الرئيسية » مقالات » من سينتصر: دهاء ايران أم قوة أمريكا ؟

من سينتصر: دهاء ايران أم قوة أمريكا ؟

منذ سقوط شاهنشاه إيران وقيام دولة إيران الإسلامية والصراع الأمريكي – الإيراني مستمر بأوجه عديدة وفي السر والعلن. أسباب هذا الصراع لا تخفى على أحد وتتلخص بفقدان أمريكا لحليف ستراتيجي هام لها في منطقة ستراتيجية للغاية من مناطق العالم. إيران الغنية بالنفط والمتمتعة بموقع جغرافي هام والقريبة من مصالح أمريكا الإقتصادية في المنطقة، ستبقى هاجسا دائميا لرجال السياسة الأمريكيين يزعزع إستقرارهم وعلى طول الخط. السياسة الإيرانية في ظل الدولة الإسلامية القائمة في إيران هي سياسة مناهضة للبرنامج الأمريكي العام في المنطقة، وهذا ما لا ترغب به أمريكا وتحاول التخلص منه باستعمال شتى الوسائل والطرق.
سجال صراع أمريكا مع إيران بدأ منذ بداية الثورة الإيرانية ولم ينته بعد. كانت الحرب العراقية الإيرانية ( حرب الخليج الأولى) مكسب هام من المكاسب الأمريكية في هذا الصراع، حيث إستطاعت أمريكا أن تحرز النقاط وتكسب الجولة الأولى، لكنها لم تكسب النصر الحاسم فيه . لقد أضعفت هذه الحرب إيران وإستنزفتها عسكريا وماديا وبشريا على مدى سنوات الحرب الثمانية، تعطلت ماكنة التقدم في إيران خلال تلك الحرب وبقيت بنيتها التحتية ضعيفة، حيث شلت حركة التقدم الإقتصادي والسياسي والإجتماعي في هذا البلد. لم تحقق أمريكا نصرا ملموسا آخرا في الجولات المتتالية من هذا الصراع التي أعقبت حرب الخليج الأولى. فالذي حصل هو العكس تماما، حيث نجحت إيران بتحقيق جولات جديدة كسبت فيها النقاط على حساب غريمتها. فقد تنفست إيران الصعداء حينما قامت حرب الخليج الثانية بعد إجتياح القوات العراقية للكويت. فحلفاء الأمس يتصارعون فيما بينهم هذا اليوم، وكل منهم يريد كسب الود الإيراني ليبقيها على جانب الحياد أنذاك. توجهت إهتمامات سياسات أمريكا وأوربا ووسائل إعلامها على الأحداث اليومية في العراق ومشاكل الحصار الإقتصادي والنفط مقابل الغذاء وأسلحة الدمار الشامل والتعويضات وغيرها من الأمور والقضايا التي ألهت العالم وجعلت إيران تفلت من عنق الزجاجة وتتحرر في مشاريعها وبناء نفسها إقتصاديا وتقنيا وعسكريّا. فقد خرج العراق من ساحة المعركة وتخلصت إيران من عدو لدود زعزع مضجعها وشلّ حركتها. في حرب أمريكا على “الإرهاب” والتي شنتها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 م سقط عدوّان لدودان لإيران الى دون رجعة وهما حكومة طالبان في إفغانستان وحكومة صدام حسين في العراق. وهكذا صرّح رئيس إيران أحمدي نجاد عن فرحه حيث قال” قد وضع الله ثمار إحتلال البلدين المجاوريين لإيران وهما العراق وإفغانستان في سلّة إيران”! وهكذا فقد حررت أمريكا إيران من فكي كمّاشة من حيث تدري ولا تدري لتضيف النقاط الى صالح الجانب الإيراني.
لقد تصورت أمريكا بأن عملية تحرير إيران من فكي جارتيها هي عملية مؤقتة أشبه ما تكون بعملية تحرير المسجون من زنزانته من أجل إقتياده الى حبال المشنقة. فالمشروع الأمريكي المسمّى بـ ” مشروع الشرق الأوسط الكبير” كان كبيرا في تفاصيله وأركانه وكان لإيران فيه حصة الأسد! إلاّ أن هذا المشروع الجبار قد غمر وطمر في وحل العراق العميق في طينه ومائه، فلم تستطع أمريكا المضي قدما في فقرات هذا المشروع الذي يبدأ بإيران ولا يدري أحد بأي بلد سينتهي! لقد شاركت إيران في تعميق ورطة أمريكا في العراق، فصار العراق أشبه ما يكون بفخ نصبته إيران لأمريكا فسقطت فيه ولا تعرف اليوم طريقة للخلاص من هذا المأزق الذي فقدت فيه الكثير من المال والدم والسمعة . فلم تعد أمريكا اليوم تلك الأسطورة المخيفة لدول العالم، بل تحول الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش الى أضحوكة في نظر العالم أو الى كارثة عالمية وكما وصفه سيمور هيرش أحد الكتاب الأمريكيين الكبار.
حينما أزاح الأمريكان صدام حسين من سدة الحكم لم يكن في حساباتهم انهم سوف يستبدلوه بحزب الدعوة أو بحزب المجلس الأعلى وكلاهما مناصر وحليف لإيران. ولم يكن بحسبان الأمريكيين أن أرض العراق رخوة تطمس فيها دباباتهم المتطورة و تفقد المناورة وسهولة الحراك أمام هجمات المقاومة. ولم يكن في تصورهم أن سماء العراق المشمسة ستقتنص طائراتها المتطورة وتشل حراكها . بل لم يدرك السياسي الأمريكي أن شعب العراق شعب مركب وصعب لا يمكن إحتوائه وكسبه بسهولة مطلقة. طبقا لهذا فأن أمريكا لم تنجح في خلق حكومة تطمأن بها لتحقيق مصالحها من جهة أو تضمن عدم خلودها الى الأحضان الإيرانية المهيّأة للإحتضان من جهة أخرى! كما أنها لم تحقق بنود مشروعها الكبير التي طالما تبجحت به، فصارت كمثل المنبت الذي لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى!
كسبت إيران النقاط أيضا حينما أثبتت المقاومة اللبنانية قدرتها على صد العدوان الإسرائيلي وصمدت بوجهه ومنعته من تحقيق أهدافه العسكرية في حرب دامت لأيام طويلة، فسقطت أسطورة التفوّق العسكري الإسرائيلي وتعاضمت الروح المعنوية عند المقاومة واعتبرت الحرب عملية لوي ذراع كسب الإيرانيون الجولة فيها باعتبارهم الممول والدافع لهذا الصراع . كما أفحلت إيران بإستثمار صعود أسعار البترول العالمية الى ما يقارب المائة دولار للبرميل الواحد وهو رقم تأريخي قياسي تصل اليه أسعار البترول وهذا يعني دعم مادي واضح للميزانية الإيرانية ودعم للإقتصاد الإيراني وضربة إقتصادية لأمريكا. وكان هذا هدفا ستراتيجيا طالما حلمت به إيران وطالما سعت من أجله.
كسبت إيران النقاط أيضا حينما أجّلت التعرض العسكري الأمريكي لها بسبب إقتنائها للتقنية النووية. وهذا التأجيل، وإن لم يكن قد أسقط إحتمالية تعرض أمريكا أو إسرائيل عسكريا لإيران لإفشال مشروعها النووي نهائيا، إلاّ أنه حقق الفوائد التالية: 1- بعد فشل أمريكا في العراق بدأ الرأي العام العالمي والرأي العام الأمريكي يتساءل وبإلحاح عن جدوى إستعمال القوة في حل المشاكل العالمية العالقة الى درجة أن 75 في المائة من الأمريكيين يعارضون ضربة عسكرية لإيران هذا اليوم! 2- أعطى الفرصة الكافية للإيرانيين في تطوير سلاحهم الكلاسيكي والستراتيجي وتنشيط ماكنتهم العسكرية تحسبا للرد على أي هجوم خارجي.3- ربما قد وصل التطور التكنلوجي النووي الإيراني الى مرحلة يصعب معها اليوم تدمير منشاءات إيران النووية بسبب التلوث النووي الذي قد يحصل للمنطقة من جراء أي تدمير محتمل لهذه المنشآت، مما يعني كارثة بيئية لا تعرف أبعادها. وهذا ما سيجعل أمر إستخدام القوة في معالجة هذا الشأن مسألة تتحمل الأخذ والرد والتريث والأمعان .4- ستقفز أسعار البترول الى مستويات قياسية أخرى تهدد الإقتصاد الأمريكي والعالمي بشكل جدي وخطير في حالة إندلاع حرب بين إيران وأمريكا. 5- بينت تقارير الإستخبارات الأمريكية مؤخرا بان إيران قد توقفت عن مشاريعها النووية منذ سنين وهذا ما سيسقط الحجج الأمريكية في ضرب إيران عسكريا على الأقل في الوقت الحاضر.
هل عملية كسب الوقت ستنقذ الإيرانيين من الضربة الأمريكية المحتملة!؟ وهل نتائج الحسم النهائي لهذا الصراع الطويل ستكون بطريقة جمع النقاط أم باسلوب الضربة القاضية!؟ وهل ستكسب إيران ثمرات الجهد الأمريكي المضني في إزالة الأعداء وتنصيب الأصدقاء في العراق؟. دون شك ستجيب مستجدات الأحداث عن هذه التساؤلات المحيرة في قابل الأيام وسيعرف الجميع الجواب عن السؤال المثير للجدل : أيهما سينتصر دهاء إيران أم قوة أمريكا…..؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *