الرئيسية » مقالات » جرائم الشرف في إقليم كردستان:من يذكر ما حصل للفتاة دعاء خليل أسود؟

جرائم الشرف في إقليم كردستان:من يذكر ما حصل للفتاة دعاء خليل أسود؟

في بدايات القرن العشرين حينما جاء المستشرقون الأوروبيون إلى كردستان العراق، إكتشفوا أن للمرأة مكانة متميزة في المجتمع الكردي. ووفقاً للمستشرق الشهير مينورسكي يعتبر الكرد من أكثر شعوب المنطقة تفتحاً وتفهماً للمرأة ومكانتها وحقوقها. ورغم المكانة الجميلة للمرأة في ظل حكومة إقليم كردستان العراق الفدرالي، ودورها الريادي في خدمة المجتمع والمشاركة الفعالة على جميع المستويات والمناحي، وتحولها من أنثى مقاتلة وسجينة مطبخ ومنزل، إلى وزيرة ونائبة في البرلمان وأكثر من ذلك، إلا أننا نجد أن المرأة الكردية ما زالت تعيش بين أنقاض الإرث العشائري والقبلي، وتدفع ضريبة ثقافة التبعية والخضوع للرجل، في ظل مجتمع شرقي قد يقبل لها الملبس والأكل والعمل بحرية، لكن تظل في النهاية مساحات تلك الحرية الفردية والإجتماعية ناقصة، ومراقبة بقيود وعادات وأعراف كردية تفوح منها رائحة العقلية العشائرية، التي هي فوق قوانين الحرية وحقوق الإنسان وكينونة المرأة ككائن حر ومستقل.. لها حقوق كما للرجل.
ظاهرة خطيرة تصل إلى أبعد من حدود الجريمة ترتكب بحق المرأة الكردية، ألا وهي ظاهرة العنف ضدها بكل أشكاله وألوانه وصنوفه: (الضرب ـ الحرق ـ القتل ـ التعذيب الجسدي والنفسي ـ التبعية القسرية ـ السب والشتم ـ الزواج القسري ـ الخطف ـ التحريض على الزواج ـ الإبعاد القسري عن الدراسة ـ فرض رقابة على الملبس والإختلاط الإجتماعي ـ توجيهها نحو الإنتحار……. الخ).
رغم أن حكومة إقليم كردستان فتحت للمرأة أبواب الحرية للمشاركة إلى جانب الرجل في الحياة كفرد فعال ومحوري، ولو بهوامش من الحرية القريبة من أطياف المساواة والعدالة الإجتماعية والإنسانية، فالمرأة الكردية تشارك في حكومة الإقليم بثلاث حقائب وزارية من أصل (42) حقيبة، كما تشغل (28) مقعدا من مقاعد البرلمان البالغ عددها (111) مقعدا.
إن ما يعكر هذه الفضاءات التي تحظى بها المرأة الكردية هو طغيان جرائم العنف الكثيرة وشبه اليومية بحقها تحت ما يسمى بـ”غسل العار” أو “جرائم الشرف”، في ظل منطق عشائري وتخلف اجتماعي بقي معششاً بسبب الإستبداد، وتحول المجتمع الكردي إلى حالة الدفاع والثورة لأجل البقاء والحقوق، على حساب تطوير وتوعية الأسرة التي تعتبر البيئة الأولى لخلق جيل واع وحضاري ومنفتح. هذه البيئة القبلية هي نتيجة حتمية لرقابات النظام السابق على كل ماهو في مصلحة الشعب الكردي، لتظل البيئة الكردية تمتطي صهوة قانون القبيلة، وليعتقد الكثيرون أن الشرف هي المرأة فقط، وأن في قتلها أو معاقبتها سواء أخطات أو لم تخطئ، وصول إلى الكمال العشائري والحظوة لدى رجالات القبيلة، والوصول الروحي والإجتماعي إلى الشرف المقدس، حينها تصل رقابهم إلى السماء في فخر إسطوري، كأنه بطل من هذا الزمان، وأنه قد بلغ حالة الذكورية والرجولة المخضبة بدم إمرأة في نظر القبيلة آثمة ومذنبة؟؟!!
النساء اللواتي يتعرضن إلى العنف تتراوح أعمارهن بين 18 ـ 13 عاما، وهذا العنف تزداد وتيرته صعودا زمنيا ومكانيا ليتحول إلى ظاهرة وحالة وجريمة تغطي جميع المدن الكردية (كركوك ـ السليمانية ـ هولير ـ دهوك ـ زاخو….الخ)، في تقريرلوزارة حقوق الإنسان ضمن الحكومة الكردية والصادر في نيسان الماضي 2007 ذُكر أن “عدد النساء اللاتي إنتحرن أو قتلن خلال عام 2005 (289) إمرأة، وارتفع إلى (533) إمراة عام 2006، والضحايا المنتحرات إزدادت نسبتهن من 22% عام 2005 إلى 88% عام 2006. وارتفعت نسبة القتل من 4% عام 2005 إلى 6.34% عام 2006.
عزيز محمد وزير حقوق الإنسان في الإقليم يرى أن أعمال العنف ضد المرأة في كردستان لم تتراجع، وهي أودت بحياة 27 إمرأة خلال الأشهر الأخيرة من عام 2007، رغم اعتبار جرائم الشرف عنفا ضد المرأة، وهذه الحالات (10 في أربيل، 11 في دهوك، 6 في السليمانية)، وأن 97 إمرأة حاولن الإنتحار بحرق أنفسهن خلال الأشهر الأربعة الأخيرة بينهن(40 في أربيل، 41 في دهوك، 16 في السليمانية).
ولأجل القضاء على ظاهرة العنف ضد المرأة الكردية، والحد من جرائم القتل تحت دافع غسل العار أو الشرف، لجأت الحكومة الكردية بمؤسساتها وهيئاتها إلى إجراءات صارمة، في مقدمتها قيام برلمان كردستان بتعديلات على قانون الأحوال الشخصية لتحقيق نوع من العدالة بين المرأة والرجل في المجتمع، وعدم تخفيف العقوبة في حالة غسل العار، واعتبار جرائم الشرف مستثناة من أي عفو عام قد يصدر. وكانت الحكومة الكردية قد أصدرت خلال آب / أغسطس من عام 2002 القانون رقم 14 الذي ينص على: “لايعتبر ارتكاب جريمة تستهدف المرأة بذريعة دوافع الشرف تبريرا قانونيا مخففا لأغراض تطبيق القواعد 128 ـ 130 ـ 131 من قانون العقوبات العراقي رقم 11 لعام 1969” والذي كان يستثني القتل دفاعا عن الشرف من عقوبة السجن والإعدام، حيث يسجن القاتل لمدة لاتتجاوز ستة أشهر، وفي الأغلب يطلق سراحه دون عقاب؟؟؟
كما قامت الحكومة بتشكيل لجنة متابعة “اللجنة العليا للحد من العنف ضد المرأة”، إضافة إلى لجان أخرى في وزارات الأوقاف والتربية والداخلية والعدل لمواجهة هذه الظاهرة، وتقوم المساجد بدور توعية المواطنين.
إلا أن النائبة سوزان شهاب تنتقد الإجراءات وتعتبرها ناقصة، وترى أن العنف ضد المرأة يعود إلى غياب القانون، كون السلطة التنفيذية لا تمارس صلاحياتها وهي تركت هذه الأمورللسلطة العشائرية، أو الصلح والفدية، وأعطاء إمرأة أخرى مقابل أية مشكلة بين عائلتين أو عشيرتين.
جمعيات الدفاع عن حقوق المرأة تؤكد أن اليأس هو الذي يدفع بالعشرات من النساء إلى حرق أنفسهن، هربا من قسوة التقاليد والأعراف القبلية القديمة، وقتل النساء في الماضي كان يخضع للتعتيم والكتمان خوفا من الفضيحة، لكن نظرا لوجود الصحافة الحرة والأنترنت ومنظمات المجتمع المدني، بات يجري تناقل هذه الأمور بسرعة.
اتحاد نساء كردستان في السليمانية يحذر من تصاعد العنف ضد المرأة، وأعلن عن تسجيل 83 حالة حرق خلال الأشهر الأولى من عام 2006، و95 حالة في النصف الأول من عام 2007.
الرئيس مسعود برزاني دعا في تموز/ يوليو 2007، وخلال لقائه بعدد من المنظمات النسائية الناشطة في الإقليم، إلى لعب دور أكبر في توعية الأهالي للقضاء على ظاهرة العنف ضد المرأة: “يجب الوقوف عند أسباب زيادة ظاهرة ما يعرف بجرائم الشرف في مختلف أنحاء الإقليم، وليس معالجة كل حادثة بشكل فردي عند حدوثها”.
بخشان زنكنة رئيسة لجنة المرأة في البرلمان الكردي، ترى أن وتيرة أعمال العنف ضد المرأة تزداد وتأمل أن تحصل المرأة في الإقليم على تقدير واهتمام، بعدما تطور وضعها في مجالات عديدة على الصعيد الإقتصادي والإجتماعي والدراسي، وباتت تساهم في اتخاذ القرار، ولو بمستويات ليست عالية. أما جنان قاسم وزيرة الدولة لشؤون المرأة فتشعر بإستياء مما يجري، وتجد أن هناك عوائق تحول دون عقاب القاتل، منها قيام العشيرة والأسرة بالتغطية وعدم الإبلاغ بسبب الخوف من الفضيحة، وترى أن الدين الإسلامي وضع شروطا واضحة لتطبيق حد الزنا، ولا يمكن لأحد أن يقتل على أساس الشك، أو التكهن.. فهذا حرام شرعاً.
وللصحافة وجهة نظرها في موضوعنا، فالصحافية جيمن صالح رئيسة تحرير موقع كردستان اونلاين في أربيل تقول: “تصلنا اسبوعيا نحو 15 حالة عن تعرض نساء إلى عمليات قتل أو حرق وأقارب الضحايا يعتبرون أن الأمر قضاء وقدر، وذلك جراء إنفجار خزان المياه الحارة، أو موقد الطبخ، وهي إدعاءات لإبعاد المسؤولية القانونية عن أنفسهم.. إنهم يرغمون المرأة على حرق نفسها ومن ثم نقلها للمشفى بعد التأكد أنها لن تبقى حية؟!
مركز حماية المرأة العراقية في العراق يستنجد ويستغيث طالباً حلولاً عاجلة لإنقاذ المرأة من الهلاك ويوضح أنه خلال 12 عاما أقدمت (2604) إمرأة على الإنتحار في الإقليم من بينها (2095) حالة تراوحت أعمارهن بين (12 ـ 25 سنة).
الدكتورة وداد عقراوي رئيسة منظمة الدفاع الدولية في الدانمارك تعتبر كل مايجري بحق المرأة قتلا:
“ظاهرة غسل العار هو قتل علني تحت ذريعة الشرف. ونحن في المنظمات الإنسانية ضد القتل. يجب هنا التركيز على الإدعاءات والإفتراءات المتفشية التي تضلل العوائل وتشتت الشمل.
لدى منظمة الدفاع الدولية مشروع يتضمن تقديم مقترحات لحكومة اقليم كردستان يهدف للقضاء على قتل النساء. لقد شاركنا في مؤتمر المرأة الكردستانية الذي أقيم في شهر حزيران في المانيا وقدمنا ملخصا عن مشروعنا وساندت معظم المنظمات والحاضرات مشروعنا. وخلال برنامج تلفيزيوني تحدثت مع السيدة زنكنة التي أبدت تجاوبا ايجابيا لاستلام المشروع. قريبا سنرسل المشروع الى السلطات الكردية ومن ثم سننشره”.
الدكتورة منيرة آميد رئيسة مركز كلكامش للدراسات والبحوث الكردية في بريطانيا ترى أن وضع المرأة الكردية في تدهور ولهذا ازداد العنف:
الحقيقة أن أسباب تدهور وضع المرأة في كردستان يعود إلى أن جغرافيتنا غير منفصلة عما يدور حولنا.. نقصد المنطقة بأسرها.. وخاصة مع زحف قوى الظلام التي تسمي نفسها زوراً بأنها اسلامية؟؟!!
وضع المرأة شهد تراجعاً في العقود الاخيرة وهو جزء من التدهور السياسي والاقتصادي وبالتالي اجتماعي.. لانها جميعها مترابطة.. تشهدها المنطقة بشكل كامل.. وتلك اثرت على الوسط الكردي.. وخاصة مع زيادة الاضطهاد.. وتراجع مستويات التعليم، وزيادة الامية والجهل.. وانتشار روح اليأس من التغيير.
تراجع وضع المرأة في كردستان يعود الى درجات وحالات لم تشهدها المجتمعات الكردية.. فالمعروف أن المرأة الكردية لها مكانة خاصة في مجتمعها وعائلتها، وهي مشاركة للرجل في كل شيء.. كما أن الحجاب بالطريقة المتبعة حالياً لم يعرفه المجتمع الكردي الا مؤخراً. وهذا ناتج عن الإحتكاك بالشعوب الأخرى، لاضطرارهم إلى الهجرة وكذلك لثورة الاتصال. فقبل عقود قريبة، لم يكن يخرج الكردي من مجتمعه شبه المغلق الا نادراً.. بينما الأن توزع الكرد في كل أرجاء المعمورة.. إن كانت لذلك فوائد، إلا أنها تحمل بعض السلبيات.. وهي العودة بشكل غير عادي الى التقاليد والتي ربما كانت مندثرة.. كعملية طبيعية للدفاع عن النفس وعدم الانصهار في الآخر.
لقد شهدت الساحة البريطانية جريمتين بشعتين بكل تفاصيلها، تحت ستار غسل العار بينما الطريقة التي تمت فيها تلك الجرائم هي العار بنفسه.
ايرين خان الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية في كردستان تتذكر بألم ومرارة ما حصل للفتاة الإيزيدية (دعاء خليل أسود) ذات السبعة عشر ربيعا، (التي كانت على علاقة بشاب مسلم) والتي رجمت حتى الموت من قبل أكثر من عشرة رجال أمام أنظار الناس وقوات الأمن والشرطة التي إكتفت بالصمت والتفرج، وليشاهدها العالم أجمع وهي تقتل بوحشية بعد تصويرها بجهاز خليوي من قبل أحد الحضور.!!
نساء وفتيات في سجن الأعراف البالية. إنها مجتمعاتنا الشرقية التي مازالت تلبس ثوب القبلية والعشائرية، وتنظر للمرأة كقطعة أثاث أو شيئا استهلاكيا، مجتمع قانونه هو قانون شيخ العشيرة والرجل الشرقي الذي يمارس رجولته في تعذيب المرأة، وممارسة طقوس العنف والتملك الرهيبة بحقها، فمتى تنصف هذه المخلوقة الجميلة في الحياة، أم أنها ستظل أسيرة التبعية وتدفع ضريبة خلقها من ضلع آدم.
أعتقد أننا جميعا نتحمل المسؤولية، وعلينا أن نعمل لوقف العنف الأسود نحوها، وأن نبدأ من أنفسنا حتى نحظى بمجتمعات عادلة ومتساوية، بعيدا عن ثقافات الذكورية الإستعلائية المهيمنة وقوانين غابات العشائرية القبلية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *