الرئيسية » التاريخ » الدور السياسي للنواب الكورد في عهد الملك فيصل الاول (1921-1933)الحلقة (26)

الدور السياسي للنواب الكورد في عهد الملك فيصل الاول (1921-1933)الحلقة (26)

موقف النواب الكورد من اهم القضايا التي بت فيها مجلس النواب في اواخر عهد الملك فيصل الاول:
ان اهم قضيتين قوميتين كورديتين عراقيتين اثيرتا امام مجلس النواب في اواخر عهد الملك فيصل الاول هما موضوع اخر الانتفاضة المسلحة الاخيرة التي قام بها الشيخ محمود في مسلسل كفاحه الطويل، وموضوع ما عرف بقانون اللغات المحلية.
سبق ان اشرنا إلى ان الشيخ محمود عاد إلى سوح النضال المسلح من جديد بعد احداث السليمانية في السادس من ايلول 1930، مما تزامن مع ايام انتخابات اعضاء الدورة الثالثة لمجلس النواب، واستمرت العمليات العسكرية للقوات العراقية البرية وطائرات القوة الجوية البريطانية ضده على مدى عدة اشهر. مما وجد له اصداء واسعة على شتى الصعد الرسمية وغير الرسمية، بما في ذلك داخل اروقة مجلس النواب. ففي جلسة يوم الثامن والعشرين من اذار سنة 1931 للمجلس اثار ثمانية نواب موضوع انتفاضة الشيخ محمود باسلوب في غاية التشنج والانفعال، واصمين الشيخ بشتى النعوت والاوصاف الرخيصة، وقد بز نائب الموصل احمد الجليلي زملاءه الاخرين في ذلك اليوم حينما جعل الشيخ محمود مجرد اداة بيد البريطانيين يحركونه كما يريدون، ومتى ما يشاءون، بل طعنه في قيمه دون وجل او تردد، وبعيدا عن ابسط قواعد الذوق السليم في المناقشة اذ قال عنه ما نصه:
“اعتقد ان حوادث السليمانية ليست حوادث الشيخ محمود صديقنا القديم كما نعتته احدى الصحف، ان الشيخ محمود آلة من الآلات، ولكن آلة من الآلات المدمرة التي تستعمل بغير شرف لضرب هذا العراق… هذا الرجل الذي يستعمل كآلة لا يمكن ان نرتاح منه ما لم نقض عليه قضاء مبرما…”.
ولم يقل حماس وانفعال نائب الموصل ايضا ثابت عبد النور عن حماس وانفعال زميله احمد الجليلي فقد قال عن الشيخ محمود حرفيا: “انه رجل لا استقامة له كما ثبت في تمرده على السلطة التركية وعلى السلطة الاحتلالية البريطانية، وعلى الحكومة العراقية، فذلك مما يعين الحكومة العراقية ان تضربه الضربة القاضية”.
ان مثل هذا الكلام يسجل للشيخ محمود لا عليه، اذ يؤشر اصرار الزعيم الكوردي على مواصلة نضاله ضد سياسة الاتحاديين الشوفينية، وضد المحتلين البريطانيين في عهدي الاحتلال والانتداب حاله في ذلك حال أي وطني عربي صادق من امثال جعفر ابو التمن ومحمد رضا الشبيبي ومحمد باقر الشبيبي.
وفي الجلسة نفسها اقترح نائب الحلة سلمان البراك على اعضاء المجلس ان يسمحوا له بأن يذهب بنفسه ليقضي ببساطة على اوكار المتمردين الذين لا يحتاج وأدهم، كما اكد، الى سوى “فوج من جيشنا” والى مدة لا تتجاوز “الاربعة والعشرين ساعة” فقط مؤكدا انه على استعداد “ان يفدي بنفسه” ويتقدم على هذه القوة لانه كان واثقا، كما قال نصا، إذا “كانت القضية متعلقة بالشيخ محمود وثلثمائة مخبط فبنفخة واحدة انا اقدر ان اطردهم”، وهذا مجرد كلام مثالي متشنج يدل، دون ريب على جهل مطبق بمضامين كم كبير من الوثائق والتقارير السرية البريطانية والعراقية التي تعترف صراحة بان القوات العراقية، وقبلها القوة الجوية البريطانية بصورة خاصة لم تتوانى على مدى سنوات طوال في محاربة الشيخ محمود وانصاره، بل ان الاخيرة لجأت إلى تجربة بعض الاسلحة الجديدة ضده لاول مرة في التاريخ.
ومما يؤسف له، حقا، ان نائبا مثل نائب المنتفك زامل المناع الذي يشيد عباس العزاوي برجاحة عقله، وترويه في التعامل بوصفه رئيسا لاحدى العشائر العربية الجنوبية المهمة، قد انجرف بدوره مع التيار غير العقلاني الذي ساد جلسة ذلك اليوم لمجلس النواب حين اكد في مداخلته ان “الصلح السياسي” اجراء لا يصح اللجوء اليه مع الشيخ محمود، فاصر على استخدام القوة ضده “من اجل حملة تأديبية” لقناعته بان الحكومة العراقية “حكومة عربية مستقلة لا يمكن لاحد الرعية ان يتلاعب عليها، فهذه حكومة عربية، لو بقي واحد من العرب فيجب ان لا يفترق عنها، وملكها فيصل الشريف، لا يتقلد عرش العراق غيره” و “يجب على الحكومة ان تؤدب هذا المتمرد وهذا امر يتعلق بشرفنا، وعصيان هذا الرجل يحرك علينا غيره ما دام احد افراد الرعية يفصل هذا الفصل”.
لم يتصدى احد من النواب الكورد لكل هذا التجني الصارخ باستثناء غياث الدين النقشبندي الذي استنكر اقوال زامل المناع ضمن مداخلة جديرة بالتسجيل والتمعن اذ القى الضوء باسلوب موضوعي رصين على ابعاد كل ما اثير حول قضية الشيخ محمود وطبيعة الحكومة بتأكيده على انها حكومة عراقية قبل أي اعتبار اخر، وبأن:
“قضية الشيخ محمود (لا يمكن ان) تنتهي بحسن الادارة والتدبير قبل ان تنتهي بالضرب والتنكيل، فالحماسة والعواطف لا تفيدنا شيئا، فلا بد ان ندبر الامور بحسن الرأي قبل كل شيء، واعتقد ان الشيخ محمود ليس قائما بقصد الشقاوة، بل ربما عنده مطالب او كلام او مقصد، فلا بد ان يتفاهموا معه عن مقصده فاذا كان مقصده شريفا فيجب ان نعرف ذلك، وان كان مقصده العصيان البحت فلا بد ان يقوم عليه النفير العام، إذا كان عاصيا شقيا متمردا فيلزم قطع دابره، واذا برر موقفه فيجب ان يتفاهموا معه، وانا اكرر قولي ان الحكومة عراقية….
ومن الضروري والمفيد ان نشير إلى ان عددا من النواب والمسؤولين الاخرين تحدثوا في الجلسة نفسها باسلوب منطقي هادئ ينم عن الشعور والمسؤولية، منهم نائب بعقوبة (ديالى) عز الدين النقيب الذي تحدث بلغة غير منفعلة، بل ومرموقة خصوصا في حال مقارنتها بلغة النواب الثمانية الآنفي الذكر فقد ذكر في مداخلته قائلا:
“انا لا ادري حقيقة ما هي قضية الشيخ محمود، اهي قضية سياسية ام غير سياسية، فاذا كانت قضية سياسية فانا ارجو من الحكومة الموقرة ان تتفاهم مع هذا الرجل، ومع الاشخاص الذين معه”
اما نائب الديوانية المعروف سعد صالح فقد حدد في مداخلته المطولة نقطة في غاية الاهمية كونها تؤشر قوة الشيخ محمود الحقيقية او ما سماه القوة الخفية، التي يمثلها، ويستند اليها، اذ قال بالحرف الواحد:
“سألنا في اللجنة المالية معالي وزير الدفاع عن الثوار وعددهم وعددهم، فانكر علنا تسميتهم بالثوار زاعما انهم اشقياء، طيب سمهم اشقياء ولا تقل ثوارا، ولكن كم عدد هؤلاء الاشقياء، فأجاب ان عددهم 400 او 500، فهل هؤلاء توجد لهم قوة خفية او هذه هي قوتهم الحقيقية لا الظاهرية… اعتقد، والجميع يعتقدون ان الشيخ محمود مستند إلى قوة (غير ظاهرية)… ولاجل القضاء على الشيخ محمود (علينا) ان نفكر بطريقة سياسية نقضي به على القوة الخفية التي لا يمكن ان تقاوم بهذه القوة الضئيلة، فأما ان يعترف وزير الدفاع بأنه ليس لهذا الجيش الكفاءة… واما ان يقال ان للشيخ محمود قوة اكثر من اربعمائة او خمسمائة محارب، وهذه القوة لا يمكن ان نحاربها بقوتنا، بل تحتاج إلى اساطيل وجيوش جرارة ونحن لا نقدر عليها… فان لم نكن نقدر على الشيخ محمود فيجب ان نعطيه الاستقلال… انها ليست بقضية اربعمائة بغال (استرسوار)، بل هي قضية حياة بلاد، فاما نستطيع ان نقضي على الشيخ محمود، واما ان نعطيه حقوقه التي يطالب بها”.
يستحق موقف مزاحم أمين الباججي مما جرى في المجلس من مناقشات يوم الثاني من اذار 1931 بخصوص المشكلة الكوردية التسجيل ايضا اذ حضر الباججي جلسة ذلك اليوم بوصفه وكيلا لوزير الداخلية، فرغم بعض انتقاداته الهادئة للشيخ محمود شجب صراحة، وعلى اساس منطقي سليم ما ذكره النواب عنه، ولا سيما ما ورد في مداخلة نائب الموصل احمد الجليلي، فاكد “انه لا داعي لهذا الحماس والتهيج من قبل اعضاء (المجلس) المحترمين” وان “كلا منكم يعلم ان الشيخ محمود جرى على هذه العادة منذ مدة طويلة، من زمن الحكومة العثمانية قام ببعض الحركات، وفي ايام الاحتلال العسكري ايضا، وبعد تأليف الحكومة الوطنية لم يزل يقوم من وقت لآخر بمثل هذا العصيان والتمرد. في الحقيقة ان مثل هذا العصيان يوجد في كل دولة مهما تقدمت، فقد توجد فيها حركات كالحركات التي يقوم بها الشيخ محمود”. وفي ختام مداخلته قال الباججي:
“اما ما نوه به نائب الموصل (احمد الجليلي) من ان الشيخ محمود هو آلة بيد بعض السلطات تستعمله عندما تريد لا اعتقد ان التنويه بهذا مناسب، لاني اخشى ان تصرفات الشيخ محمود في الماضي تجعل هذه التهمة مشكوكا فيها، لانه بذاته قام ضد السلطات العثمانية وضد السلطات البريطانية وضد السلطة العراقية، فالرجل مطبوع على الثورة والعصيان”.
تتكرر الحالة نفسها بحذافيرها مع الانتفاضة البارزانية التي تزامنت بوادرها مع انتفاضة الشيخ محمود، وقد أجبرت الاخيرة الحكومة على التريث في سوق قواتها للقضاء على الانتفاضة البارزانية، إلا ان الجهات الرسمية العراقية والبريطانية نظمت في غضون ذلك حملة دعائية واسعة ضد البارزانيين وزعمائهم الذين “تخلوا عن قيمهم الاسلامية” واقاموا احتفالا خاصا بالمناسبة “تناولوا أثناءها لحم الخنزير” كما ادعت صحيفة “تايمس” اللندنية الواسعة الانتشار في مقالة مفصلة تحدثت فيها عن اثارة الموضوع نفسه داخل مجلس العموم البريطاني. وهولت الصحافة العراقية هذا الامر على نطاق واسع، وباسلوب بعيد تماما عن المنطق السليم، حتى ان صحيفة “العالم العربي” ترجمت مقالة “تايمس” الآنفة الذكر ونشرتها في مكان بارز في احد اعدادها وفي حديثه عن الانتفاضة البارزانية ابرز التقرر السنوي عن سير الادارة في العراق الذي قدمته بريطانيا إلى عصبة الامم هذا الموضوع وتحديدا. مع ذلك كله لم تجد وقائع الانتفاضة البارزانية ما يستحق من اهتمام من لدن النواب الكورد داخل اروقة مجلس النواب، مع العلم ان رئيس الوزراء ناجي شوكت قد اعترف شخصيا امام المجلس بأن الحكومة التركية اثارت مع حكومته بصورة رسمية موضوع زعماء الحركة الكوردية في تركيا الذين كانوا يجدون دوما ملجأ آمنا لهم في منطقة بارزان. يعود السبب الاساس لذلك إلى ابعاد عدد من ابرز النواب الكورد في المجلس في دورته الانتخابية الثالثة من امثال معروف جياوك واسماعيل بيك الراوندوزي. ومن الضروري ان نشير بهذا الصدد إلى ان معروف جياوك القى الضوء لاحقا على معظم جوانب الامور التي تحدثنا عنها في كتاب مستقل له اختار له اسما معبرا هو “مأساة بارزان المظلومة”.
تحدث، مع ذلك، عدد من النواب والمسؤولين في اكثر من مناسبة عن الانتفاضة البارزانية بأسلوب متعصب لم ينم، في افضل الاحوال، عن الرغبة في البحث عن اسلوب سلمي لمعالجة القضية إلا ما ندر. فان نائب كركوك، الكوردي الاصل سليان فتاح تحدث عن الانتفاضة في الجلسة الحادية والستين المنعقدة بتاريخ الثلاثين من ايار سنة 1932 على النحو الآتي:
“أظن الموقف في بارزان واضح، وقد اوضحه رئيس الورزاء من وقت لآخر بصورة لا تترك مجالا للسوء إلى من جديد. انا اعرف سبب العصيان، ان هذا الرجل وآله يريدون ان يعيشوا على الكتلة البشرية في منطقة بارزان، ولا يريدون ترك هذه السلطة والنعيم لقاء أي شيء. كانت الحكومة والادارة المدنية بأيديهم، فلو كسرنا ايديهم، وسوف نكسر ايديهم، وسوف يستريح الخلق والبشر…”
بل ذهب إلى ابعد من ذلك حين اضاف إلى قوله السابق ما يلي ” فاذا سلم الرجل فأهلا وسهلا، وليشرب من ماء الفرات، واذا لم يسلم والجيش قبض عليه بالقوة فأتمنى ان لا تصل قطعة من بدنه سالمة حتى يشرب ماء عذبا”. لم يختلف كلام النائب المنتفك زامل المناع عن ذلك كثيرا.
وفي مداخلته حول القضية نفسها، وعلى غير المتوقع تماما طالب نائب الديوانية سعد صالح صراحة بأعدام الشيخ احمد البارزاني كما الشيخ محمود. فيما تحدث وزير الدفاع جعفر العسكري في تلك الجلسة بمنطق افضل، واهدأ بكثير من جميع النواب الذين تحدثوا، اذ ورد في مداخلته ما نصه:
“انا قلبيا لا احب ان تستمر الحركات في (بارزان) ويتقاتل ابناء الوطن إلى آخر لحظة، وان شاء الله يسلم شيخ بارزان (نفسه) وان يعيش إلى ان يموت برفاه”.
يؤلف موضوع “قانون اللغات المحلية” امتدادا طبيعيا لقضية الشيخ محمود الذي كان الاعتراف بالكوردية لغة رسمية هدفا اساسيا من اهداف حركاته وغيرها من حركات الكورد القومية في تلك المرحلة. ولقد تحقق في اواخر عهد المك فيصل الاول جانب مهم من الطموح الكوردي المشروع في هذا المضمار. ورد في التقرير الذي رفعه المندوب السامي البريطاني في العراق إلى عصبة الامم سنة 1930 الآتي نصه بهذا الخصوص:
“وقد ظهر آنذاك ان الكورد إذا رأوا ان المعاهدة لا تحتوي على البنود التي تؤمن لهم بقاء امتيازاتهم فستزداد مخاوفهم، وا خير طريقة لابقاء ثقتهم هي ان تتخذ الحكومة العراقية بعض التدابير الادارية والتشريعية الممكنة، فتعمل على جعل الوضع لراهن في كوردستان على اساس دائم وقد درس المعتمد السامي هذه المشكلة مع الملك فيصل ورئيس وزرائه والمستشارين، واعد معهم التدابير التي من شأنها ان تفند مزاعم الكورد. وكانت اولى الخطوات وضع قانون لاستعمال اللغة الكوردية: ثم انشئ مكتب ترجمة في وزارة الداخلية في بغداد لترجمة القوانين والانظمة والاوامر إلى اللغة الكوردية، وجمعت المدارس الكوردية في اربيل وكركوك والسليمانية تحت إدارة مفتش واحد، وعين معاون مدير داخلية عام كوردي، وقد تم كل ذلك قبل نهاية عام 1930”.