الرئيسية » مقالات » أحذروا النوم على إكليل الغار في بغداد .. ! 2-2

أحذروا النوم على إكليل الغار في بغداد .. ! 2-2

إن الحذر المطلوب من جانب كل مكونات الشعب العراقي لا ينطلق من الوضع الداخلي وحده , بل ينطلق أيضاً من الواقع الإقليمي والدولي. فالصراعات في منطقة الشرق الأوسط ليست ناشئة عن فراغ , بل هي نتاج وجود وفعل تناقضات عميقة ومتراكمة ومتنوعة الأسباب والمصادر , بعضها متشابك مع البعض الآخر , وبعضها يعمل وكأنه مستقل عن البعض الآخر , ولكنها كلها تتفاعل مع بعضها وتؤثر في المحصلة النهائية على شعوب كل بلد من بلدان الشرق الأوسط والخليج. ولكن تأثيرها على بلد كالعراق مثلاً , الذي لا يزال ينزف دماً ويلحس دماء بناته وأبنائه يومياً , هو أكبر بكثير من تأثيرها على دول وشعوب الخليج أو السعودية.
ورغم أن النفط يشكل محوراً أساسياً ومركزياً للصراعات في المنطقة وخاصة بين الدول الصناعية السبع الكبار وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية , [ بغض النظر عن مدى قبول أو رفض البعض لهذا التقدير الذي لا يقوم على اجتهاد شخصي بل هو حصيلة لدراسة واقعية وميدانية لمشكلة النفط في العالم والشرق الأوسط ومنطقة الخليج لسنوات القرن العشرين كلها وللسنوات الأخيرة من القرن الحادي والعشرين ] , وأن تفصيلات هذا الصراع تنتقل من موقع إلى آخر وتنتج بدورها تناقضات وصراعات جديدة , فأن هناك الكثير من المسائل الأخرى التي تتسبب في تفاقم الصراعات واحتمال تحولها إلى نزاعات سياسية مسلحة. ومثل هذه التناقضات والصراعات ناشئة عن واقع التباين الكبير في المصالح والأجندات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بشكل خاص. فالصراع بين إيران والولايات المتحدة حول تخصيب اليورانيوم والسلاح النووي مثلاً , أو الصراع بين إيران ودول الخليج المبطن منه والمكشوف , أو الصراع العربي الإسرائيلي , وكجزء مركزي منه , الصراع الفلسطيني الإسرائيلي , أو الصراع من أجل الحقوق القومية للشعب الكردي في كل من إقليمي كُردستان تركيا وإيران أو في سوريا أو الصراع بين القوى الديمقراطية والعلمانية من جهة وقوى الإسلام السياسي من جهة أخرى حول طبيعة وشكل الدولة ودستورها , كلها تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على ما يجري في العراق. ولا شك في أن الصراع بين الدول الكبرى ذاتها والبدء الجديد لسباق التسلح النووي ونصب الرادارات وقواعد الصواريخ في دول أوروبا الشرقية ينعكس بشكل ملموس على الصراع الروسي والصيني من جهة والأمريكي من جهة أخرى في المنطقة , وبشكل خاص حول الموقف من إيران وسوريا ولبنان , إضافة إلى الوضع في السودان والعراق.
وفي حينها لم نكتم الرأي حول أسباب حرب التحالف الدولي الذي نسجته الولايات المتحدة في أعقاب احتلال العراق للكويت في العام 1990/1991 لتحرير الكويت , أو في أعقاب أحداث أيلول/سبتمبر عام 2001وعلاقتها بالعلاقات الدولية الجديدة حينذاك , وكذلك الحرب التي خاضتها في العراق في العام 2003 وتداعياتها الراهنة. والآن تم الاتفاق بين السيد رئيس الوزراء العراقي والسيد رئيس الإدارة الأمريكية جورج دبليو بوش على إعلان وثيقة مبادئ لم تنشر كما وردت في الوثيقة الأصلية الموقعة بينهما , بل كانت هناك إشارات من رئيس الوزراء ومن السفارة الأمريكية لتلك المبادئ لتشكل أساساً لاتفاقية طويلة الأمد بين الدولتين يجري النقاش حولها وتفاصيلها في العام 2008 , كما اعتبر رئيس الوزراء التمديد الجديد لوجود القوات الأجنبية في العراق عبر مجلس الأمن الدولي هو بمثابة آخر تمديد ولسنة واحدة فقط.
جاء في المؤتمر الصحفي الذي عقده رئيس الوزراء ما يلي : ” إن توقيع “إعلان المبادئ والنوايا” هو مقدمة لمباحثات ستجري بهدوء بين دولتين كاملتي السيادة، وجاءت بعدما جَّر النظام البائد العراق إلى قرارات دولية وإجراءات وضعت البلاد تحت طائلة البند السابع (وصاية الأمم المتحدة) والقوات المتعددة الجنسيات… وان تصرفات النظام البائد نالت من سيادة العراق وما زالت البلاد حتى اليوم تعاني منها … وأن حكومة الوحدة الوطنية جادة بتخليص العراق من القرار الأممي 661 الصادر عام 1990 بعد غزو النظام ألصدامي لدولة الكويت” وأشار إلى أن “إخراج العراق من (الفصل السابع) مهمة وطنية”. ونقلت وكالة أصوات العراق المستقلة نبأ يشير إلى مذكرة السيد نائب رئيس الجمهورية الدكتور طارق الهاشمي التي قدمها إلى السفارة الأمريكية في بغداد , إذ جاء ما يلي:
“وقال بيان الهاشمي الذي صدر، الخميس (29/11/2007) ، وتلقت الوكالة المستقلة للأنباء (أصوات العراق) نسخة منه، إنه اقترح على الأمريكيين “إدراج قضية تعديل الدستور، وتعزيز المصالحة الوطنية، ومحاربة الفساد والاهتمام بحقوق الإنسان ودعم العراق اقتصاديا، وتحييد خطر المليشيات وإصلاح القوات المسلحة.”
وأوضح البيان إن ملاحظات الهاشمي للسفارة تضمنت أيضا “ضمان عدم تعرض الاتفاقية المزمع توقيعها مع أية اتفاقيات للعراق مع أطراف دولية أخرى، تسبق أو تلحق الاتفاقية موضوعة البحث.”
وكشف البيان عن أن السفارة الأمريكية أخذت بتلك الملاحظات، ووافق السفير الأمريكي على أدراجها من ضمن الأوراق الرسمية للمفاوضات. ” هذا ما جاء في خبر وكالة أصوات العراق.
لا أناقش الآن مضمون الوثيقة أو مضمون المذكرة , بل أشير أولاً إلى أن رئيس الوزراء لو كان قد طرح وناقش هذا الموضوع مع رئاسة الجمهورية والقوى والأحزاب …, لما تقدم السيد الهاشمي بتلك المذكرة , ولما بدا للجميع أن هناك خلافات واختلافات كبيرة بشأن وثيقة المبادئ. إن أي اتفاق يراد عقده بين الجمهورية العراقية والولايات المتحدة الأمريكية يفترض , كما أرى ديمقراطياً , أن يأخذ بالاعتبار الإجراءات السياسية الديمقراطية التالية:
لا شك في أن للحكومة العراقية الحق في التوقيع على وثيقة إعلان مبادئ مع أي دولة في العالم بما فيها الولايات المتحدة , ولكن يفترض عليها أن تطرح تلك المبادئ على أربع مستويات أساسية بهدف المناقشة وإنضاج الموقف الأفضل لصالح العراق. وتزداد أهمية ذلك في الظروف الصعبة والمعقدة التي يم بها العراق وتلك التي تحيط به في المنطقة , إضافة إلى المشاكل التي تعاني منها الحكومة حالياً. والمستويات الأربعة المقترحة هي:
1. مناقشة مجلس الوزراء لوثيقة “إعلان المبادئ والنوايا” التي يراد الاتفاق عليها من حيث المبدأ ووضعها في مشروع وثيقة رسمية وعدم انفراد السيد رئيس الوزراء بذلك.
2. مناقشة مسودة مشروع الوثيقة الرسمية مع رئاسة الجمهورية.
3. طرح مشروع الوثيقة على الشعب ونشرها في الصحف العراقية ووسائل الإعلام الأخرى لضمان مناقشتها من قبل فئات المجتمع والأحزاب والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني ومن يهمه أمر العراق وشعبه ومستقبله.
4. طرح المشروع بعد إجراء تعديلات مهمة عليه في ضوء تلك المناقشات على مجلسي النواب في الإقليم وفي الدولة الاتحادية لأخذ موافقتهما على وثيقة المبادئ المقترحة , بغض النظر عن واقع مجلس النواب الاتحادي الراهن ومشكلاته التي تزداد يوماً بعد آخر , ورغم ذلك يمنح لنفسه إجازة طويلة لأداء فريضة الحج التي أداها الكثير منهم عدة مرات , في وقت لا يجوز لهؤلاء الممثلين ترك البلاد.
ما أهمية هذا الأسلوب الديمقراطي ؟ أنه يعني ثلاث مسائل جوهرية:
• أن رئيس الحكومة لا يريد فرض ما يراه مناسباً على المجتمع العراقي وتحت ضغط الولايات المتحدة الأمريكية ووجود القوات الأجنبية وضعف وتفكك الحكومة , وأنه لا يتصرف بصورة فردية دون العودة إلى المجتمع.
• وأن رئيس الحكومة يسعى إلى تقليل أوجه الاختلاف ومراعاة تعدد وجهات نظر المسئولين الذين يتحاور معهم حول تلك المبادئ , وبالتالي يبعد احتمال احتكام هؤلاء عند الطرف الأمريكي , في حين كان المفروض أن تبقى الحكومة العراقية هي الطرف الذي ينتهي من تقديم وثيقة المبادئ المناقشة من الجميع والمتفق عليها من جانب الأكثرية.
• إن رئيس الوزراء لا يريد إبعاد القوى والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والمثقفين والسياسيين العراقيين من النساء والرجال ومجلسي النواب من الحوار إذ أن بإمكانهم جميعاً المشاركة في إغناء وتقويم وثيقة المبادئ وإبعاد الخلل عنها أو ما يمكن أن يعتبر إخلالاً بسيادة واستقلال العراق واختلالاً بالحياة السياسية والتعددية.
إن أوضاع العراق الداخلية لا تقبل وينبغي أن لا تقبل بمثل هذا الانفراد بالسلطة واتخاذ القرارات بصورة فردية ودون العودة إلى الجهات الأخرى المسئولة عن القضايا التي تمس الشعب مباشرة وعلاقاته ومستقبله.
يفترض في الحكومة العراقية في كل الأحوال أن تتفق مع الولايات المتحدة وأن تنظم معها مجمل القضايا السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية التي ما زالت معلقة. ولكن السؤال المشروع هو: كيف يتم ذلك؟ عند الإجابة عن هذا السؤال يمكن أن تبرز خلافات واختلاف تتسبب في نشوب صراعات ونزاعات سياسية بين أطراف عراقية كثيرة لأسباب غير قليلة وعلى مستويات داخلية وإقليمية ودولية , العراق في غنى عنها في كل الأحوال. ولهذا فالحوار المسبق والاتفاق على المسائل الأساسية يحتل أهمية فائقة في المرحلة الراهنة وفي كل الأوقات.
العراق غير محاط بدول صديقة بالضرورة ولا بقوى وأحزاب سياسية صديقة في تلك الدول وفي غيرها. والعراق بحاجة إلى اتفاقية أمنية لا مع الولايات المتحدة الأمريكية وحدها , بل مع جميع دول الشرق الأوسط وعبر الأمم المتحدة بحيث يمكن وضع ضمانات جيدة لحماية حقوق وحدود ومصالح كل دولة ومنع التدخل في شئونها الداخلية.
يشكل العراق حالياً مطمعاً لعدد من الدول في المنطقة والعالم بسبب ضعفه وتفتت قواه السياسية والطائفية المقيتة السائدة فيه وفي الحكم القائم وضعف القوى الديمقراطية وتفتتها وصعوبة لمَّ شملها سوية خلال الفترة القريبة القادمة. ولكن هذا لا يغني عن توقيع اتفاقية مع الولايات المتحدة , ولكن المسألة المركزية التي لا يمكن القبول بها أن توقع تلك الاتفاقية كما وقعت المبادئ دون أن تمر على الشعب ومؤسساته الدستورية وقواه السياسية ومنظماته المدنية. فالولايات المتحدة الأمريكية لها أجندتها واستراتيجيتها في العالم والمنطقة وفي العراق , والعراق له أجندته ومصالحه ويفترض أن تكون له استراتيجيته أيضاً , وهما مختلفتان ولا بد من أخذ هذا الواقع بنظر الاعتبار. وهذا لا يمنع من وجود نقاط التقاء واتفاق , ولكن لا شك في وجود نقاط تباين واختلاف. إن حماية أمن العراق لا تتم عبر إقامة قواعد عسكرية أمريكية في العراق , بل من شأن ذلك أن يشدد الصراعات في المنقطة , إذ أن توفير أفضل حماية لأمن واستقرار وسلام العراق يتم عبر عدة قواعد أساسية أشير هنا إلى أبرزها :
* العمل من أجل إقامة نظام أمن جماعي لدول المنطقة كلها , يكون العراق جزءاً منه , يتم فيه تأكيد مجموعة من الأسس المبدئية التي أقرتها الأمم المتحدة , ومنها منع التدخل في الشئون الداخلية ورفض الانقلابات العسكرية وغيرها أو الحروب الإقليمية وحل المشكلات استناداً إلى آليات ديمقراطية وسلمية إقليمية ودولية.
* تكريس الحياة الدستورية الديمقراطية والتعددية وتداول السلطة عبر الانتخابات الحرة واحترام وممارسة مبدأ المواطنة الحرة والمتساوية بين أتباع مختلف القوميات والأديان والمذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسية ورفض الفاشية والعنصرية والطائفية والإقصائية.
* الاعتراف التام بحقوق القوميات الموجودة في العراق واحترامها وممارستها وعدم التمييز بين أفرادها وتكريس الدولة الاتحادية القائمة على أساس فيدراليتين مع احترام الحقوق الثقافية والإدارية للتركمان , إضافة إلى الكلدان والآشوريين والسريان باعتبارهم من أصل البلاد ويدينون سوية بالدين المسيحي.
* ويفترض أن تقود هذه المسائل , بالارتباط مع توفير العدالة الاجتماعية من خلال استثمار وتوزيع الثروة على أسس عقلانية وعادلة وضمان توزيع وإعادة توزيع الدخل القومي استناداً إلى مصالح المجتمع , إلى تحقيق الأمن والتضامن والوفاق والسلم الاجتماعي في البلاد.
* إقامة أفضل علاقات الاحترام والتعاون المتبادل مع جميع دول الجوار وتأمين المصالح المشتركة في المنطقة , وكذلك على الصعيد الدولي.
ولهذا أرى ضرورة أن تطرح تلك المبادئ التي وقعها السيد رئيس الوزراء والسيد جورج بوش على النقاش لتشارك فيه قوى وأحزاب ومنظمات وفئات وأفراد المجتمع , ولكي يتمكن كل طرف أن يبدي رأيه بها ويتخذ السبيل الذي يراه مناسباً لمناقشتها وتقديم المقترحات بشأنها , ومن ثم يمكن للحكومة أن تساهم في بلورة الموقف النهائي وفق مشروع مشترك مع الطرف الأمريكي ليطرح للمفاوضة بما يحفظ استقلال وسيادة العراق ومصالح شعبه وحقوقه الأساسية في ثرواته الوطنية وسبل استغلالها , إضافة إلى سبل دعم العراق وتعزيز أمنه واستقراره.
ليس فينا , ويفترض أن لا يكون بيننا , من يحق له الادعاء بأنه أكثر حرصاً على استقلال وسيادة العراق من أي عراقية وعراقي آخر , ولكن الخلاف ليس في أي منا أكثر وطنية وحرصاً على الشعب من الآخر , بل الخلاف يبرز في الرؤية المتباينة لمفهوم ومضمون الاستقلال والسيادة الوطنية وفي المصالح في عالم العولمة وثورة الأنفوميديا التي يعيشها المجتمع الدولي المعاصر والمعايير الجديدة والمتغيرة التي تتحكم فيه. ولهذا فالمجتمع العراقي يحتاج إلى مزيد من الحوار العقلاني المفتوح لصالح العراق وشعبه وتقدمه من أجل وضع قواسم مشتركة يتم الاتفاق عليها وتبعد تدريجاً مواطن الاختلاف والصراع والنزاع السياسي.
من المعروف لدى المعاهد العلمية التطبيقية والأوساط التي تبحث في حل النزاعات على مختلف المستويات أن العجز عن حل التناقضات والمشكلات القائمة عبر آليات ديمقراطية ودستورية رصينة تتحول تلك المشكلات إلى صراعات , وحين لا يحسن تنظيم الصراعات في المجتمع أو بين المجتمع والدولة أو بين أطراف في الدولة والحكم , عندها تتحول تلك الصراعات إلى نزاعات سياسية يمكن أن تتخذ أشكالاً عديدة , بما فيها الأشكال المسلحة , في مجرى تحريها عن حلول لتلك المشكلات والتناقضات , وهو ما يفترض منذ البدء تجنبه. إن قيمة الديمقراطية هي في قدرتها على طرح آليات مجربة لحل المعضلات في المجتمع وبين المجتمع والدولة أو الحكومة , فهل في مقدور السيد المالكي , رئيس الحكومة , رغم غياب الأجواء الديمقراطية الضرورية والمناسبة وتشرذم المؤسسات الدستورية وضعف الحكومة وتفككها , الاستفادة الواعية والفعالة من هذا الدرس الذي تقدمه لنا الحياة الديمقراطية في الدول الأكثر تقدماً وأكثر خبرة من العراق في هذا المجال ؟ هذا ما يصعب التنبؤ به حالياً , ولكن هذا هو ما يتمناه الإنسان للعراق وما يسعى إليه وما يفترض أن يحصل.
10/12/2007 كاظم حبيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *