الرئيسية » مقالات » خمس سنوات.. والديمقرطية الأمريكية تنزلق على رمال بلاد الرافدين

خمس سنوات.. والديمقرطية الأمريكية تنزلق على رمال بلاد الرافدين

-1-


ربما مس تقرير ديفيد بتريوس قائد القوات الأمريكية في العراق الأخير، وإلى حد كبير ما يجري على أرض الواقع في العراق. فهو لم يتحدث عن نصر وإنما عن تقدم جزئي. ولم يتحدث عن استقرار الأوضاع وإنما فقط عن تراجع لأعمال الدموية العنيفة. وعليه فإن ما يجري يومياً في العراق ستستمر خلال الأشهر المتبقية من ولاية الرئيس جورج بوش، بل ويمكن أن تمتد إلى فترة الرئيس الأمريكي القادم. وهذا ما سيجعل العراق بطبيعة الحال أكثر من كونه مجرد ساحة للصراع والحسابات الداخلية والاقليمية، وقد يخرج منها الأمريكيون في نهاية المطاف منتصرين.. لكن بأية طريقة؟


-2-


وعندما أعلن الرئيس جورج بوش بملئ أشداقه انتهاء حرب تحرير العراق بكلمات سياسية صرفة، وهو على متن حاملة طائرات أمريكية في الخليج، برهن للعالم أجمع آنذاك، أن الحرب وضعت أوزارها في فترة زمنية وجيزة وذلك بإسقاط النظام الديكتاتوري في العراق.. لتبدأ عملية إشعاع الديمقراطية في العراق ومنها إلى المنطقة.. بيد أنّ وإن كان لتلك الكلمات صدى منقطع النظير في ملامستها لرغبات شعوب المنطقة وتطلعاتهم، فتلك الكلمات لم تصمد طويلاً على أرض الواقع، فسقطت، وتاهت في رمال العراق.. 


نعم، لقد تنفس العراقيون الصعداء بعد سقوط “نظام صدام” المروع، غير أن مشاعر الارتياح لم تدم طويلاً، فالعراق تحول إلى جحيم من المعارك الطائفية والمذهبية والإرهاب، بفعل الانعدام التام التخطيط لمرحلة ما بعد الحرب. وهذا ما أدى إلى فقدان فكرة الديمقراطية الامريكية مصداقيتها، وحتى الترويج لها، بحيث يمكن بالكاد الحديث عن حقوق المرأة، وتحسين الحياة المعيشية للمواطن العراقي.. ولقد صدق (تشيني) مؤخراً، عندما قال بأنّ المهمة لم تنجز بعد، لكن ليس بالمعنى الذي يعنيه هو، فالمهمة الحقيقية تتمثل في إعادة البناء العراق.


-3-


وفي جردة حسابية، مؤخراً، قالت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة إن 4.5 مليون عراقي فروا من بلدهم، وأن سوريا والأردن قد استضافتا العدد الأكبر من اللاجئين العراقيين. كما أن  نحو 2.5 مليون عراقي آخرين اضطروا للنزوح داخل بلدهم. لكن في موازاة ذلك ثمة انجازات أمنية تم تحقيقها والتي ساعدت على تحجيم مشاهد فرق الموت، والعبوات، وقطع الرؤوس، وأن حوادث العنف الطائفي قد قلت، وأن القاعدة أصبحت مطاردة حتى من قبل مرديها، وأن الناس قد أصبحوا الآن أكثر قدرة على الخروج من منازلهم، وأن التجارة قد بدأت في الازدهار مجدداً، وأن الحكومة على الرغم من الحزازات الطائفية بين أعضائها، نجحت في تمرير تشريعات طويلة الأمد في البرلمان، خصوصاً وأن البنية التحتية تتعافى، بعد توافر مداخيل ضخمة للبلد نتيجة الارتفاع الهائل في أسعار النفط.


-4-


والأن ما هو مطلوب أن يحدث على الأرض هو أن العراق يحتاج إلى قوات نظامية مدربة ومسلحة جيداً، وإلى قوة شرطة كاملة مع مساعدة جيرانها له. لأن عدا ذلك لا يمكن للعراق أن يتعافى دون مساعدة من الجيران العرب، الذين ينبغي أن يتخلوا عن سياستهم السلبية، وأن يعيدوا فتح أبواب سفاراتهم هناك، ويتعاملوا مع كافة المجموعات العراقية من دون استثناء من جهة ومن الأخرى يقع على عاتق العراقيين أيضاً، أن يحثوا أعضاء حكومتهم على التوقف عن الصراع فيما بينهم، وأن يعملوا على عقد التسويات والمصالحات الضرورية لوحدة البلاد، وعلى تقسيم مداخيل النفط بالعدل، وتطبيق المادة (140)، والتغلب على تقاليد الثأر السياسي، لأن ذلك سيوفر فرصة كبيرة أمام بلدهم لاسترداد المكانة التي يستحقها على الساحتين الاقليمية والدولية خلال السنوات الخمس القادمة. وإمكانية وضع حجرة أمام انزلاق وترنح محاولات بناء الديمقراطية في البلاد.


-5-


وأخيراً.. من الخطأ الآن، وفي إطار هذا السجال، تكرار الحجج التي سادت قبل الحرب، وأنه من الأفضل، بدلاً من ذلك أن يتم استخلاص الدروس المستفادة من تجربة السنوات الخمس المنصرمة. فنتائج السنوات الخمس بعد سقوط “نظام صدام” لم تكن طيبة، فالأوضاع في العراق ستبقى قابلة للتأويل، وكل الاحتمالات تبدو مفتوحة وممكنة من جانب، ومن جانب آخر يمكن للأوضاع في البلد أن تنهار كليا وبسرعة كبيرة لولا المساعدات الأمريكية. خاصة وإنه أمر يقر به حتى السياسيون الأمريكيون الذين ما يزالون يطلقون شعارات الصبر والصمود كمرشح الرئاسة الجمهوري جون ماكين والذي يعلم جيدا انه حتى أمريكا الغنية لا تستطيع تحمل تكاليف هذه الحرب بشكل مستمر، فضلاً عن التكاليف البشرية المروعة من الجانبين المدني العراقي والعسكري الأمريكي.

سيلفان سايدو _ إعلامي