الرئيسية » التاريخ » الدور السياسي للنواب الكورد في عهد الملك فيصل الاول (1921-1933)الحلقة (25)

الدور السياسي للنواب الكورد في عهد الملك فيصل الاول (1921-1933)الحلقة (25)

ملاحظة: نعتذر لمتابعي موقعنا وهذا الموضوع بالذات ، ان الاعداد 20 ، 22 ، 23 قد فقدت وسنقوم بنشرها  قريباً ، مع تحياتنا .

لم يختلف موقف اهل السليمانية السلبي من الوفد وبياناته عن موقف اهل كركوك واربيل، وكاد الامر ينتهي هنا إلى صدام مباشر بين الجماهير ورجال الشرطة لولا تدخل البعض، منهم معروف جياوك الذي انتقل إلى السليمانية ايضا قبل وصول الوفد اليها وهو يصف لنا الوضع هنا على النحو الاتي: “جاءت الهيئة صاحبة البيان المشترك، فازدحم الناس في باب السراي ، وساد الهرج والمرج ،وعلا الصياح ، وبدأ البعض يرمي الأحجار على نوافذ السراي، فاصدر شبير مفتش الشرطة (وهو بريطاني) ومدير الشرطة المرحوم مراد بيك اوامرهما بضرب المتجاوزين بالعصي، ولما كان هذا الاجراء سينجم عنه المصادمة بين الشرطة والاهلين فقد صعدت على منضدة عالية، وصحت بالمجتمعين ان يتركوا هذه الافعال…”.
عقد موقف الحكومة والبريطانيين الوضع في كوردستان اكثر، فبدأت مناطق عدة بمقاطعة الانتخابات، وانفجر الوضع في مدينة السليمانية يوم السادس من ايلول 1930 وذلك على اثر قيام مظاهرة جماهيرية حاشدة، كان المشتركون فيها يهتفون بسقوط الاستعمار، ويطالبون بـ “الحرية والاستقلال الحقيقي”.
وحسب رواية صحيفة “خه بات” (النضال) الناطقة باسم “الحزب الديمقراطي الكوردستاني” حاول بعض المتطرفين رفع شعارات معادية للعرب، إلا ان قيادة المظاهرة حالت دون ذلك، ولا سيما الشاعر القومي التقدمي المعروف فائق بيشكه سي الذي كان يقدر، مثل غيره من الواعين الكورد، ان “مسؤولية تخلف شعبهم، وحرمانهم من حقوقهم، وتقسيم وطنهم” تقع “على عاتق المستعمر لا الشعب العربي او غيره من الشعوب” كما عبر عن ذلك الاديب الكوردي محرم محمد امين.
لم تتعامل السلطات المسؤولة بحكمة مع احداث السليمانية، فانها لجأت إلى استخدام القوة-الشرطة والجيش لتفريق المتظاهرين، مما اسفر عن قتل وجرح عدد كبير واعتقال عدد اكبر منهم وتسفيرهم إلى كركوك. تختلف المصادر في تقدير خسائر الطرفين في ذلك اليوم فان البيان الرسمي الذي تأخر نشره على مدى خمسة ايام، قدر خسائر الجيش بجندي قتيل وثلاث جنود جرحى، وخسائر المتظاهرين بثلاثة عشر قتيلا وثلاثة وعشرين جريحا، واعتقال “نحو المائة” إلى يوم اعداد البيان، بينهم احد عشر من ابرز وجوه الكورد من امثال الشيخ قادر شقيق الشيخ محمود، وتوفيق قزاز عم سعيد قزاز واثنين من زعماء البابان هما عزمي بيك وفائق بيك، ونائبا السليمانية محمد صالح وعزت بيك عثمان باشا وغيرهما فيما تقدر مصادر اخرى خسائر الجانب الكوردي البشرية بخمسة وعشرين إلى خمسة واربعين قتيلا، وحوالي مائتي جريح.
اثارت احداث السليمانية الدموية ردود فعل واسعة لدى الرأي العام الكوردي، فان الشخصية النسائية المعروفة على نطاق واسع حفصة النقيب بعثت في السابع من ايلول، أي بعد مرور يوم واحد فقط على قمع الانتفاضة برقية احتجاج إلى عصبة الامم التي تلقت سلسلة اخرى من برقيات وعرائض الاحتجاج الكوردية التي استمرت تنهال بطردهم على مقر العصبة في جنيف على مدى اشهر عدة.
انتقل الاستياء إلى صفوف الضباط الكورد ايضا، فان ثلاثة منهم وهم كل من الرئيس الاول محمود جودت والملازم الاول حميد جودت والملازم الثاني كامل حسن التحقوا مساء السابع على الثامن من ايلول 1930 بالشيخ محمود، فاصدرت وزارة الدفاع في الحادي عشر منه امرا يقضي بالقبض عليهم، ثم صدرت ارادة ملكية بطرهم من الجيش.
تعد عودة الشيخ محمود إلى سوح الكفاح المسلح من جديد اهم نتيجة سياسية تمخضت عن انتفاضة السادس من ايلول، لتدخل حركاته بذلك مرحلة جديدة كانت حاسمة في ظروف ابرام المعاهدة الجديدة، واستغرقت عملية القضاء عليها اشهرا عدة، لم تستخدم القوة الجوية البريطانية في خضمها في أي مكان من المستعمرات الشاسعة بزخم ما استخدمت في كوردستان إلى ذلك الحين، وذلك باعتراف كم كبير من الوثائق البريطانية السرية، ولقد وجدت حركات الشيخ محمود تلك اصداء واسعة لدى الرأي العام العراقي الرسمي والشعبي، بما في ذلك داخل اروقة مجلس النواب في دروته الانتخابية الثالثة.

النـواب الكورد فـي الـدورة الانتخابيـة الثالثـة لمجلـس النـواب:
بعد انتهاء الانتخابات افتتح الملك فيصل الاول المجلس الجديد يوم الاول من تشرين الثاني عام 1930 في بناية جامعة آل البيت في الاعظمية التي كانت إلى ذلك الحين تقع، مثل الكاظمية، خارج حدود بغداد، فاجرت وزارة الداخلية تغييرا اداريا لحدود بغداد الادارية بحيث اصبحت الاعظمية من ضمنها ذلك لان الدستور كان ينص على ان يعقد المجلس اجتماعاته في العاصمة.
دخل المجلس في دورته الجديدة 14 نائبا كورديا من مجموع 88 نائبا، وكان توزيعهم على النحو الآتي:
خمسة نواب من اربيل كلهم من الكورد، وهم كل من ابراهيم يوسف وداود الحيدري وعلي الدوغره مجي ومعروف داود وصلاح بابان، وبعد مرور نيف وسنة على افتتاح المجلس اضطر صلاح بابان إلى التخلي عن عضويته في المجلس بسبب تعيينه في وظيفة ادارية حالت دون بقائه نائبا بحكم الدستور، فرشح محمد امين زكي في كانون الثاني 1932 ليحل محله نائبا عن اربيل خلال المدة المتبقية من اعمال المجلس في دروته الجديدة.
ومثل السليمانية في الدورة الثالثة للمجلس اربعة نواب كلهم من الكورد ايضا، وهم كل من احمد صالح واحمد مختار جاف ومحمد صالح محمد علي وسيف الله خندان، فيما مثل كركوك نائبان كورديان من اصل اربعة نواب، هما الشيخ حبيب الطالباني وسليمان فتاح، ومثل نائبان كورديان ايضا المناطق الكوردية في لواء الموصل من اصل اربعة عشر نائبا هما جمال بابان وغياث الدن النقشبندي، اما عن لواء ديالى فدخل نائب كوردي واحد المجلس من اصل اربعة نواب، هو بهاء الدين النقشبندي.
قبل كل شئ نود ان نشير إلى ان هناك تراجعا نوعيا، لا كميا، في الوجود الكوردي في الدورة الانتخابية الثالثة لمجلس النواب الذي ابعد عنه عدد من ابرز النواب المعروفين بمشاعرهم القومية الليبرالية من امثال معروف جياوك الذي كان عضوا محركا لمناقشات المجلس في دورته الثانية، ويلتقي في طروحاته مع المعارضة إلى حد كبير كما لاحظنا ذلك بوضوح ضمن مباحث الفصل السابع في هذه الرسالة، الامر الذي يعد السبب الرئيسي لعدم انتخابه للدورة الجديدة. ومن المفيد ان نشير إلى ان جياووك ادان صراحة كيفية انتخاب النواب الجدد ومواقفهم.
وللسبب نفسه ابعد النائبان المعروفان اسماعيل الرواندوزي، ممثل اربيل، ومحمد الجاف، ممثل كركوك عن المجلس الجديد، وكانا ضمن النواب الستة الذين قدموا المذكرة الخاصة لحقوق الكورد القومية إلى الملك فيصل الاول مع صورة منها إلى المندوب السامي البريطاني كما تحدثنا عن ذلك في حينه.
وانعكس هذا التراجع النوعي للوجود الكوردي في المجلس في دورته الانتخابية الثالثة بقوة على مداخلات النواب الكورد كما ونوعا طوال جلسات المجلس الجديد، الاعتيادية منها وغير الاعتيادية. ففي الواقع طرأ تغيير واضح على الخطاب السياسي، ومواقف العدد القليل من النواب الكورد الذين اعيد انتخابهم للدورة الثالثة لاكثر من سبب، منهم جمال بابان احد الموقعين على المذكرة السالفة الذكر، والذي اصبح يمثل لواء الموصل بدل اربيل في المجلس الجديد، فقد تمكن نوري السعيد من كسبه بضمه إلى وزارته التي شغل بابان فيها حقيبة العدلية، وحل في المجلس محله زميله نائب الموصل حازم شمدين اغا الذي كان بدوره احد الموقعين على المذكرة المذكورة. وبالمناسبة نود ان نشير إلى ان اثنين من الموقعين على تلك المذكرة اعيد ايضا انتخابهما وهما نائب السليمانية محمد صالح محمد علي وسيف الله خندان اللذان كانا من اكثر النواب غيابا، ومن اقلهم تحدثا ومداخلة في الدورة السابقة، كما في الدورات اللاحقة للمجلس، بما فيها الدورة الثالثة.
ينطبق هذا القول على ابرز النواب الكورد الذين دخلوا المجلس لاول مرة في دورته الانتخابية الثالثة منهم نائب اربيل صلاح بابان (1895-1950)، وهو النجل الاكبر لرستم لامع بابان، وشقيق البرلماني والوزير المعروف جلال بابان، الذي، تخلى عن عضويته في المجلس بسبب تعيينه في وظيفة معاون مدير عام في مديرية البريد والبرق العامة، وفي اثناء وجوده في المجلس لمدة نيف وسنة كاملة لم نعثر له على موقف متميز، او مداخلة برلمانية واحدة تعبر عن حرصه على اثارة المشكلات الكثيرة التي كانت المنطقة الكوردية تعاني منها، او تنم عن مشاعر قومية واضحة المعالم، ويتكرر الشئ نفسه في حياته السياسية بما في ذلك نيابته الثانية التي تزامنت مع الدورة الانتخابية العاشرة للمجلس (9 تشرين الاول 1943-31 آيار 1946) وقد مثل لواء الكوت فيها، ونيابته الثالثة التي تزامنت مع الدورة الانتخابية الحادية عشر للمجلس (17 آذار 1947-22 شباط 1948) وقد مثل فيها لواء ديالى هذه المرة.
يستثنى من هذا الامر محمد امين زكي الذي مثل اربيل في المجلس منذ كانون الثاني عام 1932، واحتفظ بمقعده حتى انتهاء مدة الدورة الانتخابية الثالثة، فهو لم يحد عن نهجه المعروف عنه، وعن مداخلاته البرلمانية المتميزة كما نبين ذلك فيما بعد. ومن الضروري ان نشير إلى ان هذا الواقع يعد السبب الاول لما اصاب الرأي العام الكوردي من خيبة واضحة فيما علقه من آمال على السلطة التشريعية، والنواب الكورد تحديدا، الامر الذي عكس بوضوح في موقف صحيفة “زيان” ومتابعاتها المستمرة لما كان يجري داخل اروقة مجلس النواب طوال دورته الانتخابية الثانية، فيما انها بدأت تتابع اعمال المجلس في دورته الانتخابية الثالثة بصورة عرضية للغاية. وردت في دراسة مرموقة باللغة الكوردية ما نصه بهذا الخصوص:
“ان صحيفة زيان التي كانت تتحدث بحرارة عن اخبار انتخابات الدورتين الاولى والثانية (للمجلس)، بدأت تنشر اخبار الدورات الاخرى باختصار، وتوليها اهتماما باهتا ربما لان القيمين عليها رأوا ان المجلس لا يؤلف المؤسسة التي تستحق ما علقوا عليها من آمال جسام”.
تعد الدورة الانتخابية الثالثة وبغض النظر عن مواقف النواب الكورد من اهم الدورات المجلس في العهد الملكي لان اروقته شهدت في اثنائها مناقشات حامية بخصوص التصديق على المعاهدة العراقية-البريطانية الجديدة، وقضايا اخرى جوهرية كان يعتمد على حلها الغاء الانتداب البريطاني المفروض على العراق ودخوله في عصبة الامم.
سيطر موضوع تصديق المعاهدة على الساحة السياسية في طول البلاد وعرضها، واتخذ نوري السعيد جميع الاجراءات الضرورية لضمان تحقيق ذلك في افضل وجه ممكن، ومن دون اثارة ضجة وقلاقل واسعة سواء داخل المجلس، ام على صعيد الشارع العراقي خارجه، فقبل عرض المعاهدة على البرلمان للتصويت عليها اجتمع باعضاء حزبه “حزب العهد” ليعطيهم “التوجيهات الضرورية لتأييد المعاهدة” على حد تعبير “العالم العربي”. اما على صعيد الشارع فان الحكومة نشرت دوريات الشرطة في الطرق العامة والمناطق الحساسة داخل العاصمة حيث شوهدت “السيارات العسكرية وفيها الرشاشات واقفة عند باب المعظم”.
وبعد عودته من جولته الخارجية التي شملت كلا من فرنسا وبريطانيا والمانيا وايطاليا افتتح الملك فيصل الاول مجلس الامة في دورته الانتخابية الثالثة يوم الاول من تشرين الثاني 1930، وكان خطاب العرش الذي القاه بالمناسبة من افضل خطبه البرلمانية، وقد ركز فيه على ضرورة قيام المجلس “بواجبه في التصديق” على المعاهدة العراقية-البريطانية بعد ان اطلع اعضاؤه على نصها “منذ امد بعيد” فيهيئوا للبلاد بعملهم هذا “دورا هادئا وسعيدا هي احوج ما تكون اليه في مرحلتها الحاضرة”. وبعد ان تحدث عن صلات العراق “مع البلاد المجاورة” والتي غدت “على غاية ما يكون من المودة والولاء” تطرق الملك إلى “الضائقة الاقتصادية المستحكمة بالعالم” التي انتابت العراق “على صورة لا نتذكر لها مثيلا في السنين الغابرة” وكرس لهذا الموضوع الجانب الاكبر من خطابه الذي اولى فيه الثروة النفطية في البلاد واستغلالها اهتماما خاصا ايضا، واقر بان الشركات الاجنبية “اجحفت بحق المملكة”، معبرا عن ثقته بحل “هذا الامر في القريب العاجل على وجه يزيل ما لحق بهذه المملكة من اجحاف” اذ “لا يسع المرء مهما كان صبورا ان يرى الماء امامه ويصبر على ظمئه مدة طويلة ولنتذكر اننا نحن، لا غيرنا، اصحاب هذه الخزائن التي لا تزال مدفونة، وليس من الحزم مهما كانت البواعث والضرورات في الوقت الحاضر ان نفرط مرة ثانية بما لنا من حق في هذه القضية”.
اختتم الملك خطابه بالقول “علينا ان نجاهد كغيرنا، ولنا في مواردنا الغنية، وعزائم ابنائنا امل عظيم للتغلب على هذه المصاعب، فالى العمل والتعاضد ادعوكم يا ممثلي الامة وانتم احرى من يلبي دعوة كهذه لصالح البلاد”.
كان غياث الدين النقشبندي هو النائب الكوردي الوحيد الذي اشترك في مناقشة خطاب العرش باسلوب يلتقي فيه مع طروحات المعارضة، فقد اثار موضوع الضمانات التي اعطتها عصبة الامم للعراق، وطلب توضيح ماهيتها، وتوقف بصورة خاصة عند مسألة الأزمة الاقتصادية التي اشار اليها الملك في خطابه، فابدى رأيا تجاوز فيه ما هو معروف عن قناعات رجل دين صوفي حين قال: “ان علاج الأزمة الاقتصادية لم نعرف عنه شيئا، وفي أي وجه سيكون هذا العلاج، وفي أي وقت… اود ان تكون الاسباب التي تتخذها الحكومة لمعالجة الازمة صريحة، او إذا ما تركناها وشأن التطور الطبيعي فهذا شيء اخر”.
وفي السياق نفسه تطرق النائب إلى العلاقات مع تركيا، واكد ضرورة ان يكون الاتفاق معها بشكل يضمن مصالح اصحاب الاغنام في المناطق الكوردية الذين كانت “حياتهم متوقفة” إلى حد كبير على مراعيهم التي كانت داخل حدود تركيا. وجاءت اجابات نوري السعيد، رئيس الوزراء، على استفسارات النائب النقشبندي مقتضبة يكتنفها الغموض. يجسد التصويت على لائحة قانون المعاهدة العراقية – البريطانية لعام 1930 جميع ابعاد الموقف السياسي للنواب الكورد في الدورة الانتخابية الثالثة للمجلس بصورة لا لبس فيها، فبأستثناء نائب الموصل غياث الدين النقشبندي صوت جميع النواب الكورد الآخرين دون استثناء لصالح المعاهدة، بل ان اياً منهم لم يغب عن الجلسة التي تم فيها التصديق على المعاهدة، فغدوا، باستثناء النقشبندي، ضمن النواب التسعة والستين الذين ايدوها. اما غياث الدين النقشبندي فكان احد ابرز النواب الذين انتقدوا مضمون المعاهدة الجديدة باسلوب منطقي رصين، وبلغة رفيعة المستوى، وهو لم يحد عن نهجه هذا طوال اواخر عهد الملك فيصل الاول بالنسبة لمعظم القضايا التي اثيرت داخل اروقة مجلس النواب.