الرئيسية » مقالات » رسالة الى الشهيد الحلو ( أبو ظفر ) .!!

رسالة الى الشهيد الحلو ( أبو ظفر ) .!!

صديقي العزيز الشهيد الوسيم، والحلو ( أبو ظفر) …
صحيح اني لم أتشرف بمعرفتك من قبل، وربما لم نلتق ايضاً، لكنني مؤمن، ومعجب ايضاً بالحكمة التي تقول : رب أخ لك لم تلده أمك!! فرحتً – ومن شدَّة إعجابي بها – أنسج حكمة على منوالها تقول :-
ربَّ صديق لك لم تره من قبل!!
هذا إذا افترضنا بأننا لم نتعارف، ولم نلتق من قبل قط، ولكن، من يقول ذلك؟ بخاصة وقد كنا نعيش في زمن متقارب، وفي دائرة فكرية واحدة ناهيك عن ان أغلب أصحابنا مشتركون، حيث يعرف بعضهم البعض، فمن يضمن، إننا لم نسهريوماً في بيت أحد هؤلاء الأصدقاء، أو ربما نحضرمعاً عرس واحد من رفاقنا الأعزاء، قبل أن تحل نكبة (الجَّبحة) اللاوطنية – هكذا كان يسميها الراحل الكبيبر أبو كاطع – فيخرَب كل شيء، ومن سيقنعني، بأننا لم نشترك سوية بواحد من احتفالات ميلاد الحزب الشيوعي في ذلك الزمن الباهر والمضيء، رغم قسوة الظلام؟ ومن يجزم- يا أبا ظفر- بأني لم أرك، أوتراني في أحد مقرات الحزب، وكيف لاتتوقع مثلاً، بأننا التقينا يوماً في بناية ( طريق الشعب ) بشارع السعدون، او ربما اشتركنا معاً بسفرة طلابية، او شبيبية، أوعمالية من تلك السفرات التي لم يزل طعمها الحلو تحت اللسان، رغم كل مرارات الفجيعة المتواصلة عاماً بعد عام؟!
يراودني الإعتقاد مرات، ومرات، بأننا التقينا من قبل كثيراً، وإذا كان – ومن سوء حظي – أن اسم الدكتور(محمد بشيشي الظوالم) لم يمرعليَّ من قبل، لأنك ربما كنت تستخدم إسمك الحزبي بدلاً عنه، حتى ضاع علينا الأسم الأصلي، فمن المؤكد أن اسمي الأصلي قد قد مرَّعليك اكثر من مرة، ويقيناً أني لا أقصد تعظيماً لنفسي، أو تفخيماً لأسمي، فأجعله شهيراً، بقدر ما أردت أن أقول، بأننا – نحن الشعراء والفنانين – كنا، وكما قال الشهيد أبو سرحان ( مشتهرين شهيرة الله واكبر )!!
بحيث لم تنفع، ولم تمشِ ( أسماؤنا الحزبية)، بل ولم يكن أحد يهتم بها، أو يخاطبنا بها، حتى أذكر، بأن مسؤولي الحزبي قدمني يوماً لضيف كبيرقادم من اللجنة المركزية، بإسمي الحزبي قائلاً :- أقدم لك الرفيق عبد الأمير- وقد كان هذا هو اسمي الحزبي آنذاك – فأبتسم ذلك الرفيق الكبيروقال : اهلاً بالرفيق عبد الأمير الدراجي!!
إذاً سأسميك صديقي، وسأفخر بذلك، حتى وأن كانت هذه الصداقة من طرف واحد، فمن لايفخربصداقة ( نصير باسل) وبطل مثلك، لم يكتف بحمل ( السماعة وأدوات التطبيب ) بل حمل معها السلاح، حتى تعدى في ذلك حدودها فقفزبروعته وفرادته وتميزه نحوأبدية وخلود الشهادة.
لا أخفي عليك، فحين أرسلت (بلقيسك، وأم ظفرك، ويسارك) صورتك لي، قفزت كالملدوغ حين رأيتها وصحت من دون شعور، ولا ادراك : – هذا الرجل أعرفه بالعباس، فقد رأيته، رأيته كثيراً من قبل، ولكن أين أين يافالح، ثم سرعان ما توقفت، حين تذكرت بأني لم أرك شخصياً، لكنني رأيت صورتك بصورآلاف الشهداء، فالشهداء متشابهون جميعاً.
عزيزي أبا ظفر:في يومكم – يوم الشهيد الشيوعي- أحييك وأحيي معك عشرات الآلآف من شهداء الحزب الشيوعي العظيم مبتدءاً هذه التحية بفهد الفهود ورفيقيه الأسدين بسيم والشبيبي، لتمربعدها تحيتي عبقةً، وعطرة على قوافل الدم الطاهر، الدم الذي لم ينقطع حتى هذه الساعة!
قد يستغرب البعض، حين يراني أكتب رسالة لك، وأنت الشهيد الذي مضى على غيابه اكثرمن ثلاثة وعشرين عاماً وخمسة اشهر، دون أن تعود لبيتك، وبلقيسك، ورفاقك، (وسماوتك)، وربما سُأتهَّم بالجنون لو عَرفَ هذا البعض، كم أنا واثق من أنك ستقرأ يوماً رسالتي هذه، وكم أنا متيقن بأنك سترد على هذه الرسالة أيضاً؟
ولك أن تقدريا أبا ظفرحجم الدهشة والإستغراب، حين يعرف الآخرون بأن الشهيد الذي أكتب له هذه الرسالة، ليس مثل كل الشهداء، بخاصة وإنه فقد في ظرف قتالي غامض ومبهم، لم تتحدد ملامحه بعد، ولم تتأكد نتائجه المادية، والنهائية حتى هذه اللحظة!!
فلا جثمان له، ولا قبر يضم جسده، ولا شارع يحمل إسمه، فمن ياترى سيستلم هذه الرسالة، وعلى أي عنوان ستذهب، وكيف ستمضي؟!
بخاصة وإن النصير الوحيد الناجي من مقاتلي ( مفرزة الطريق ) التي تعرضت لذلك الكمين العسكري الفاشي، لم يفد بشيء يخدم التحقيق، ولا حتى بمعلومة تستحق التوثيق، فمجمل الذي ذكره ذلك المقاتل يشير الى أن عناصرالمفرزة السبعة بما فيهم أنت، قد أستشهدوا جميعاً هناك.
عدا ذلك لم يقل شيئاً يمكن الإستفادة منه للإستدلال على مصيرالمفرزة ولا عن قتلى العدو وخسائره، أو عدد أفراد ذلك الكمين، وأظن بأن قوة الحدث وشدة المفاجأة، قد هشمَّت (صندوق الأسود) لذاكرة ذلك المقاتل ، فأضاعت الكثيرمن المعلومات التي قد يساوي وزنها ذهباً، مما فتح الباب الواسع على مصراعيه أمام الأعداء والأصدقاء ليدلو كل بدلوه، فلا قياس لدينا، ولا مقياس يمكن أن تقاس عليه المعلومات اليوم، سوى معلومة واحدة هنا تقول أن ( الدكتورأبا ظفر ) قد جرح وأسر، ونقل من زاخو الى الموصل، أو ربما نقل الى كركوك، وثمة معلومة تقول، أن السلطات البعثية قد استدعت يوماً اخ الشهيد أبي ظفر، فغاب لفترة محدودة ثم عاد حزيناً محطماً، ليمُت بعدها صامتاً، دون ان يفيد بشيء عن سبب غيابه، ولاعن سبب حزنه المفجع، وهل أن هذا الشقيق قد رأى شيئاً مؤلماً عنك لدى هذه السلطات، أو أن أمراً معيناً قد عرفه عنك فأجبرعلى كتمانه مثلاً؟!
وعدا هذا وذاك، فإن كل ماقيل ويقال من اخبار، وروايات يظل محض توقعات، وقصص منتجة عن مخيلات مُحبة، او كارهة لك ولحزبك، ولشعبك الصبور، وثق – يا أبا ظفر – بأننا ماكنا سنتعرف على طولك الباسق، ولا على وسامتك المبهرة، وقيافتك المهيبة، وأناقتك المتزنة، ولا على خفة ظلك، وحلاوة دمك، ومرحك ( وأنت تستجيب رقصاً ) مع أيقاعات حمودي شربة، في تلك الجبال الموحشة من ليل كردستان الطويل، ولاعرفنا بسخريتك اللاذعة رغم إنضباطك الحزبي الحديدي، ولا يمكن لنا ان نتعرف قط على ألتزامك العسكري المثيرللدهشة وأنت تؤدي التحية لآمرالسرية في معسكرالتدريب، ولا عرفنا أنك ورغم كل ذلك الألتزام والهيبة، وظلال (وظيفة الطبيب الموقرَّة) كنت تناجي بكل علانية حبيبتك أم ظفر،حتى تكاد تبكي شوقاً لها، ولا كنا سنتعرف على تلك اللمسات الغنساني التي مسحت فيها على أجساد الطفال المرضى في اليمن، وأنت تقبع بجوارالربع الخالي (وما أدراك ماالربع الخالي)؟ أقول وقسماً بعينيك، ما كنا سنعرف فيك كل هذه الأفياء الطيبة، ولا أكتشفنا لنا – وللأجيال القادمة – كل هذه الينابيع الفراتية العذبة، لولا بساتين الوفاء، والحب، والمودة الجميلة التي زرعها في طريقنا اليك، رفاق دربك ومحبونقائك وأبناء طينتك الفريدة، مثل الكتاب، والأنصار داود أمين ( ابو نهران)، وحاكم كريم عطيه، وابراهيم معروف، فضلاً عن ما قاله عنك الرفيق المناضل جاسم الحلوائي ( أبو شروق ) وغيره من المناضلين الأصلاء، ناهيك عن تلك الإستذكارات الحميمية التي أدمنت عليها عقيلتك النجيبة، والوفية بلقيس الربيعي وهي تناجيك في نهاية كل أيلول، بعد أن ناجتك، وتناجيك مثل حمامة دوح في كل شهر، وكل يوم، بل وفي كل رمشة عين حتى ضربت بمحبتك رقماً قياسياً، فتقدمت بحبها وصبرها، وأملها على الكثير من العشاق الصابرين، والمحبين المتأملين، والمنتظرين أيضاً، وثق بي يا أبا ظفر، لو قلت لك بأن جمال ونبل حزن بلقيس، يأخذنا عنوة ومروءة في نهاية كل ايلول – حيث هو موعد غيابك – لنمضي معها طائعين، ولنغني لعينيك، مع باهرة الغناء الملائكي، سيدة الصباح الجليلة فيروز، حين تشدو لحبيبها الذي يذكرَّها به سقوط الأوراق الخريفية في شهرايلول، فتقول له :
ورُئه ( أي ورُقه ) الأصفر شهرايلول تحت الشبابيك … ذكرَّني فيك!!
ولكن : من ينساك، حتى يذكره بك ورق ايلول الواقع تحت الشبابيك؟!
ولأنك حيٌّ خالد، أكتب لك هذه الرسالة :
————————————–
صديقي العزيز أبا ظفر :- لاشك أن ثمة من يستغرب حين يعلم بأني اكتب رسالة لشخص كان قد رحل، ولم يبق منه غيرعطر الماضي، الماضي المكتنزبمحبة الناس، وخاصة الفقراء منهم، والممتليء بمودة الرفاق الأوفياء، وبإستذكارات الأصدقاء المخلصين، بحيث لم يبق منه غيرذلك الأرث النبيل من الوطنية الحقة، والمبدأية، والإنسانية، والقيم العظيمة، القيم التي تشحن ذاكرة القلوب، والأقلام فتدفعنا للكتابة عنه، لكنَّ هذا البعض الذي يستغرب، ويعجب لكتابة رسالة لشهيد راحل،
( لايقرأ ولايكتب ) نسي، أو ربما تناسى، بأن الشهداء أحياء خالدون في كل قواميس، ونواميس، وقوانين الأرض والسماء!!
ومادمتَ حياً كما يقول الله : الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، ومادمتَ لاتموت، كما يقول ابوذرالغفاري : (الشهيد وحده في الدنيا لايموت )!!
وما دمتَ خالداً الى الأبد كما يقول القاص الجزائري الطاهر وطار : – الشهداء سيعودون كل يوم، وليس في هذا الأسبوع فحسب!!
وبما أنك حي، وباق، وخالد، فهذا يعني أنك تتنفس، وتنام، وتسيقظ، وتحلم، وتحب ( ولاتكره قطعاً، فالشهداء لايكرهون قط) كما أنك مثلنا تفرح وتبكي، وتقرأ وتكتب، وتتذكر، وتستفسر، وبما أن فيك كلَّ ما في الأحياء من لوعة، وحرقة، وعذابات، فهذا يعني أنك أشتقت لبلقيس : ولكن لمن تشكو شوقك، وليس معك في غربتك (أبو نهران) ولا غيره، ليتعاطف مع شوقك الطافح، ولا ثمة بلقيسك لتستجيب لنداءات قلبك العاشق، فتذهب مسرعاً اليها في اليمن (بأجازة حب) ثم تعود لمفرزة الطريق ثانية. ومادمت يا أبا ظفر شيوعياً نقياً، فهذا يعني أنك وطني حد النخاع، ألم يقل الخالد فهد بعد أن صار شيوعياً هذا النص الفاخر : – لقد كنت وطنياً، وحين أصبحت شيوعياً، صرت أكثر وطنية!!
وبما أنك محب وعاشق ( وشهيرة بالحب مثلي)، ( ولايذاع له سر)…
فمن المؤكد انك اليوم بحاجة لوردة جميلة، وأغنية دافئة وقصيدة عذبة، فلتتدفق عليك في هذا اليوم الجميل المضيء بالأمنيات كل قصائد الحب من الشعراء العشاق، وكل أغنيات المحبة من أوتار الحب الغريدة، فأنت ومن كان مثلك جدير بوردنا، وحبنا، وشعرنا، وأغنياتنا.. …
هل تعلم يا أبا ظفر، أني كتبت لك هذه الرسالة في يوم الشهيد الشيوعي وشقيقي الشهيد البطل، والشيوعي الجميل خيون الدراجي ( أبو سلام ) يقيم بالقرب من جنان خلدك، لذا أرجو منك ان تبلغه سلامنا، ومحبتنا، وشوقنا، ودموعنا التي لاتنقطع…..
أتخيلك الآن يا أبا ظفر، تقف شامخاً في موكب الشهداء الطويل تحمل في يدك شمعة تضيء بها طريق الشهيد سلام عادل، بعد أن قلع الطغاة السفلة عينيه المحبتين للعراق، فأفقدوا منه بصره، وأتخيل معكما تمشي كل معجزات الشهادة العراقية، متوسماً في قلبك الشوق الأكبر للحزب، الذي نحرت حياتك من أجله، وكأني أسمعك تردد مع الخالد سلام عادل تلك الأغنية التي أحبها (أبو ايمان ) كثيراً، فكان يرددها بأستمرار :-
( يالرايح للحزب خذني، وبنار المعركة ذبني
بركَبتي دين أريد أوفيه … على أيام المضت عني ) …
أخيراً يا أبا ظفر :- وددت أن أقول لك : بأن قتلتك قد مضوا الى مزبلة التأريخ، بدءاً من (صدام أبن صبوحة ) وليس إنتهاء بآخركلب بعثي….
وإذا ما قررت يوماً أن تعود لنا، فأهلاً بك في بغداد، والبصرة، والحلة، وكربلاء، وأربيل، وعشرات المدن العراقية الطيبة، أما السماوة فمن المؤكد أنها ستحتفل بعرسكما- أنت وبلقيس مرة ثانية – حين تعودان لها، إذ ستجد أمامك في شوارع السماوة كل أهلك ومحبيك، ولا تتعجب لو رأيت هناك عمك الثائرالبطل شعلان ابو الجون في مقدمة الركب، مثلما ستجد في مقرحزبك بالسماوة أجيالاً من الرفاق الشيوخ والشباب، ولعل في مقدمتهم صاحبك (النصير) والشاعر الجميل اسماعيل محمد اسماعيل ومعه كل رفاقك القدامى، وربما ستجد بينهم حتى اولئك الذين ضاقت بهم السبل يوماً، فأضطروا الى النزول من جادة الطريق، لكنهم لم يخونوا راية الحزب قط، ولم يكفروا بزاده وملحه، فهل تصدق بأني كتبت لهؤلاء العائدين لبستان المحبة، والجمال نصاً غنائياً، من الحان الفنان المبدع طارق الشبلي، أقول فيه :-
ردِّينه ليَّكم حمد …. وإشعدنه غير حمود ؟
اطيور إحنه وإنتَ الأرض …. ولابد نرد أردود
أنت الأبو والأخو
وبيدر حنان ودفو
والإبن مهما أبتعد … لابد على أهله يعود
* * * *
ردِّينه ليكم حمد … ومو عيب إذا إنردلك
ما مِتنه لجَلك كََبُل … خل نحيَّا من أجلك
ونعوضَّك عالمُضَه
حُب وأغاني ورضا
والعمُر مَر وإنكَضه …. دمعة وسفر ووعود
* * * *
ردِّينه مثل السُفن …. نبجي لشواطيكم
وإسأل زراكَ البحر ….. لو خنهَّ طاريكم
ياهو اللي بيك إيخون؟
والعِشرة ذيج إتهون
إنت بوسط العيون … إن عِدنَه وإن منعود
تبقه أنت وسط الكَلب … إن عدنه أو منعود!!
—————————————————
وفاتني أن أقول لك يا أبا ظفر: أن حزبك اليوم يناضل مع قوى الشعب الوطنية والدينية والديمقراطية من أجل تحقيق أهداف شعبنا العظيم، في دحر الإرهاب وتحقيق الوحدة الوطنية الكبيرة،وإستكمال الإستقلال الوطني، وكذلك أسعاد شعبنا المضحي والصابر، وهواليوم في صدارة الموكب الوطني الشريف، وإذا ماعدت لنا فستجدنا جميعاً يا أبا ظفر، وفي المقدمة بلقيسك، وظفر، ويسار، ورفاقك القدامى، والشباب، نساءً ورجالاً وفتياناً، كما ستجدني – أنا صديقك – في هذا الكرنفال البهي، لنستقبلك جميعاً بالحب، والورد، والهلاهل، ولنغني لك، ولنا معاً :-
سنمضي سنمضي الى مانريد … وطن حر وشعب سعيد ….فمتى ؟!