الرئيسية » مقالات » التغيير الديمغرافي في كردستان سورية

التغيير الديمغرافي في كردستان سورية

حتى الحرب العالمية الأولى كنا جميعا عرباً وكرداً من رعايا الدولة العثمانية. بعد خسارة دول المحور ألمانيا-الدولة العثمانية في الحرب، تم توزيع تركة الرجل المريض (الدولة العثمانية) بين فرنسا وبريطانيا وفق إتفاقية سايكس-بيكو.
بموجب هذه الإتفاقية تعرضت كردستان للتقسيم الثاني وهو توزيع الكرد وكردستان بين تركيا الدولة المنشئة حديثاً، وسورية والعراق الدولتان الحديثتان تحت الإنتدابين الفرنسي والبريطاني.

بعد حصول سورية على إستقلالها في 17/4/1946 وحتى اليوم لم يجر أي تغيير على أوضاع الأكراد الدستورية. لا إعتراف بوجود قوميات أخرى في سورية سوى القومية العربية.
وحسب الدستور السوري المادة 4″ اللغة العربية هي اللغة الرسمية ” والمادة 8″ حزب البعث حزب قائد للمجتمع والدولة” ويتصف حزب البعث بالعنصرية ورفض كل شيء غير عربي. وحسب الدستور سورية جزء لا يتجزأ من الوطن العربي والشعب السوري جزء من الأمة العربية الواحدة.
وحسب الدستورفأن الأكراد والأقليات الأخرى العرقية والدينية تعيش على هامش الحياة في البلاد من دون الإعتراف بشخصيتها القانونية.
صحيح أن الأقليات الأخرى، تتعرض ايضاً للمضايقات لكن المضايقات والاضطهاد ضد الشعب الكردي في سورية (المكون الأساسي للشعب السوري–القومية الثانية في البلاد بعد القومية العربية) تختلف جذريا. الإضطهاد الموجه ضد الشعب الكوردي في سورية هو مخطط وعن سابق تصميم يقوم بتنفيذها الشوفينية العربية ممثلة في حزب البعث العربي الإشتراكي الحاكم.
إن مُخَطِط تصفية القضية الكردية في سورية والقضاء المبرم على الشعب الكردي هو الملازم أول محمد طلب هلال رئيس الشعبة السياسية في محافظة الحسكة.
قام محمد طلب هلال وبالتعاون مع محافظ الحسكة سعيد السيد في بداية الستينيات من القرن المنصرم بصياغة مشروع عنصري عروبي تصفوي ضد الكورد في سورية. ويشمل مشروعهم المقدم إلى الحكومة السورية من إقتراحاتٍ بصدد العرب الموجودين في المنطقة الكردية ومقترحاتٍ بصدد الأكراد في كردستان سورية.
وقبل البدء بمقترحاته كتب محمد طلب هلال مقدمة طويلة لمشروعه يحاول فيه نظرياً رفض فكرة وجود شعب باسم الكورد ومنطقة كردية في سورية، بل يمضي أكثر من ذلك حين يصف الكورد بصفات غير إنسانية.
ويكتب محمد طلب هلال في مقدمة كتابه–بأن القضية الكردية في كلٍ من سورية والعراق صنيعة إستعمارية ويجب حلها بالعنف مرة واحدة وإلى الأبد، لكي يرتاح العرب ويتفرغوا لمواجهة أعدائهم الآخرين من صهاينة وإستعمار!.
ويصف محمد طلب هلال الشعب الكردي في سورية، بأنهم تسللوا إلى الأراضي السورية من تركيا وبمباركة من الإستعمار، وأستولوا على أخصب الأراضي ويمتازون بثقافة عالية وقرى عامرة ومعظمهم متعلم. ويضيف بينما العرب يسكنون المناطق الصحراوية من الحسكة (الجنوب) وهم أمييون وبدو ولايملكون شيئاً، ويضيف–بأن الأكراد شعب ليس له أية صفة حضارية، لالغة لهم، ولا تاريخ، ولا ثقافة ولا وطن قومي يجمعهم، لهم صفة واحدة فقط هو صفة البطش والقتل وهي من صفات الشعوب الجبلية (يعارض نفسه في البداية–الكاتب).
ويقترح محمد طلب هلال بالنسبة للعرب ما يلي:
1-إفتتاح أكبر عدد ممكن من المدارس في مناطقهم لنشر العلم والمعرفة.
2-إلى جانب المدارس فتح وحدات إرشادية لمساعدة العناصر العربية لتعليم الزراعة والمهن الأخرى.
3-إرسال أكبر عدد ممكن من أبناء العرب في الجزيرة (محافظة الحكسة) للدراسة في الخارج، بل يقترح–إرسال كل من أنهى الثانوية العامة، ومن دون توفية الشروط إلى الخارج للدراسة والحصول على معارف لمواجهة الأكراد.
4-فتح معاهد زراعية متخصصة في المنطقة فقط للعناصر العربية.
5-تثبيت كل العرب في قرى وإنهاء حالة البداوة وتوزيع الأراضي عليهم.
6-توزيع أملاك الدولة فقط على العناصر العربية.
7-جلب عناصر عربية أخرى من داخل سورية وإسكانهم في المنطقة الكردية، لإعطاء الطابع العربي للمنطقة.
أما ما يخص الأكراد فيقترح ما يلي:
1-أن تعمد الدولة على تهجير الأكراد من الشمال السوري (كردستان سورية) إلى الداخل السوري العربي-مع الأخذ بعين الإعتبار توزيعهم في الداخل بحيث لا يشكلوا كتلة بشرية حتى في المنطقة العربية. وأن يتم البدء بالعناصر الخطيرة أولاً وهم أعضاء الحزب الديمقراطي الكردستاني في سورية.
2-سياسة التجهيل: عدم فتح مدارس أو معاهد بين الأكراد ومنع إنضمامهم إلى معاهد البلاد.
3-تصحيح سجلات النفوس في محافظة الحسكة وسحب الجنسية من أكبر عدد ممكن من الأكراد. وعدم إعطاء الجنسية لأحد في المنطقة عدا العناصر العربية.
4-سد باب العمل في وجه الأكراد–بحيث يصبح وضعهم غير مستقر ويكونوا مستعدين للرحيل. كما يجب منعهم من أية ملكية، بل حتى منعهم من إيجارهم للأراضي–ويضيف-بأن العرب كثر والحمد لله.
5-شن حملة من الدعاية الواسعة بين العناصر العربية ضد الأكراد.
6-نزع الصفة الدينية عن مشايخ الدين الأكراد، وإرسال مشايخ عرب أقحاح بخطة مرسومة ونقل الشيوخ الأكراد إلى الداخل العربي لأن مجالس الشيوخ الأكراد في الجزيرة ليست مجالس دينية إنها مجالس كردية.
7-ضرب الأكراد بعضهم ببعض، وهذا أمر سهل.
8-إسكان عناصر عربية قومية لمراقبة الأكراد حتى يتم ترحيلهم وتهجيرهم.
9-جعل الشريط الشمالي للجزيرة منطقة عسكرية كمنطقة الجبهة (الحدود الإسرائيلية–السورية). ووضع قطع عسكرية هناك مهمتها تهجير الأكراد وإسكان العرب.
10-إنشاء مزارع جماعية للعرب الذين تسكنهم الدولة في الشريط الشمالي–على أن تكون هذه المزارع مدربة على السلاح ومسلحة كالمستعمرات اليهودية في فلسطين.
11-عدم السماح لمن لا يتكلم العربية بأن يمارس حق الإنتخاب والترشيح في المناطق المذكورة.
هذه المقترحات بشأن العرب والأكراد في محافظة الحسكة لم تعد بدعة أو خيال مؤلف، بل أصبح برنامجا حكومياً للدولة السورية التي قامت بتنفيذها كاملةً بالشكل التالي:

أولاً-ضرب الحزب الديمقراطي الكردستاني في سورية المتأسس حديثاً:
تم إعتقال القيادة بشكل جماعي وشمل سكرتير الحزب د.نور الدين ظاظا، وعثمان صبري، رشيد حمو….الخ. وتم مصادرة المطبعة والآلات الكاتبة للحزب وإتلافها. مصادرة الوثائق الحزبية وحرقها-إعتقالات جماعية لكامل أعضاء القيادة من الفروع والمناطق. وذلك لإضعاف الحركة السياسية الكردية النشيطة تمهيداً للبدء بتنفيذ المشاريع العنصرية على الأرض وبالتالي لا بد من ضرب الرأس أولاً. فضرب من دون رحمة.


ثانياً-الإحصاء:
بتاريخ 22/8/1962 إجتمع مجلس الوزراء السوري برئاسة رئيس الجمهورية ناظم القدسي لبحث موضوع إجراء إحصاء في محافظة الجزيرة( الحسكة) وأتخذ القرار وأصدر بمرسوم جمهوري تشريعي يحمل الرقم 93 بتاريخ 23/8/1962 ونشر في الجريدة الرسمية تحت عنوان. مرسوم تشريعي رقم 93/تاريخ 23/8/1962 لإجراء إحصاء عام لسكان محافظة الحسكة. نفذ هذا المرسوم في 5/10/1962. فكانت نتائجه مذهلة وغير منطقية. ضارباً كل الأعراف والقيم الإنسانية عرض الحائط. في صباح 6/10/1962 أستيقظ أكثرمن 200000كردي من دون جنسية يحملون صفة أجنبي. وبهذا الشكل حرم من كافة الحقوق المدنية والسياسية في البلاد.
ففي العائلة الواحدة:
الأب مواطن–الأطفال أجانب. الأم مواطنة-الأب أجنبي. الأطفال مواطنون–الأب والأم أجنبي. “من جملة الذين سحبت منهم الجنسية قائد الأركان للجيش السوري توفيق نظام الدين الكردي الأصل!!”. ومن الجدير ذكره، أن محافظة الحسكة تتألف من الأكراد والعرب والأرمن والسريان والآشوريين….وغيرهم. إلا إن سحب الجنسية السورية خص” العنصر الكردي” فقط.
وصدر مرسوم يمنع زواج الكردي المواطن من الكردي الأجنبي. فكان نتيجة الزواج أجنبي مع مواطن قد أنجب طفلاً مكتوماً. إن شر البلية ما يضحك. في خطاب القسم للولاية الثانية لبشار الأسد، صرح بأنه سيحل قضية المواطنين من دون جنسية، لكنه حظر من ان يدعي أحدٌ ما يوماً بأن للمكتومين حقوق-فهذا يعني ما يعني!.

ثالثاً-مصادرة الأراضي:
بمرسوم آخر تم مصادرة أراضي الآغوات الكرد وسمي بمشروع الإصلاح الزراعي. وشمل هذا المشروع كل المنطقة الكردية في محافظة الحسكة. صودرت الأراضي وطرد الملاك الكردي من دون تعويض، ولم توزع هذه الأراضي على فلاحي المنطقة الفقراء المحرومون من الأرض. بل أحتفظت الدولة بهذه الأراضي حتى عام 1974 باسم مزارع الدولة، ووزع في هذا العام 1974 هذه المزارع على عرب الغمر الذي الآن نحن بصدده.
ملاحظة: في نفس المحافظة-الحسكة-مازال الملاكين العرب يحتفظون بآلاف الدونمات من الأرض.

رابعاً-الحزام العربي:
تم جلب 250000 عربي من محافظات حلب والرقة وإدلب وإسكانهم في المنطقة الكردية على حدود سورية-تركيا-سورية والعراق على شريط بطول 375 كم وعرض من 10-15 كم. وتم بناء “141” قرية أو مزرعة نموذجية لهؤلاء وجهزت قراهم بكافة الخدمات من ماء وكهرباء وبناء مدارس وجمعيات زراعية وتبليط الشوارع والصرف الصحي وغيرها. وسميت هذه القرى بأسماء عربية لها دلالات تاريخية مثل: القنيطرة-القيروان-العدنانية…الخ!.
وتم تسليم منزل لكل عائلة مع قطعة أرض زراعية مجاناً وتم تقديم كافة التسهيلات للإقامة وتقديم القروض الميسرة لهم بينما بقيت القرى الكردية في الجوار كما كان عليه الحال أيام الاحتلال العثماني. وبقي الفلاح الكردي محروماً من أرض أبائه وأجداده وتنعم العرب الوافدين بهذه الأراضي الخصبة. وفي مقاومة هذا المشروع الخطير الإستيطاني، قامت الحركة الكردية بالتنديد بالمشروع ووصمته بالمشروع العنصري ودعى إلى رفضه ولم تتأخر الحكومة فكان الرد سريعاً، آلاف المعتقلين وتعذيب المناضلين الكرد بأبشع أنواع التعذيب النفسي والجسدي وقد مكث مجموعة من قيادة الحركة السياسية الكردية أكثر من سبعة سنوات في السجن وتم إطلاق سراحهم بعد هذه السنين الطويلة من دون محاكمات.
هذا المشروع يعتبر الأخطر من بين جميع المشاريع الأخرى كونه إستيطاني وإستعمار للأراضي الكردية. مازال هذا المشروع قائماً، وله إستمرارية.
ففي 3/4/2007 فوجئنا بقرار وزارة الزراعة رقم 12/16/م ز/3-4-2007 بجلب خمسة الآف عربي جديد إلى منطقة ديريك الكردية. وذلك إيذاناً بتحرك شوفيني جديد لمحو آخر المعاقل الكردية من الشمال السوري وتعريبه.

خامساً-تغيير أسماء القرى والمدن الكردية:
لقد بلغ مجموع القرى والمدن الكردية التي تم تعريب أسمائها الكردية إلى أسماءٍ عربية”716″ قرية وبلدة في محافظة الحسكة ومنطقة كوباني ومنطقة عفرين. وهنا بعض الأمثلة للتعريب:سرى كانية(رأس العين)-كوبانية(عين العرب)-وهكذا.

سادساً-حوادث القتل الجماعي للكورد في سورية:
1- في 31/11/1960–بمؤامرة قذرة تم حرق سينما عامودة بمن فيها 380طفلاً كردياً، حصروا في السينما لمشاهدة احد أفلام الثورة الجزائرية، فحرقت السينما على رأس هؤلاء الأطفال أمام أنظار الحكومة من دون أن يحركوا ساكناً. ولم يجر أي تحقيق حتى الآن لهذه المجزرة.
2- 23/3/1993 تم إحراق سجن محافظة الحسكة وحرق فيها 72 سجيناً من السجناء السياسيين الكرد. الحريق بدأ في منتصف الليل ولم تأت الإطفائيات إلا في ظهر اليوم التالي. ومازالت هذه المؤامرة مجهولة ومن دون تحقيق.
3- حملات الإعتقالات السياسية مستمرة من 20/آب/1960 وحتى الآن ولم تفرغ يوماً السجون السورية من السياسيين الكرد.
4- في 12/آذار/2004 قامت قوات الأمن السورية بإطلاق النار والرصاص الحي ومن دون تمييز وبشكل عشوائي على المواطنين الكرد العزل والمدنيين فقتلت العشرات، وجرح المئات ولاحقاً أعتقل الآلاف من أبناء الشعب الكردي المناضل.

سابعاً-أمثلة على سد باب العمل والسياسة العنصرية ضد الكرد في سورية:
1-الجيش السوري يبلغ تعداده اكثر من نصف مليون عسكري لا يوجد فيه ضابط كردي واحد! مع العلم إن كل الأكراد المواطنين يخدمون خدمة إلزامية في الجيش السوري لمدة سنتين ونصف السنة.
2-يوجد العشرات من السفارات السورية في الخارج-لا يوجد لا موظف، ولا قنصل، ولا سفير كردي.
3-البرلمان السوري-من أصل 270 عضواً لا يوجد في هذا البرلمان كردي واحد يمثل الأكراد.
4-في كل الحكومات السورية المتعاقبة لا يوجد فيها وزير واحد يمثل الكورد.
5-في تاريخ محافظة الحسكة ومنطقة كوبانية ومنطقة عفرين لم يكن يوماً من الأيام لا المحافظ ولا القائمقام من الكرد وكذلك الأمر بالنسبة للنواحي والأقضية فخلال خمسين عاماَ دائماَ مدير الناحية ومدير المنطقة والمحافظ هم دوماً من العرب المعادين للكورد.

***

في النهاية، كردستان سورية مهددة اليوم أن تفقد ملامحها الكردية وعمليات التغيير الديمغرافي والتعريب والتخريب الإقتصادي في كردستان سورية مستمرة على قدم وساق. حيث يعيش معظم أبناء الشعب الكردي في سورية في ظروف معيشية صعبة جداً وتعانى من الخراب الإقتصادي حيث تحولت مناطقنا إلى مصدر للمواد الأولية واليد العاملة الرخيصة وسوقاً لصرف المنتجات القادمة من المنطقة العربية. وتحول الشعب الكردي بأكمله أسير حالته المعيشية اليومية ويعاني من البؤس والحرمان والفقر والإضطهاد القومي. إن هذه الأعمال الإجرامية للحكومة السورية ضد مواطنيها الكرد وحسب الأعراف والقوانين الدولية تصب في خانة تصفية الشعب الكردي في سورية-وهو شكل من أشكال الإبادة الجماعية!

27/11/2007

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *