الرئيسية » مقالات » مفارقات سياسة القيادة السورية المتضعضة.. مزقت آخر صفحات التضامن العربي

مفارقات سياسة القيادة السورية المتضعضة.. مزقت آخر صفحات التضامن العربي

-1-

علاوة على أن لقاء بعض قادة العرب في “قمة دمشق” العربية لم ترتق إلى أدنى مستو له، قياساً للقمم الـ(19) الماضية، أي منذ قمة القاهرة (1946)، مروراً بوثيقة “إعلان القاهرة” أواخر الثمانينات من القرن المنصرم، حيث الشرخ بين مواقف الدول العربية كان في اتساعه، جراء غزو “نظام صدام” لجارته الكويت. فأعتقد أن إصرار القيادة السورية وعنادها على عقد تلك القمة في زمانها ومكانها، ربما مثلت أو تمثل نقطة انعطاف في سياسة دول الاقليمية والغربية تجاه “قادة دمشق”، وذلك بالمضي قدماً -عملياً- في فرض طوق غليظ ومحكم للعزلة على تحركاتها، والحد من تأثير دورها اقليمياً، بعد أن تم إحجامها وعزلها دولياً، ولربما حتى عربياً. لأن دول المحور العربي أي دول التي تكوِّن “مركز الثقل العربي”، الأن، (العربية السعودية ومصر) بالإضافة إلى الدول العربية المعتدلة التوجه تسعى جاهدة إلى ذلك، من خلال مقاطعتهم لدعوة حضور قمة (دمشق).

-2-

وفي المقابل، لن تفوت القيادة السورية أية فرصة من أجل كزيد من إحكام الوجود “الاستخباراتي السوري” في لبنان، والأراضي الفلسطينية، والعراق، بالرغم من أنها لا تزال تحتفظ بأوراق مؤثرة وفاعلة، إلى حد ما، في تلك المناطق التي تشكل بؤر التوتر في المنطقة. لهذا فمضاعفات رفض بعض القيادات العربية خصوصاً (المصري حسني مبارك والسعودي الملك عبدالله) اللقاء بنظيرتهما السورية، عبر وساطة الرئيس الجزائري “عبدالعزيز بوتفليقة”، بدت للقيادة السورية بأنها بدأت تأتي أكلها، لا سيما أن “القيادات السورية” في “دمشق” لن تستطع الوقوف أطول على القدم الايراني، بعد أن فرطت بالقدم الداخلي، التي شلّت تماماً، من خلال الإقصاءات والحملات المستمرة باعتقالات في صفوف زملائنا المثقفين الوطنيين.. لهذا فهي تحاول اختراق طوق العزلة ما أمكن، وهو ما ظهر جلياً من خلال النبرة الخطابية الهادئة –غير المعتادة- في كلمة الرئيس بشار الأسد في كلمته في افتتاح القمة..

-3-

وفي موازاة هذا، أجادت الدول الغربية من جانبها، وإلى الآن، في إبقاء نفسها خارج دائرة الصراع العربي-العربي، على عكس سلوك قادة العرب، الذين يتقنون بدورهم التعامل بعضهم البعض بالثأر والعناد.. ولعل عقد تلك القمة في مكانها وزمانها التي خرجت بنتائج مفلسة سياسياً من ناحية، ومن الناحية الاخرى زادت في الوقت عينه من حدة الخلافات العربية-العربية، يمثل أنموذجاً مثالياً لهذا السلوك. لأن الدول الغربية على دراية كافية بأنّ إكال مثل هذه السياسة لبعض القيادات العربية ضد بعضها أنجع، وسيلة للوصول إلى الهدف المنشود لها، من جهة والأخرى مطالبة “دمشق” بما هو غير مقبول بالنسبة لها، وهو التخلي عن تحالفها الاستراتيجي مع “طهران”.. ما هي إلاّ محاولات لإمرار النظام السوري من عنق الزجاج..

-4-

ففي السنوات الـ(5) التي أعقبت سقوط أشرس نظام في المنطقة “نظام صدام” شهدت المنطقة تغيرات وتقلبات سريعة في المصالح والتحالفات والعدوات التي تغذيها ايديولوجيات سياسية وأخرى مذهبية، تكاد تكون أسرع من تغيرات في الأحوال الجوية التي مرت به المنطقة.. بينما القيادة في دمشق ماضية في غيّها، غير عابئة عما يجري من حولها، ودون أن تتساءل حتى قبل دعوة نظرائها العرب إلى القمة في “دمشق” عما إذا كان بإمكانها التعامل والتكيّف مع التطورات الاقليمية المتسارعة والمتلاحقة، في ظل انفصام عروتها داخلياً وانعزالها خارجياً.. وعلى أية حال، لن يكون بإمكان النظام السوري، بعد الأن من إقناع الآخرين بإمكانية التعاون والتقارب لا مع الأطراف العربية ولا الغربية، لأن ذلك سيكون بمثابة إطلاق العنان ليدها في تعكير مزيد من التوتر في المنطقة، ومزيد من كم الأفواه في الداخل، وهذا غير سوي مع البيئة الدولية المتجددة.