج الدراسية المطبوعة في الاقليم، الى جانب مدارس أخرى كثيرة تدرس باللغة العربية.

بالرغم من تمكن طلاب المدارس أخيراً من التعلم بلغتهم الأم، إلا أن ذلك لم يكن كافيا لوصولهم إلى بر الامان. فالتعليم الجامعي في المدينة لازال يعتمد اللغة العربية فقط كلغة تدريس جامعي، مما يعني تعثر الدارسين بغيرها من اللغات في المراحل التي تسبق المرحلة الجامعية. هذا ما حدث على سبيل المثال للطلبة الكرد في كلية القانون في جامعة كركوك. في السنوات الخمس الماضية سمحت وزارة التعليم العالي العراقية لهم بالاجابة عن أسئلة الامتحانات باللغة الكردية، لكن هذا القرار الغي خلال العام الدراسي الحالي، وبالتالي وجد الكثیر من الطلبة الكرد صعوبة بالغة في الإجابة باللغة العربية، سيّما اولئك العائدين إلى كركوك من مناطق اقليم كردستان، اولئك الذين لم يختبروا التواصل باللغة العربية في مكان اقامتهم السابق.

الطالب دابان أحد هؤلاء الطلاب يقول: ” مشكلتنا الكبرى هي ان الكردية لغة تعليمنا السابقة، ونحن لا نطلب اكثر من السماح لنا بمواصلة التعليم بلغتنا الام”. الطالبة هاوناز خالد تضيف بان ” معظم الطلاب الكرد لا يفهمون شيئا من المحاضرات التي يلقيها الأساتذة، ودخولهم للقاعات الدراسية يمليه احترامهم للاساتذة فقط”.

طلاب كثيرون يشاركون دابان و هاوناز مطلبهم هذا، الا ان قيس جلال جاف معاون عميد كلية القانون اوضح لمراسل (نقاش) “بان الكلية وغيرها من الكليات في كركوك لا تمتلك العدد الكافي من الاساتذة الكرد بحيث يتيسر اعتماد الكردية كلغة تعليم فيها”، مؤكدا استعداد الكلية لافتتاح دورات لتعليم الطلبة اللغة العربية. واضاف جاف : “لدينا البعض من الطلبة الكرد يجيدون العربية افضل من الطلبة العرب انفسهم”.

لاشك ان طلبة الكلية يجدون اقرانهم في جامعات كردستان المجاورة يدرسون باللغة الكردية، مما يشجعهم على المطالبة بذات الامتياز، خاصة أن المادة الرابعة من الدستور العراقي تكفل لهم ولأبناء القوميات الاخرى حق التعلّم في المدارس والجامعات بلغتهم الام. لكن السلطات التعليمية في بغداد تتجاهل طموحات الطلاب الكرد تحت عنوان عدم توفر الكواد التدريسية اللازمة للتعليم دون أن تفصح عن خطة تربوية مستقبلية ترسم طريقا واضحا لطلاب القوميات غير العربية.

هنالك مشكلات أخرى تنتظر وزارة التربية في بغداد ضمن نفس السياق، فخلال الاعوام القادمة سينهي عدد كبير من الطلبة التركمان في كركوك تعليمهم ما قبل الجامعي باللغة التركية، وسينتقلون بعدها إلى مقاعد الجامعة ليشاركوا زملائهم الكرد “أزمتهم اللغوية”، ولا شك أنهم سيطالبون أيضا بطباعة كتب دراسية قادرين على فك رموز أبجديتها!