الرئيسية » مقالات » رحلة الشاعر أحمد الصافي النجفي

رحلة الشاعر أحمد الصافي النجفي

صدرَ عن دار العِلم للطباعة والنشر في بيروت كتاب نقدي جديد يحمل عنوان “احمد الصافي النجفي: غربة الروح ووهج الإبداع” للشاعر والباحث العراقي الدكتور إبراهيم العاتي. وقد تضمن الكتاب مقدمة مركزة، وسبعة فصول، ومختاراتٍ شعريةً مُستلّةً من سبعة دواوين شعرية، إضافة إلى قصائد أُخَرْ انتقاها الباحث من المجموعة الكاملة للأشعار غير المنشورة، الأمر الذي يتيح للقرّاء والمعجبين بشعر الصافي النجفي أن يطلّعوا على عدد غير قليل من القصائد الوجدانية والروحية والفكرية التي لا تخلو من مقاربات فلسفية عميقة. تتوفر المقدمة، على الرغم من قصرها، على عددٍ من الآراء النقدية المهمة التي تنتصف لتجربة النجفي الإبداعية والحياتية بعيداً عن السقوط في فخ الإخوانيات والمجاملات العابرة. ومن بين أبرز الآراء المبثوثة في متن هذه المقدمة القيّمة هي نأيُ الصافي النجفي عن التقليد الذي كان مهيمناً في النصف الأول من القرن العشرين. فليس غريباً أن يجترح الصافي لنفسه أسلوباً خاصاً به، ينتمي إليه، ولا يُحيل إلى غيره من الشعراء. وقد أشار العاتي إلى أن هذا الأسلوب، أو الطريق الجديد والغريب والمغاير قد صدم النقاد ومتذوقي الشعر في بادئ الأمر غير أن هذه الصدمة أخذت تتبدد عندما وجدت قصائد الصافي النجفي طريقها إلى الصحف والمجلات الثقافية المتخصصة، حيث تكَشّفَ مشروعه الشعري عن مزايا فنية وجمالية سوف تترك تأثيرها على قرّائه ومحبّيه في العراق والشام وبقية بلدان العالم العربي. كما أشار العاتي إلى أهمية المضامين الفلسفية والوجودية التي تنطوي عليها تجربة الصافي الشعرية الأمر الذي حقق له شهرة عربية واسعة فاقت أقرانه ومجايليه. وعلى الرغم من مكانته الشعرية الكبيرة إلا أنه لم يأخذ حقه من النقد والدراسة والتحليل، خصوصاً أن النقاد والباحثين العرب قد وجدوا أنفسهم أمام أشكال شعرية حديثة كالشعر الحر، والشعر المُرسل، وقصيدة النثر وما إلى ذلك من أشكال شعرية جديدة سرقت الأضواء من جيل الروّاد الذين أسهموا بقدر أو بآخر في التأسيس لمرحلة التجديد والحداثة الشعرية والنثرية. اعتمد العاتي في كتابه النقدي على عدد غير قليل من المصادر والأبحاث النقدية التي تناولت تجربة الصافي الشعرية، غير أن المصدر الأكثر أهمية هو معرفته الشخصية بالصافي النجفي، ولقاءاته المتكررة معه في أثناء دراسته الجامعية، حيث كان العاتي طالباً في قسم الدراسات الفلسفية والاجتماعية في كلية الآداب في دمشق. وقد خلص الباحث إلى نتيجة مهمة مفادها أن شعر الصافي شديد الالتصاق بتفاصيل حياته، فشعره حياته، وحياته شعره، عكس كثير من الشعراء الذين تبدو حياتهم في واد، وشعرهم في وادٍ آخر !


نقوش على الذاكرة
استهلّ العاتي الفصل الأول من الكتاب استهلالاً سردياً يصلح أن يكون مقدمة سلسة لقصة قصيرة أو نص روائي. ويبدو أن ذلك الخريف الدمشقي الساحر لا يزال منقوشاً على شاشة الذاكرة المتشبثة بتفاصيل عزيزة على الروح والقلب. فالعاتي كان توّاقاً منذ صغره لمعرفة الأوساط الأدبية. وما هذا بمستغرب عليه، فهو شاعر وباحث وطالب فلسفة. ولا بد أنه يجد نفسه وسط النُخب الثقافية العراقية والعربية.
ومن حُسن المصادفة أن يكون العاتي متحدراً من النجف الأشرف، وهي ذات المدينة التي ينتمي إليها شاعرنا الكبير أحمد الصافي النجفي، الأمر الذي ذلّل من صعوبة اللقاء الأول، وسرّع في عملية التعارف التي ذهبت إلى أقصى مداها في التآلف والحميمية. فالأرواح المتآلفة تتجاذب . وأكثر من ذلك فإن المناطق المشتركة بين العاتي والنجفي كثيرة، فكلاهما شاعر، وكلاهما معني بالفلسفة، إضافة إلى تحدِّرهما من بيئة ثقافية واجتماعية وفكرية واحدة. في مقهى الهافانا الدمشقي كان اللقاء الحميمي الأول الذي انطلق من خلف صحيفة يومية. فالمقهى، على ما يبدو، هو بيتهُ ومكتبهُ وصالة استقبال ضيوفه ومُحبيه. أما غرفته الصغيرة البائسة في سوق الحميدية فهي لا تليق بقامة شاعر كبير مثل الصافي النجفي، ولكنه آثر الفقر، كما قال العاتي في إهدائه، ليصون كرامة الشعر . ولا بد من الإشارة إلى أن النجفي قد تغرّب قبل ذلك بعقد أو يزيد من السنوات. فخلال الحرب العالمية الأولى وما تلاها من أحداث جسام أفضت إلى قيام العشرين، وحصار النجف استطاع الصافي النجفي الهرب إلى إيران، مغتربه الأول، حيث أمضى ثماني سنوات بعيداً عن الأهل والخلان، لكنه أفاد كثيراً من هذه الغربة حيث أتقن اللغة الفارسية، وترجم بواسطتها رباعيات الخيام ترجمة شعرية دقيقة ظلت علامة فارقة حتى يومنا هذا على الرغم من تعدد الترجمات لهذا الأثر الأدبي الخالد. أما غربته الثانية فقد بدأت عام 1930، ولم تنتهِ إلا عام 1977، أي بعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية بسنتين. وما إن عاد حتى وافاه الأجل المحتوم بعد بضعة أشهر ليطوي حياة شاعر جُبل على الفقر والتشرد وعدم الاستقرار. يؤكد العاتي بأن الصافي قد عاش مختلف أشكال الغربة الروحية والجسدية والمكانية. أما كَفَت غربة الروح أجرعها / حتى تُضاف إليها غربةُ الوطنِ غير أن الغربة الفكرية أقسى أشكال الغربة على الصافي النجفي حيث قال: فأبصرتُ طعم الكل مراً وقاسياً / ولم أرَ أقسى قط من غربة الفكرِ . وعلى الرغم من أن غربة الصافي النجفي الثانية كانت اختيارية ولم تكن قسرية، إلا أنها كانت مليئة بالمصاعب. ولعل أشقها على النفس حينما أصبح نزيلاً لمستشفى الغرباء حيث الداخل فيه مفقود، والخارج مولود!.
كان الصافي عزيز النفس أبيّها. فلم يتكسب، ولم يمدح سلطاناً أو يمجد حزباً سياسياً، بل بالعكس كان يغلِّف قصائده بأثواب السخرية المرة صافحتني يد امرئٍ فرآني / ساخن الكف من لظى الوسواس / قال هذه حرارة الإيمان / قلتُ: لا، بل حرارة الإفلاس! . يزخر الفصل الأول بمعلومات كثيرة عن طبائع الصافي النجفي، وعاداته اليومية، وطقوسه في كتابة الشعر. وليس غريباً أن يأتي الصافي إلى مقهى الهافانا مبكراً حيث يتناول فطوره البسيط، ثم يشرع في قراءة عدد من الصحف السورية واللبنانية، ثم يستعمل حواشيها كمسودات لقصائده التي يكتبها في هذا المقهى أو ذاك.
وحينما يتعذر وجود الصحيفة كان يدوِّن قصائده على علب السجائر الفارغة، أو على أية ورقة ملقاة على أرضية المقهى. وكان الصافي يتضايق من شيئين أساسيين وهما دخان السجائر ولعب الطاولة فالأول يفاقم حالته الصحية السيئة، والثاني يؤرقه ويسبب له الإزعاج. كان الصافي النجفي من أنصار حركة المشروطة المناوئة للاستعمار البريطاني. كما كان معارضاً قوياً للتيار الديني المحافظ. فهو صاحب رسالة أخلاقية وإصلاحية في الوقت ذاته. توصل الباحث في هذا الفصل إلى أن الصافي كان متمرداً على نفسه وعلى التقاليد الاجتماعية البالية. وكان يقف بكل قوة إزاء البدع الوافدة من بلدان أخرْ. ولعل حادثة التصفيق التي نقلها الصافي إلى النجف هي خير مثال لما نذهب إليه. فحينما قرأ الشاعر المرحوم صالح الجعفري قصيدة له يقول فيها فحيوا بالسلام مصفقينا بادر الصافي إلى التصفيق وسط دهشة الحاضرين الذين أعربوا عن سخطهم وتذمرهم لهذا التجاوز الذي وبخّه عليه أخوه الأكبر توبيخاً شديداً.

السهل الممتنع
تتصف قصائد الصافي النجفي بالبساطة والعمق، فليس فيها فذلكات لغوية أو مفردات عويصة تستعصي على الفهم. وقد رصد العاتي في الفصل الثاني من هذا الكتاب العالم الفني للصافي النجفي. وتوصل الباحث إلى أن هذا العالم الفني الذي خلقه الشاعر خلال رحلته الإبداعية الطويلة إنما هو عالم قائم على البساطة في طرح الأفكار والمضامين الشعرية، غير أن مقترباته ومعالجاته الفنية للموضوعات هي التي تمنح قصائده دفقاً وحيوية عاليتين. فالصافي النجفي، كما يؤكد أغلب النقاد، هو شاعر معانٍ لا مبانٍ . فالشكل ليس مهماً بالنسبة إليه، لكنه يولي المعني اهتماماً كبيراً. أما بساطة الألفاظ والمفردات الشعرية التي يستعملها فهي مقرونة بالعمق الشديد، والمفارقة الذكية، والسخرية المرة في كثير من الأحيان، تلك السخرية التي تذكرنا بالكوميديا السوداء. وبحسب الناقد اللبناني رئيف خوري فإن هذا الأسلوب هو السهل الممتنع بحد ذاته. فثمة روح شعري لا يستطع خلقه إلا شاعر مبدع، وفيُّ لمشروعه الشعري. إن ما يلفت الانتباه في قصائد الصافي النجفي هي كثرة الألفاظ والكلمات المتداولة في لغة الحياة اليومية، إضافة إلى جرأته الواضحة في استعمال بعض المفردات العامية التي طوّعها الشاعر، وأدخلها في نسيج نصه الشعري حتى باتت من لُحمة النص وسُداته. ويري العاتي أن الصافي النجفي لم يكن يؤمن بوجود مفردة شعرية وأخرى غير شعرية وإنما كان مؤمناً بوجود معالجة شعرية وأخرى غير شعرية. إن منْ يطيل النظر في البيتين الآتيين سيكتشف أن الألفاظ الغربية والحوشية قد تطوّعت تماماً حتى باتت جزءاً من السياق العام للنص الشعري. إن الغريّ بلدة تليق أن / تقطنها الشيوخ والعجائز/ فصادرات بلدتي مشائخ / وواردات بلدتي جنائز . إن مفردتي الصادرات و الواردات التجاريتين منسجمتان تماماً مع السياق العام للنص الشعري، ولا تربكان إيقاع السامع البتة. وثمة أمثلة أخرْ على إدخاله للمصطلحات السياسية، وتوظيفها في نصوصه بطريقة فنية لافتة للانتباه. لم يكن هذا التوظيف الفني للمفردات العامية والمصطلحات السياسية مجرد نزوة عابرة، وإنما نزوع فني هدفه التجديد الذي لم يسبقه إليه أحد من شعراء عصره أو مجايليه في الأقل. وقد أورد الباحث نماذج كثيرة يمكن الاطلاع عليها سواء في الفصل الثاني، أو في بقية فصول هذا الكتاب النقدي. تجدر الإشارة إلى فلسفة المكان لدى الصافي النجفي. فثمة علاقة حميمة تنشأ بينه وبين المكان الذي يقيم فيه. ولا غرابة في أن يظل الصافي متشبثاً بغرفته القديمة المزرية في جامع ومدرسة الخياطين على الرغم من العرض السخي لوزير الأوقاف السوري الذي قرر في وقت متأخر جداً أن يمنحه بيتاً مريحاً للسكن يليق بمنزلة الشاعر الثقافية غير أن رد الصافي كان بليغاً ومؤثراً وموجعاً في الوقت ذاته حيث قال: إني سكنت هذه الغرفة أربعين عاماً. وكتبتُ فيها ثلاثة عشر ديواناً، فهي كغار حرّاء بالنسبة لي، وليس من الوفاء بعد تلك العشرة الطويلة أن أفارقها أو أرحل عنها!

أنا جمعُ أشخاص وما أنا واحد
يتناول د. العاتي في الفصل الثالث من الكتاب العلاقة الوثيقة بين الشعر والفلسفة حيث تتبع الباحث أشكال العلاقة التي تطورت من شعر الحكمة عند زهير بن أبي سلمى إلى الشكل الأكثر تعقيداً عند أبي تمام والمتنبي، ثم إلى الشعر الفلسفي الخالص عند المعري وغيره من فلاسفة التصوف وأساطين العرفان. تتبع الباحث المرامي الفلسفية في شعر الصافي النجفي منطلقاً من فكرة مفادها أن الصافي النجفي هو شاعر معانٍ لا مبانٍ، كما أسلفنا، أي أن هناك أفكاراً جوهرية خالصة تهيمن على ذهن الشاعر وحواسه في آن معاً، وأن همّ الصافي هو النفاذ إلى ما وراء الظواهر للوصول إلى الحقائق المطلقة وهذا ما يفعله الفيلسوف، غير أن الفرق بين الشاعر والفيلسوف كبير إلى حد ما. فالشاعر، بحسب الدكتور العاتي، يتوسل بالخيال والوجدان والعقل الباطني لملامسة الحقيقة أو الوصول إليها إن أمكن، أما الفيلسوف فهو يلجأ إلى العقل والتحليل المنطقي والبراهين الدامغة. وهذا الرأي لا ينفي أن فلاسفة الإشراق يعتمدون على الحدس والكشف والذوق، أي أنهم قريبون جداً من الشعراء. لا شك في أن الصافي قد درس العلوم العقلية في حوزة النجف، وتعمق في المنطق والفلسفة وعلم الكلام، وأن وسيلته الاستدلالية هي العقل لا العاطفة أو الشعور أو الوجدان. كما أن ولعه بعدد من الشعراء العرب القدامى والمحدثين يكشف عن عمق النزعة الفلسفية لديه، ويكفي أن نشير هنا إلى تأثره بجميل صدقي الزهاوي الذي قدّم الصافي النجفي إلى القراء العرب، وتوقع له مستقبلاً شعرياً كبيرا. من الآراء الجديرة بالدراسة والاهتمام أن الصافي النجفي قد توصل خلال حياته الطويلة نسبياً إلى عدد من الآراء والأفكار التي سبق أن توصل إليها فلاسفة كبار أمثال برغسون من دون أن يطلِّع عليها شاعرنا النجفي. وقد أورد د. العاتي عدداً من الأمثلة التي تؤكد صحة ما يذهب إليه. ويكفي أن نشير هنا إلى ما قاله الدكتور شارل مالك، وزير خارجية لبنان الأسبق، بأن الصافي النجفي توصل إلى نفس النتائج التي توصل إليها هيغل. وحينما استفسر من الصافي النجفي إن كان قد قرأ هيغل من قبل؟ فأجاب الصافي بالنفي. وأعتقد أن الدكتور العاتي هو أقدر من غيره في دراسة هذه الظاهرة اللافتة للانتباه، والتحقق منها، سواء أكانت حقيقة دامغة أم مجرد توارد خواطر لا غير. فالدكتور العاتي كان قريباً جداً من الصافي النجفي، كما أنه شاعر، ومتخصص في حقل الفلسفة، كما أشرنا في مقدمة هذه الدراسة. كان الصافي النجفي يحمل عدداً كبيراً من التناقضات وقد أورد الباحث نماذج متعددة منها، ولكن يظل البيت التالي من الأبيات الشعرية التي تعزز حجم التناقض الذي كان يحمله في تضاعيف نفسه حيث يقول تناقضت الأفكار عندي كأنما / أنا جمعُ أشخاص وما أنا واحد . وقد خلص الباحث في نهاية الفصل إلى أن رحلة الصافي النجفي قد بدأت من الشك، وانتهت إلى اليقين المطلق، والإيمان الخالص، والتصوف المحض.

حدود التأثر والإعجاب
أشار الدكتور العاتي في الفصول الأولى من الكتاب إلى أن شخصية الصافي النجفي تنطوي على تناقضات كثيرة. فمن يطريهم اليوم قد ينقلب ضدهم غداً! وفي الفصل الرابع من هذا الكتاب يرصد العاتي علاقة الصافي النجفي مع الشعراء سواء أكانوا قدامي أم محدثين. وأن هذا الرصد الدقيق الذي تبناه العاتي يشكل فعلاً سيرة ذاتية للصافي النجفي الذي أهمل هذا الجانب، ولم يُعره أدني اهتمام. ومن خلال لقاءات العاتي المتكررة معه تبين أن الصافي النجفي يمحض عدداً من الشعراء حُباً من نوع خاص، ويشيد بمواهبهم وتجاربهم الشعرية مثل المتنبي والمعري وعمر الخيام، غير أن هذا الإعجاب قد ينقلب ذات يوم إلى نقد شديد. لا بد من الإشارة إلى أن الصافي النجفي قد تأثر فعلاً بالعديد من الشعراء العرب والأجانب غير أن حدود تأثره لا تتجاوز الروح والجوهر . ويندر أن تجد قصيدة للصافي النجفي تعتاش على إيقاع قصيدة لشاعر آخر سواء من مجايليه، أو من الأجيال السابقة. وبسبب سعة هذا الموضوع سنكتفي بذكر أسماء الشعراء الذين نالوا إعجابه، أو كانت تربطه وإياهم علاقة من نوع ما وهم ديك الجن الحمصي، المتنبي، الخيام، سعدي الشيرازي، جلال الدين الرومي، محمد تقي بهار، إيليا أبو ماضي، فوزي المعلوف، رشيد سليم الخوري، بدوي الجبل، فخري البارودي، نزار قباني، سلمي الخضراء الجيوسي، محمد سعيد الحبوبي، علي الشرقي، محمد باقر الشبيبي، رضا الموسوي الهندي، آغا رضا الأصفهاني، معروف الرصافي، عبود الكرخي وآخرين لا يسع المجال لذكرهم جميعاً.

النزوع القومي
ذكر د. العاتي أن الصافي النجفي قد انتمى إلى حركة المشروطة المناهضة للاستبداد، والداعية إلى التعددية الحزبية، والحياة البرلمانية الحقيقية. وأكثر من ذلك فإن الصافي كان يتوفر على مشاعر قومية جياشة. وحينما قاد العقيد صلاح الدين الصباغ حركته الإنقلابية اتهمت ألمانيا بأنها كانت وراء ذلك الانقلاب. ويبدو أن تهمة النازية قد لحقت بشاعرنا الكبير الصافي النجفي، حيث اعتقلته القوات البريطانية إثر وشاية ملفقة، وزجّته في السجن لمدة 43 يوماً تفاقمت إثرها حالته الصحية، وشارف على الخطر، لكن القائمين على السجن نقلوه تحت الحراسة إلى مستشفى سان جورج، ثم أعادوه إلى السجن حينما تماثل للشفاء. وخلال مدة سجنه أنجز الصافي ديواناً كاملاً أسماه حصاد السجن، ويعد هذا الديون بحق علامة فارقة في أدب السجون. وعلى الرغم من الوضع المأساوي الذي كان يعيشه الصافي في السجن إلا أن السخرية لم تفارقه. لنتمعن في البيت الآتي: رمونا كالبضائع في سجونٍ / وعافونا ولم يبدوا اكتراثاً / رمونا في السجن بلا أثاثٍ / فأصبحنا لسجنهمُ أثاثاً. يؤكد العاتي أن صديقه القديم صالح جبر هو الذي توسط لدى السلطات البريطانية حينما كان وزيراً للداخلية، ووكيلاً للخارجية، وأخرجه من السجن. وعلى اثر تلك الوشاية المغرضة أصبح الصافي متوجساً في علاقاته الشخصية مع الناس الآخرين. ومع ذلك فقد ظل نزوعه القومي قوياً، وربما يكشف تشبثه بالزي العربي عن طبيعة هذا النزوع المشروع في وقت كانت تعاني فيه العروبة من توجهات قطرية عدائية.

المرأة في حياة الصافي وشعره
تشكِّل المرأة جانباً مهماً في حياة الصافي النجفي وشعره في آن معاً. وكلنا يعرف أن طبيعة التوتر في علاقته الشخصية مع أخيه الأكبر إنما تعود إلى رفض الصافي النجفي الزواج من الفتاة التي اختارها له أخوه السيد محمد رضا. يطرح العاتي عدداً من التساؤلات المنطقية التي كانت وراء رفض هذه الزيجة من بينها: هل كانت للصافي النجفي علاقة عاطفية بفتاة أخرى؟ أم أنه رفض فكرة الزواج المدبر؟ ثم يحيلنا العاتي إلى الدكتور الراحل جلال الخياط الذي لازم الصافي في الشهور الأخيرة، كما حقق أعماله الشعرية غير المنشورة في ديوان ضخم حيث يؤكد الخياط على وجود هذه العلاقة العاطفية التي لم تنته بالزواج. وأكثر من ذلك فإن الخياط يعتبر فشله في الزواج ممن أحب هو السبب الرئيسي لمغادرته إلى سورية ولبنان، وليس المرض كما هو شائع في الأوساط الثقافية العربية. أما الفصل السابع والأخير فهو ختام الرحلة الحياتية والإبداعية حيث يتخلص الصافي النجفي من شكوكه وتناقضاته الخطيرة ويتجه كلياً إلى رحاب الإيمان حيث يتحقق صفاؤه الروحي الكامل.