الرئيسية » مقالات » البصرة تنتظر الخلاص من خرابها

البصرة تنتظر الخلاص من خرابها

بعد تأجيل لأكثر من مرة بسبب طلب أمريكي وبتنسيق مع الحكومة، يستعد 5500 جندي بريطاني لمغادرة البصرة في غضون الأسابيع القليلة القادمة، وتمهيداً لملئ الفراغ الأمني الذي سيخلفه هذا الانسحاب، تستعد القوى المتصارعة في المدينة النفطية ومرفأ العراق الوحيد، لفرض سيطرتها وسطوتها عليها وضمان تحقيق مفردات أجندتها الخاصة، يتصدرها هدف كسب تأييد جماهيري لها في انتخابات مجالس المحافظات القادمة. وفي جعبة هذه القوى المتناحرة خبرة الانتخابات النيابية السابقة التي وضعت الإنتماء الطائفي و المظلومية التاريخية للشيعة ثم العاقبة الحسنة في الآخرة، في مقدمة دعائم حصد أصوات المواطنين.

القوى الرئيسة المتنفذة في البصرة هي؛ التيار الصدري وميليشياته، منظمات حزب الفضيلة، المجلس الإسلامي الأعلى بجناحه العسكري فيلق بدر، بالإضافة الى عدد من التشكيلات المخابراتية الإيرانية بواجهات مدنية عراقية. و تشتبك معها في خضم الفوضى والصراع السياسي منظمات سنية تمول وتدعم من مشايخ الخليج في مناطق وسط البصرة وفي بعض أقضيتها ونواحيها.

الحكومة ووفق التزاماتها الداخلية والإقليمية والدولية – رغم ضعف عدد وعُدة أجهزتها العسكرية- تريد تأكيد سيطرتها المركزية على مرافق المدينة الأمنية والاقتصادية، عبر ترويض ميليشيات جيش المهدي أولاً بعد ما تحقق لها من نجاحات بمساعدة أمريكية في صراعها معها في كربلاء والديوانية، وللبرهنة ثانية و في الوقت ذاته، على عدم خضوعها لتكتيكات المجلس الإسلامي الأعلى وفيلق بدر اللذين يراهنان على إقامة فيدرالية شيعية في مناطق الوسط والجنوب، رغم معارضة التيار الصدري وحزب الفضيلة وأجنحة مهمة من حزب الدعوة و الأطراف السنية، لتلك الفيدراليات.

ولا يبدو ان الحلول الوسط بين أطراف الائتلاف العراقي قابلة للتحقق بازدياد حدة الانتقاد، بل والتهديدات بين أطرافه، للحد الذي أعلن فيه التيار الصدري رفضه تشكيل مجالس للصحوة في المدينة، محذرا القوات الحكومية من أنها الخاسرة في حالة قيامها بأي عمل عسكري ضده.
تهديد التيار الصدري يأتي مع وصف المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات «كرايسس غروب» للميليشيات في البصرة، من أنها «تبدو أقوى من ذي قبل»، و مشيرة الى فشل كبير في إقامة مؤسسات شرعية وفعالة قادرة على توزيع مصادر الثروة، وفرض احترام القانون، وضمان عملية انتقالية بسلام على المستوى المحلي. كما ذكرت هذه المجموعة من ان الساحة السياسية في البصرة تبقى في أيدي لاعبين متورطين في منافسة دموية على مصادر الثروة، الأمر الذي يُضعف ما تبقى من مؤسسات حكومية.

الفوضى الأمنية في البصرة مناخ يحرص على ديمومته تلاقي مصالح عصابات الجريمة المنظمة و فئات محلية وأخرى إقليمية متعددة أكبرها مصالح إيرانية، لأنه يوفر الظروف المناسبة لعمليات تهريب النفط والثروة الحيوانية، وبقاء المنطقة الجنوبية ممرا وسوقا هاما لتجارة المخدرات الى دول الخليج.

إزاء هذه التعقيدات وتضارب المصالح البعيدة عن مصلحة المواطن البصري بوجه خاص والعراقي بوجه عام، ليست هناك فسحة أمل كبيرة في حسم الصراع في استتباب الأمن لصالح حكومة مركزية قوية وهي مكبلة بأطواق المحاصصة الطائفية والإثنية. وقد يكون الوضع الداخلي بعد الانفراج الأمني النسبي الذي تحقق و المناخ الإقليمي الذي شهد توافقا حول ملف الرئاسة اللبنانية و ارتفاع حظوظ الحلول الدبلوماسية لصراع إيران حول ملفها النووي والدور المؤثر والمباشر لدول الخليج في القضية العراقية وتلاقي مصلحة أنظمتها مع هدف استتباب الأمن واستقراره في العراق، تلك التطورات الحالية يمكن ان تسهم في حسم الصراع في البصرة على أمل استقرارها، علها تتخلص من أكوام خرابها الذي لم يعد مثلا يضرب بل واقعا ثقيلا تكرس عقوداً من الزمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *