الرئيسية » مقالات » مشكلة العرب أن الطائفية عندهم أقوى من القومية

مشكلة العرب أن الطائفية عندهم أقوى من القومية

حملت حركة القومية العربية بذور فشلها وفنائها معها منذ ولادتها في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. إذ ربط الآباء المؤسسون لهذه الحركة، وعلى رأسهم ساطع الحصري، أيديولوجية القومية العربية بعاملين مدمرين وهما: الطائفية، أي العداء للطوائف الإسلامية غير السنية، وبالأخص الشيعة العرب في العراق، وحصر القومية على العرب المسلمين السنة وحدهم فقط، واعتبار الشيعة العرب غير مخلصين لأوطانهم وقوميتهم، إذ وصموهم بشتى النعوت المؤذية مثل: الشعوبية، والصفوية والعمالة لإيران…الخ. والعامل الثاني هو ربط القومية العربية بالعداء للديمقراطية.

وقد لعب ربط القومية العربية بهذين العاملين الدور الأساسي في فشل الحركة في تحقيق أهدافها المنشودة وعلى رأسها (الوحدة العربية) بل وفشلت حتى في تحقيق الحد الأدنى من التضامن العربي، كما وتسبب هذا الربط في تدهور الأوضاع في البلاد العربية في النصف الثاني من القرن العشرين. وفيما يخص موقف القومية العربية المعادي للديمقراطية يؤكد التقرير الإستراتيجي العربي لعام 1999 على ما يلي: “إن القومية العربية تتحمل مسؤولية كبرى، بل مسؤولية أولى، عن التدهور الذي آل إليه النظام الإقليمي العربي في نهاية القرن العشرين، فهذا يرتبط بالأساس اللاديمقراطي، بل المعادي للديمقراطية، الذي قامت عليه”. (مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، التقرير الإستراتيجي العربي 1999، القاهرة يناير 2000.)

أما طائفية القومية العربية فهي الأخرى لعبت دوراً لا يقل خطورة عن دور عدائها للديمقراطية، بل وكنتيجة لهذا العداء، تسببت في عدم الاستقرار في العراق منذ نشوء الدولة العراقية عام 1921 وإلى الآن. ولم يغفر للشيعة العرب دور قادتهم المتميِّز في حركة القومية العربية، مثل دور العلويين في تأسيس حزب البعث في سوريا، ومحمد مهدي كبة في تأسيس وزعامة حزب الاستقلال (ذو التوجه العروبي) في العراق في العهد الملكي، وغيرهم كثيرون.

ومما يجدر ذكره أن أغلب غلاة القوميين العرب وأشدهم طائفية هم ليسوا من أصول عربية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، نذكر منهم ساطع الحصري الذي هو من أصل تركي، وعندما تم استيراده من اسطنبول إلى العراق عام 1921 حيث عين مديراً للمعارف، ما كان يعرف اللغة العربية، بل كان يتحدث إلى العراقيين من خلال مترجم، وتعلم العربية خلال العشرين عاماً من وجوده في العراق. وقد ناصب الحصري العداء للشيعة وكل مسؤول شيعي في العراق. وقصة معاناة شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري باتت معروفة في التمييز الطائفي على يد الحصري، حيث خصص لها الجواهري عشرات الصفحات من كتابه (ذكرياتي). كذلك نجد نزعة الغلو في القومية العربية عند بعض الأكراد العراقيين الذين استعربوا وتنكروا لقوميتهم الكردية مثل، علي صالح السعدي، والذي كان الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي خلال فترة انقلاب 8 شباط 1963 الأسود، فكان من أشد الناقمين على الوطنيين العراقيين. كذلك طه ياسين رمضان الجزراوي، وهو كردي أيزيدي، وعضو القيادة القطرية لحزب البعث ونائب رئيس الوزراء في عهد صدام، اشتهر بقسوته وشراسته في ممارسة العنف ضد المعارضة العراقية وبالأخص ضد أبناء جلدته من الأكراد. وهناك بيت شعر قيل بهذا الخصوص:
لا تحذر الحية والعقربا بل احذر الكردي إذا استعربا
ومن المؤسف القول أن قادة الحكومات العربية في هذا الزمن العاهر، لا يقلون طائفية من القوميين المستعربين، وبالأخص ضد الشيعة في بلدانهم. إذ كما جاء في مقال للدكتور سعدالدين إبراهيم، استهجن فيه سلوك هؤلاء القادة في مقال له بعنوان (لماذا يتصرف المسلمون السُنة كأنهم أقلية مذعورة) فقال: “فمنذ ثلاث سنوات والملك عبد الله الثاني عاهل الأردن، يحذر العرب المسلمين السُنة، مما سماه هو بالمثلث الشيعي أو الهلال الشيعي. ويقصد به التكوينات البشرية المسلمة الشيعية، التي تمتد من إيران، عبر جنوب العراق، البحرين، وشرق السعودية، وشمال سوريا، إلي سهل البقاع والجنوب اللبناني. ثم انضم الرئيس المصري حسني مبارك إلي الملك الأردني، لينبه من عام، أي في ربيع 2006، إلي أن ولاء المسلمين الشيعة العرب ليس لبلدانهم العربية التي يعيشون فيها ويحملون جنسيتها، ولكن لإيران!.” (سعد الدين إبراهين، الراية القطرية، 7 مارس 2007).
أما طائفية النظام السعودي فقد أشرنا إليها في مقال لنا بعنوان (السعودية تكشف عن طائفيتها بوقاحة) عندما رفض العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز استقبال رئيس الوزراء العراقي السيد نوري المالكي خلال جولة قام بها الأخير لعدد من البلدان العربية والتي كان يرمي من ورائها استمالة هذه الدول في محاولة منه لإقناعها أن تكف عن صب الزيت على الحريق العراقي وأن تترك الشعب العراقي لحاله وتتوقف عن إرسال الإرهابيين إلى العراق. ولكن المملكة السعودية، وكما نشرت وكالات الأنباء آنذاك، لم تستطع إخفاء مشاعرها الحقيقية إذ “أعلنت عن عدم رغبتها في استقبال رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي،…. وإن الملك عبد الله لا يرغب في استقبال المالكي في حال قيامه بزيارة إلى المملكة.”
فإذا كان الطعن بوطنية وعروبة الشيعة العرب يأتي من زعماء عرب يطرحون أنفسهم كعلمانيين، بل وحتى يدعون الديمقراطية، أو خدام الحرمين الشريفين، فماذا نقول عن زعماء الإسلام السياسي من أمثال القرضاوي ومهدي عاكف وحارث الضاري وبن لادن وغيرهم بهذا الشأن؟
مناسبة هذا المقال هي عقد مؤتمر حوار لقمة دول مجلس التعاون الخليجي في المنامة/البحرين حول أمن واستقرار المنطقة، والذي دعي إليه كل من إيران وتركيا، ولم يدعى إليه العراق، البلد الخليجي والأشد حاجة لحضور مثل هذه المؤتمرات التي تخص الأمن والاستقرار. ولما سأل مسؤول الأمن الوطني العراقي، الدكتور موفق الربيعي عن تجاهلهم للعراق وعدم دعوته لهذا المؤتمر أجاب رئيس الوزراء القطري الشيخ حمد بن جاسم بن جابر آل ثاني إن “الوحدة في العراق ليست موجودة بعد…بعض الأطراف تشعر بأنها لا تعامل كمواطنين كاملين” في إشارة إلى العراقيين السنة. (المنامة- وكالات – موقع آفاق، 8/12/2007).
أما صحيفة الشرق الأوسط، فقد حاولت أن تخفف من بشاعة الجواب فأعطت تبريراً غير مقنع إذ اكتفت بالقول أن “الشيخ جاسم اضطر للتوضيح أن الدعوة وجهت للإيرانيين والأتراك «بناء على رغبتهما»، وأن العراقيين لم يطلبوا ذلك.” (الشرق الأوسط، 9/12/2007). هذا الجواب بالتأكيد غير مقنع. فهل هذا هو أسلوب توجيه الدعوات إلى الدول لحضور المؤتمرات؟ من يجب أن يبادر بالدعوة، الجهة المضيفة، أم الضيف؟ من هنا نعرف أن السبب الحقيقي لعدم دعوة العراق هو كما جاء في تقرير وكلات الأنباء في (آفاق) وعلى لسان الشيخ جاسم الذي قال: “نحتاج لعراق قوي.. بعض الأطراف تشعر بأنها لا تعامل كمواطنين كاملين” في إشارة إلى العراقيين السنة.) وهل سأل الشيخ جاسم وغيره عن هذه الوحدة العراقية القوية كشرط لحضور المؤتمرات عندما كان أكثر من 80% من الشعب العراقي مهمشين ” ولا تعامل كمواطنين كاملين”؟
وهل حقاً السنة العرب مهمشين في العراق الجديد، أم البعض من فلول البعث ومن غرر بهم هم الذين رفضوا المشاركة في العملية السياسية وحملوا السلاح وتحالفوا مع القاعدة الإرهابية وعملوا على تدمير بلادهم وشعبهم وإفشال العملية السياسية، أملاً منهم في إعادة الوضع إلى ما كان عليه في عهد صدام حسين؟ ألم يقل الشيخ حارث ضاري، رئيس “هيئة علماء المسلمين” والمدعوم خليجياً، والمقيم في الأردن حالياً، في تقريعه لجماعات الصحوة السنية أن “القاعدة منا ونحن منها”؟
وهل حقاً الحكومة العراقية هي شيعية؟ ألم تكن الحكومة إئتلافية مكونة من جميع مكونات الشعب العراقي؟ إن حكومة الوحدة الوطنية في عراق قوي يعني عند هؤلاء الحكام العرب أن تكون الحكومة محتكرة على فئة واحدة فقط من مكونات الشعب العراقي، وأن تكون من السنة العرب وحدهم فقط، تماماً كما كان الوضع قبل إسقاط حكم البعث الصدامي، أما وجود بعض الشيعة في الحكومات البعثية فكانت مجرد ديكور ليس غير. فهؤلاء يفضلون عراقاً يحكمه نظام دموي مثل نظام صدام حسين الفاشي يهدد أمن واستقرار المنطقة على نظام ديمقراطي مسالم يشارك فيه جميع مكونات الشعب العراقي.
في الحقيقة إن جواب الشيخ جاسم في تبرير عدم توجيه الدعوة إلى العراق لحضور المؤتمر، هو دليل طائفية الحكام العرب بأوضح أشكالها، وأنهم يصرون على معاملة شريحة واسعة من شعوبهم كغرباء في أوطانهم ووصمهم بالخيانة والعمالة للأجنبي، وحرمانهم من حق المشاركة في حكم بلادهم. والسؤال هو: متى يصحو هؤلاء من وباء الطائفية البغيضة؟ وإذا كان هكذا تعاملهم مع الشيعة العرب في أوطانهم وفي العراق، فلماذا يذرفون دموع التماسيح على عرب إيران وهم شيعة؟ أليس هذا هو النفاق العربي بامتياز؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *