الرئيسية » مقالات » هل مَن كان ينتظر غير ذلك من أحزاب ألإسلام السياسي…..؟ القسم الثاني

هل مَن كان ينتظر غير ذلك من أحزاب ألإسلام السياسي…..؟ القسم الثاني

تطرقنا في القسم ألأول من هذا الحديث إلى بعض ألأسباب التي أدت إلى الوضع المأساوي الذي يعيشه أهلنا في وطننا الذي إستباحته العصابات وسفكت دماء أبناءه المليشيات التي جاءت بها أحزاب الإسلام السياسي التي تقود العملية السياسية الآن في وطننا وتتحمل نتيجة لذلك كل تبعات هذه القيادة التي فشلت فيها ، حيث أن الشعب لم يحظ بالنزر اليسير مما وعدت به هذه الأحزاب قبل مجيئها إلى السلطة وبعد إستحواذها عليها من خلال الخديعة ألتي روجتها أثناء الإنتخابات البرلمانية ألأخيرة التي جعلت فيها من الدين ألإسلامي وتعاليمه السمحاء طريقآ للوصول إلى أهدافها السياسية. كما مهدت الثغرات التي فتحتها قوى ألإسلام السياسي في وحدة الصف الوطني إلى إنتعاش قوى البعثفاشية الساقطة بعد أن أخفت عقيرتها لفترة وجيزة من الزمن كانت خلالها تخشى إنتقام ضحايا الدكتاتورية البائدة منها . مَن يعود بذاكرته إلى ألأيام ألأولى لسقوط الصنم يتذكر كيف إختفت جرذان البعث ولاذت بجحورها هربآ من غضب الشعب وتجنبآ لردود الفعل التي كانت تخالج نفس كل عراقي عانى من ويلات البعثفاشية ونظامها المقبور , وهم بلا أدنى شك الغالبية العظمى من بنات وأبناء الشعب العراقي . إلا أنها سرعان ما عادت إلى الظهور بزي آخر بعد أن مهدت لها أحزاب ألإسلام السياسي , التي إستلمت السلطة السياسية , طريق الظهور هذا ولتسهل لها ألإنضمام إلى هذا التنظيم السياسي الديني أو ذاك ولا بأس من التبرك بالزي الجديد من العمائم والجُبب أو الحجاب والنقاب , بعد خلع الزيتوني وبعد ممارسة التوبة على يد السيد القائد الجديد حفظه ألله ورعاه , أو غسل الذنوب بفتوة من عالم أو هيئة أو مرجعية ترى باجتثاث البعث أمرآ معرقلآ للعملية السياسية التي ما آن لها ألأوان أن تبدأ بشكلها الحقيقي بعد . وتواصلت المسيرة البعثفاشية الطائفية الشوفينية العشائرية المناطقية المشتركة لتضع الوطن أمام خيارين أحلاهما أمرّ من ألآخر , مد اليد إلى تلك ألأيادي التي إنتهكت كل ما يمس شرف وضمير ووطنية ومبادئ الإنسان العراقي , إلى أيادي المجرمين من البعثيين القتلة بحجة المصالحة الوطنية , أو ألإستمرار بهذه الدوامة من القتل والتهجير وسوء الحياة المعاشية وتدهور الوضع ألأمني وكل المآسي التي يتحملها ألمواطن العراقي البسيط الذي لا يجد منطقة خضراء يلوذ بها ليكون قريبآ على قادته الجدد أو ليتسنى له رؤية من إنتخبهم على ألأقل , بعد أن إفتقدهم طيلة هذه المدة في جلسات البرلمان العامر بأثاثه الجديدة ,حيث يقضي البرلمانيون النشامى أغلب أوقاتهم خارج الوطن بين الحج والتبضع والدورات التدريبية والسفرات التجارية أو اللقاءات الحميمة خارج الوطن مع رفاق ألأمس و” مقاومة ” اليوم .

هذا ما جناه الشعب العراقي من التجارة الجديدة بالدين بعد خمس سنوات من سقوط التجارة القديمة بالدين من خلال الحملة ألإيمانية التي جاءت بالإحتلال الذي حرر الشعب والوطن من نفايات هذا السوق التجاري العفن ليوقعه في حبائل الهيمنة العالمية الجديدة ، هيمنة رأس المال المعولم . فإلى أين تسير بنا اليوم هذه التجارة الجديدة بالدين …؟ وهل لهذه البضاعة الكاسدة نصيبآ من الرواج بعد كل هذا ألإنحطاط الذي تواجهه أسهمها في سوق البورصة العراقية الشعبية الكادحة المنسية والمتروكة بين مطرقة ألإرهاب التكفيري وسندان الطائفية والعشائرية والقومية الشوفينية والمناطقية والبعثفاشية وكل عصاباتها المسلحة التي قاتلت وتقاتل اليوم في شوارع البصرة والكوت والناصرية والعمارة والحلة وكربلاء والديوانية , هذه المناطق التي تقطنها الغالبة الشيعية وتسيطر على مفاضلها الرسمية أحزاب الإسلام السياسي الشيعي وتتعامل مع مراجع دينية شيعية ، وليس هناك أي فرقة شيعية أخرى معروفة بينها غير الفرقة ألإثنا عشرية الجعفرية . أي لا خلاف في العقيدة وأسسها وثوابتها . وإن حصل بعض الخلاف الديني فهو بالتأكيد في مسائل لا يمكن أن تكون إلا ثانوية بحتة وهامشية بحتة بحيث لا تستوجب التفتيش عن حلول أصلاً وذلك بسبب ضآلتها , لذا جرى التقليد في مثل هذه الأمور وعند هذه الفرقة بالذات إلى تعدد المراجع الدينية التي قد تختلف في هذا ألأمر الهامشي أو ذاك بحيث يترتب على ذلك حرية من يتبع هذه الطائفة بإختيار المرجع الديني الذي يقلده في مواجهة المعضلات اليومية في أمور دينه . فكيف نفسر ما نراه اليوم يا ترى من إقتتال وتخريب للمدن والمنشآت وشل ألإقتصاد وترويع المواطنين وتعطيل العمل وحمل السلاح ضد الدولة التي يتبوأ مركز القيادة فيها أشخاص ينتمون إلى تلك الطائفة التي تدعي المليشيات المسلحة هذه ألإنتماء إليها …؟ إن سبب هذا القتال يكمن بالتأكيد في المنافسة على موارد السرقات والسلب والنهب من كافة المصادر المالية التي إستولت عليها هذه العصابات بالأمس وغير مستعدة للتنازل عنها اليوم ، وهي الساعية لتوسيعها وزيادة ألإستفادة منها ، ومن الطبيعي أن يرتبط التسلط على ما لم يمتلكه الفرد بقوة السلاح واستعمال العنف ضد مَن يريد إيقاف هذا المعتدي عند حده .
لقد بدأت هذه الكارثة منذ عهد الحكومة ألأولى التي كان الشعب يرجو منها خيراً ، لاسيما وإنها جاءت بعد سقوط ديكتاتورية مقيتة تسلطت على خيرات الوطن لأربعة عقود من تاريخه الحديث . إلا أن كثيراً من أعضاء هذه الحكومة وجدوا في إشتراكهم فيها فرصتهم النادرة التي لابد من إقتناصها للإثراء على حساب الوطن وأهله وإعماره ومساعدة المحرومين والبؤساء فيه , وهم الكثرة الكاثرة التي خلفتها البعثفاشية . فاختلسوا وسرقوا ونهبوا الملايين وهربوا خارج الوطن حيث ” ينعمون ” الآن بسرقاتهم هذه ولا من مُطالب بكل ما سرقه ه هؤلاء ، ولا أي إجراء جدي لملاحقتهم ومحاسبتهم قضائياً على سرقاتهم هذه . وبعد أن جرت ألإنتخابات التي إنبثقت عنها أول حكومة منتخبة من الشعب ، وبعد أن نجحت أحزاب الإسلام السياسي في توظيف الدين لقوائمها ألإنتخابية وحصلت ما حصلت عليه من ألأصوات التي أناطت بها مسؤولية الحكومة الجديدة ، كان تفكير الناس مُنصّباً على نوعية هذه الحكومة التي سوف تباشر طريق ألإعمار واستثمار خيرات البلد لصالحه وصالح أهله . ولم يجر التفكير على أن حكومة هؤلاء المتدينين ستسمح بسرقة المال العام ، ناهيك عن ألإشتراك في هذه السرقات والتواصل في تفعيلها بزخم أكثر مما كان الحال عليه في زمن الحكومة ألأولى . وسبب مثل هذا التفكير بسيط جداً ، حيث أنه ينطلق من أن سرقة المال العام لا تجوز دينياً وتقع ضمن أعمال الحرام الذي يخشاها ويتجنبها رجال الدين الذين إستلموا مهام السلطة الجديدة والحكومة الجديدة . إلا أن ألرياح أتت مع هذه الحكومة المتدينة في أغلب مفاصلها بما لا تشتهيه طموحات الشعب ومصالح الوطن . فتحول رجل الدين الثابت المبادئ والقيم إلى رجل ألسياسة المتقلبة ألأهواء والأجواء التي تُجيز السرقات أحياناً والكذب أحيانآ أخرى ، وتجد لها التفسيرات والتبريرات المناسبة في ألأوقات المناسبة . وإذا بالأحزاب الدينية ترعى ما يريد أن يحققه منتسبوها من إغتنام هذه الفرصة التي قد لا تعود مجدداً . وبما أن أحزاب الإسلام السياسي أصبحت تتكاثر يومياً فذلك يعني بالضرورة قلة وارد السرقات حينما يجري توزيع منابعها على عدد يزداد يوماً بعد يوم . معادلة حسابية بسيطة جداً ، وحل رموز هذه المعادلة لا يحتاج إلى عناء كبير. وهنا لابد من اللجوء إلى إلغاء واحد أو أكثر من أطراف هذه المعادلة كي يتناقص العدد المستفيد من هذه السرقات ، إذ أن ألأمر قد تعدى مرحلة الفتاوى ولم تعد تعاليم الشريعة تنسجم وهذا الكم المتزايد من التجمعات الدينية التي يدعي كل منها بأنها الفرقة الناجية . ألقتال إذن لحماية موارد السرقات ، ولا يهم مَن ضد مَن ، بل المهم ملئ الجيوب والإثراء السريع وزيادة الحسابات المصرفية والعقارات العالية داخل وخارج الوطن .
ألإحصائيات التي كشفت عنها تقارير لجنة النزاهة تشير إلى مدى ” إلتزام ” أحزاب الإسلام السياسي بالشعارات الدينية التي وظفوها للدعاية لقوائمهم ألإنتخابية . فمن ناحية عدد حالات السرقات المرصودة رسمياً والمثبتة بأدلة إستطاعت اللجنة بموجبها إحالة هذه القضايا إلى القضاء لمعاقبة الحرامية من أحزاب ألإسلام السياسي والتي بلغت أكثر من ثلاثة آلاف قضية , لم يجر إلفصل سوى بمئتين وواحد وأربعين قضية . وإن حالات السرقات هذه موَزعة بين مختلف الوزارات التي يسمونها سيادية وهي من حصة ألأحزاب الدينية بمذهبيها السني والشيعي . وتقدر مجموع المبالغ المسروقة من الدولة من قبل القائمين على هذه الوزارات بحوالي ثمانية عشر مليار ، نعم 18 ملياااااااار، دولار أمريكي أخضر، موزعة بين هذه الوزارات السيادية الدينية كما يلي : وزارة الدفاع خمسة مليارات ، وزارة التجارة ثلاثة مليارات ، وزارة الكهرباء ثلاثة مليارات ، وزارة النقل مليارين ، وزارة الصحة مليارين ، وزارة الداخلية مليار واحد فقط ، تشاركها في هذا العدد ، أي مليار واحد لكل منها ، وزارة الإتصالات ووزارة الإسكان ، ثم وزارة المالية التي بلغت السرقات فيها خمسمائة مليون دولار , أي فقط نصف مليار دولار إستطاعت أن تسرق الوزارة التي تمون بقية السرقات ، ثم وزارة النفط التي كانت حصتها من السرقات ” قليلة ” أيضاً نسبة إلى وارداتها حيث بلغت المبالغ المسروقة فيها , كما في زميلتها المالية خمسمائة مليون دولار فقط لا غيرها ( ألخطأ والسهو مرجوع للطرفين ).
وحسب إحصائيات لجنة النزاهة فإن هذه التقارير ” لم تستوعب قضايا الفساد جميعها فهناك قضايا كثيرة لم يتم إدراجها لأسباب متعددة منها عدم إكتمال ألأدلة ، ومنها إختفاء ملفات , وهذا لا يعكس ايضاً النطاق الكامل للفساد في مجال النفط ، بما في ذلك قياس الإحتيال والسرقة والتهريب ” هذا بالإضافة إلى كثير من المعلومات التي تضمنتها هذه التقارير، والتي تشير إلى عدد كبار المسؤولين المشاركين فعلاً بهذه السرقات أو المتسترين عليها .
يقول المثل ” إذا عُرف السبب بطُل العجب ” فهل من عجب إذا ما رأينا أحزاب الإسلام السياسي تتقاتل فيما بينها وتُنظم جيوشها الخاصة بها على شكل مليشيات تخضع لإرادة قائدها في كل صولاتها وجولاتها وسرقاتها واعتداءاتها على الناس وقتلهم وتهجيرهم واختطافهم واستنزافهم وإجبارهم على القيام بهذا العمل أو ذاك وكل ما يضمن بقاء واستمرارية الحزب وقادته على الإستمرار في تحقيق سياسة الحزب التي يلبسونها مختلف الألبسة الدينية . وهل هناك مَن يعتقد بعد الآن بأن أحزاب الإسلام السياسي ، وبعد هذه السنين الخمس العجاف , قادرة على تحقيق أي برنامج وطني تقدمي حضاري يحاكي ما توصلت إليه شعوب القرن الحادي والعشرين وينسجم مع حضارتها وتقدمها العلمي ….؟ مَن يعتقد بذلك بعد كل ما حدث حتى الآن فعليه أن يراجع إعتقاده هذا أكثر من مرة ويضع الوطن وأهل الوطن أمام عينيه وما جناه البؤساء ويتامى المقابر الجماعية وضحايا البعثفاشية ، وما سيجنيه مستقبلاً المهجرون والنازحون واللاجئون إلى مختلف بقاع ألأرض ، والعاطلون عن العمل والخائفون المرعوبون من هذا الجيش الديني أو تلك العصابة المليشياتية ، والنساء اللواتي لا يستجبن لأوامر فقهاء الإرهاب وأفكار القرون ألأولى ، والعلماء والمفكرون والفنانون والأطباء والمهندسون والأساتذة الذين لا يستوعب فكرهم وثقافتهم ومستواهم العلمي حملة السلاح الذين يتخلصون من كل هؤلاء بكل يسر وسهولة قبل أن تنتشر أفكارهم لتنير درب الناس في وطننا إلى كل ما فيه حرية الوطن وسعادة أهله . إن مَن يساعد أحزاب الإسلام السياسي على الهيمنة على مقدرات الوطن بعد كل ما جناه الوطن وأهله من تسلطها طيلة هذه الفترة , لا يساهم باستمرار هذه المآسي التي نراها اليوم فقط ، بل ويساعد على ترسيخها لأجيال متعاقبة وهذا ما سيحاسبه عليه التاريخ , إذا لم يحاسبه عليه ضميره أولاً.