الرئيسية » مقالات » حجارة الذهول والوجع بين الإنتفاضتين‏

حجارة الذهول والوجع بين الإنتفاضتين‏

عندما‎ ‎أطلقت انتفاضة الأقصى جناحيها لرياح المجد،‎وحلّقت في سماء البطولات تذود عن الوطن، تُقدّم مشاهد للبطولة والتضحية في ‏كل‎لحظة من نبضها وكل يوم من عمرها، تساءل البعض عن وجوه الشبه والاختلاف بينها وبين‎ ‎شقيقتها انتفاضة 1987، ونحن ‏إذ نتجول في بساتين الأدب وحدائق الشعر يجدر بنا أن‎ ‎نقف فعلاً لنتعرف على ملامح كل منهما وعن ميزة – كل واحدة عن ‏الأخرى.‏

عندما استيقظت الضمائر على صباح الثامن من كانون أول/‎ديسمبر 1987، تعلقت العيون والقلوب بالأطفال الذين قهروا بحجارتهم ‏أسطورة جيشٍ لا يقهر!! حينها أصاب العالم “الانبهار” بقيت”‎الدهشة”‎و “الذهول” ملامح‎لوجوه الناس وقصائد الشعراء التي ‏غنت على وهج الحجارة المقدسية التي أعادت البسمة إلى شفاه المؤمنين بها بعد أن راهن البعض على أن القضية ‎تلفظ أنفاسها ‏الأخيرة.‏
ولذا لم يكن غريباً أن يجعلها الشاعر هارون هاشم رشيد أسطورة مجد لا تغيب، عنوانها ولم يأت الزمان بمثل ما أتى به على أيدي ‏هؤلاء الأطفال.‎

أسطورة‎ ‎المجد، أطفال الحجارة في … هذا الزمان الذي يهوي وينكسرُ
أسطورة‎المجد، ما جاد الزمان بها … جادت به طفلة ‎في كفها حجرُ
أسطورة المجد، ما الخنساء صابرةٌ … فعندنا ألف خنساء لها أثرُ

أما‎الدكتور عبد الرحمن بارود فيسكب في قلوب الظامئين‎الأمل، فهؤلاء الفتية هم غرة الفجر الذي طالما تشوق له أحباب الدار ‏وعشاق الشهادة‎..‎

همو غرةُ الفجر الذي غرّدت له …
قوافلُ ليلٍ أثقلتها السلاسلُ
وحمر‎المنايا في يدينا لجامها …
إذا ما ركبناها تشيب المعاقلُ
وما‎دام عشاق الشهادة في الحمى …
فكلُّ الذي شاد‎الطواغيت زائلُ
وإذا كان هذا هو حال الانبهار والدهشة لدى شعرائنا فليس غريباً أن يأتي شاعر الأقصى “يوسف العظم” ليجعل من أطفال ‏الحجارة‎فتية أبابيل، ومعجزة من السماء تحمي المقدسات بحجارتها كما فعلت الطيور عندما‎وقفت في وجه أصحاب الفيل قبل أكثر من ألف وأربعمئة عام!!‏

حجارة‎القدس نيران‎وسجيل …
وفتية القدس أطيار أبابيلُ‏
وساحة المسجد الأقصى تموج بهم … ومنطق القدس آياتٌ‎وتنزيلُ
والشعب‎يزحف إيماناً وتضحية …
ما عاد يوقف زحف الشعب تنكيلُ
تكلم الحجر القدسي فانتفضت … سواعد الصيد واندكت‎أباطيلُ

ولا عجب إذن أن ندخل مرحلة متميزة إذا كان هذا الحجر‎القدسي هو امتداد معجزة الطيور الأبابيل.‏
الشاعر‎محمود مفلح يكاد يرد بقصيدته التي بين أيدينا على الذين عملوا على حرف القضية عن مسارها وكادوا أن يلقوا بها في ‏مهاوي الردى،‎ولذا جاء بـ‎”طفل‎العقيدة‎”‎يرد‎على جحافل الخطباء والشعراء بأن الحل الحقيقي يكمن في الحجر ولا شيء ‏غيره..‏

هذا هو الرد لا شعرٌ ولا خطبُ …
وإنّما ثورةٌ في الأرض تلتهبُ
نمد أجسادنا للشمس نزرعها …
على الصخور فيجري الماء والعشبُ
لقد تألّق في آفاقنا حجرٌ …
حتى رأيت إليه الغار ينتسبُ
طفل الحجارة بل طفل العقيدة في … مساقط النار لا‎خوفٌ ولا رهبُ
هذا‎ ‎هو الرد لا لاءٌ ولا نعمٌ …
ولا صراخٌ ولا لومٌ ولا عتبُ

لقد بدأ زمنٌ جديد يقف على أعتاب مرحلة متميزة فلا‎ ‎عجب إذن أن يهدم الأطفال بحجارتهم حاجز الخوف كما في رؤية الشاعر ‏أحمد الصديق يرى‎ ‎من خلالها أن ابن الإسلام هو الذي يتقدم ليكون عنواناً لها ورمزاً لبطولتها..‏

حاجز الخوف‎ ‎تهدّمْ
فتقدمْ‎.. ‎يا أخا الإسلام والنور.. تقدم
فجر الأرض على الباغين ناراً وسعيرا واملأ الدنيا زئيرا
فارس الميدان أنت اليوم…
فاضرب.. وتقحمْ!‏

أما “الحل‎الوحيد هو الجهاد”‎فهي صرخة‎من الصرخات الشعرية للدكتور محمد صيام يسلط فيها الضوء على مشاهد الانتفاضة‏مستفيداً‎من معايشته لها في فلسطين يحولها إلى انتفاضة شعرية تحكي عن‎”ذهول” العالم‎والعدو مرة أخرى..‏

صرعوا العدو، وأذهلوه، وعودوه على الفرار‏
وهو الذي فرت أمام جيوشه دول كبار
ولهم على القمع اصطبار لا يدانيه اصطبار
في الليل لا يثنيهموا منع التجول والحصار
والويل‎كل الويل – للمحتل – إن طلع النهار‏
هذه مشاهد شعرية من ملاحم وبطولات، ولذا يحق للشعراء أن يطلقوا ما أرادوا من ألقاب على أطفال الحجارة إن كانوا أسطورة أو فتية أبابيل‎أو مارداً كما عند المرحوم عمر بهاء الدين الأميري.‏

ضاق ‎بالقمقم واستعلى‎عليه فتكسر
وانبرى‎من سجنه مثل شهاب وتحرر
عقد‎العزم أبياً ومضى لا يتعثر
صائحاً‎: ‎الله أكبر

‏*الدرة‎… ‎وجع الأقصى

أيقظت‎قلوبنا بعد طول رقدة في الكهف هرباً من أوسلو وأزلامها، وأطلت علينا بعام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون بعد سنين التسوية ‏العجاف،‎انتفضت في ألسنتنا كأجمل الحكايات المقدسية مثلما حلقت في فضاءاتها قصائدنا‎وأحلامنا. خرجت من تحت الرماد الفلسطيني حمماً تقذف الصهاينة بلهيب حجارتها تدافع عن طهر المدائن ونداءات المآذن ودروب الوطن الحبيب… إنها انتفاضة الأقصى‎التي لم تكد تحفر سطورها الأولى في أسوار القدس حتى فجعت معنا برحيل الدرة محمد‎في مشهد هولوكوست صهيوني من أكثر الفصول الدموية ألماً، والذي زادها بشاعة أنها توثقت عبر كاميرا الألم لتنقل في كل لحظة وجعاً خالداً تزامن مع ميلاد ‏فجر مقدسي منتفض جديد.‏

لقد جاء استشهاد الدرة بعد يومين اثنين فقط من تفجر‎لهيب الانتفاضة فخلط الدموع بالدماء والآلام بالآمال ليسكب الوجع في ‏ملاحمنا، وتطل علينا حجارة الوجع بعد أن كنا نتغنى بحجارة الذهول والانبهار، وليصبح درة الشهداء‎بعدها حلماً جريحاً لا ‏يفارق أخيلة الشعراء كل يحاول أن يزين بحر قصيدته بهذه الدرة الفريدة.‏
فهذا الدكتور جابر قميحة في ندائه إلى فتى الانتفاضة‎يجعل من الثأر لدماء الشهيد الحبيب مطلباً لا يغيب عن ذاكرة الفتى ‏المنتفض‎ولا عن حجارته التي لا تلبث في عنفوانها أن تعيش في خضم الجراح وآهات الشعب‎ ‎الشريد..‏

ارفع حجارتك العتية …
وارجمن بها اليهود
مشحونة‎بدم الجراح …
وآهة الشعب الشريد
واثأر‎لدرتنا الحبيب …
وكل من يمضي شهيد
اصمد‎وقاتل لا تهن
فلأنت فارسها الوحيد
واعلم بأن الحل في
الرشاش والحجر العنيد

لقد ارتسمت هذه الحقيقة في وجدان الشعراء فأخذت‎ ‎الجريمة البشعة تجد بعداً آخر في نفوسهم وفلسفة عميقة تتجاوز الاسم وتحدق ‏أكثر في الصورة لتعطي بعداً جديداً للحدث، وهذا ما نجده بوضوح في القصيدة الثانية للشاعر‎ ‎عبد الرحمن العشماوي في رثاء الدرة رداً على من قالوا بأن الشهيد اسمه محمد وليس‎ ‎رامي كما جاء في قصيدة الشاعر الأولى، فجاء رد العشماوي عليهم ‏شعرياً في شكله فلسفيا في مضمونه مواصلاً السير في درب الوجع..‏

هو رامي أو محمد
صورة المأساة تشهد
أن جرح الأمة النازف منها لم يضمد
أن دين المجد مازال علينا لم يسدد
أن باب المجد ما زال عن الأمة يوصد
أن أشجاراً من الزيتون تجتث
وفي موقعها يغرس غرقد

ويواصل شاعرنا التهادي بين أنياب الوجع دون أن يستسلم‎ ‎له، مؤكداً أن الحجارة وجيلها هم كوكبة الشهداء من محمد وصحبه.‏
هم شموخ في‎ زمن أعلن الذل انكساره
هم وقود العزم والإقدام عنوان الجسارة
هم جميعاً جيلنا الشامخ أطفال الحجارة

والمرارة تسافر أكثر في شرايين قصيدة (أقول لأمتي) ‎في نداء بثه الشاعر فيصل الحجي بلغة نارية تحمل اللائمة على من خذلوا ‏الشهيد‎ ‎وهم يشاهدون بصمت فصول الجريمة ولا يحركون ساكناً في تخاذل يتجاوز في ألمه سهام‎الخصوم، مستمداً هذه المعاناة ممن سبقوه قديماً حين قال أحدهم: وظلم ذوي القربى ‎أشد مرارة..‏

محمد‎ -‎درة الشهداء – قل لي …
من الأنكى عليك من الخصوم
ومن خذلوك في كل السرايا …
وقد وعدوك بالنصر العظيم
ومن بخلوا عليك بنصل سيف …
فلم تشهر سوى الحجر‎ ‎الكريم
ومن‎منحوا الصهاينة اعترافاً …
وقد طعنوا القضية‎في الصميم
فمن حق الحجارة أن تنادي …
وتغضب من تخاذلنا العقيم

إنها مناجاة تفيض بتساؤلات باكية لا تنتهي، تساؤلات يعرف شاعرنا إجابتها جيداً ولكنه يريد أن يوصلنا إلى أن ثمة جلاد حقيقي آخر‎شارك في الجريمة، إنها تساؤلات تنكأ الجراح وتغرس الوجع وتكاد أن تحرق الأمل، إنها تساؤلات الدفاع عن الحجارة التي‏حضرت عندما غابت الأسلحة والمدافع، وكانت في خندق‎ ‎الصهاينة عند اعترافها بالعدو وخذلان الشعب المسكين وإلقاء الوعود ‏الخادعة في بداية‎ ‎نزيف المعركة قبل أعوام طويلة.‏
ولعل د. عبد الرحمن بارود في قصيدته الأخيرة يتكلم بكل وضوح عن هذه المعاني التي سبقت في مشهد للحجارة الموجوعة ‏والمحاصرة بالدبابات حتى أنه لم يترك لنا مكاناً للشرح والتعليق!!‏

خمسون دبابة في الحي تقصفنا …
كم قهقهت إذ رمينا نحوها الحجرا
لو كنت أحمل صاروخاً على كتفي …
أو أربجيها كفاني وجهها القذرا
ما للحدود حوالينا مغلقة …
لم نستطع معها وردا ولا صدرا
أطلق يدي وفك القيد عن عنقي …
وافتح لي الباب وانظر بعد كيف ترى

نداءات تتوالى وصرخات تعلو فماذا بعدها؟ وماذا سيولد من رحم المقاومة التي تنزف من خنجر الخذلان العربي؟ إنه السؤال عن ‏النصرة بالسلاح‎ ‎مطلب الانتفاضة الموجوعة والتي ما انحنت رغم كل ما أصابها من رصاص الأعداء وتقاعس الأقرباء.‏

وإذا كان لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون فإن الوجع لا يمتد إلى أن يصبح قنوطاً ويأساً بل إنه ثورة تتجدد لما في دماء الشهداء من أعاجيب حيث أنها الوحيدة القادرة على إضاءة قناديل البطولات حتى وإن ظلت مسحة الوجع تخيم في القلوب كما عند الشاعر عبد الغني المقرمي:‏

خذوني إلى ربوة
نام تحت ثراها محمد
لأسأل عن وطن وسدوه التراب
فأشرق في دم أترابه ثورة تتلظى
ودرباً من العنفوان يطول ويمتد
خذوني‎.. ‎إلى قمر ودعته الديار
فعاد على متن عاصفة ثورة تتجدد
إنها مشاعر تفجرت بعد أن عاد الأقصى بانتفاضته إلى واجهة القلب محفور على جدرانه، ومعلقة في أرواح الشهداء الصاعدة إلى جوار بارئها لتسكن في حواصل طيور خضر.‏
وليس آخراًً ، فانتفاضة الوجع بما تسكبه من دماء غاليات للأطفال الثائرين وأحلام الوطن ورمزها الخالد بإذن الله تعالى المسجد ‏الأقصى، كلها جاءت في (بطاقة إلى الأقصى) التي اختصرت المشاهد في لوحات شعرية موجوعة وثائرة في آن واحد للشاعر سليمان العيسى.‏

سلام على الأقصى يخضبه دم …
وطفل قتيل في الدمار يبرعمُ
سلامٌ‎على الأقصى ونحن حجارة … تصب عليها النار رعباً جهنمُ
سلامٌ على الأقصى وتخبو انتفاضة … لتشعل ألفاً هذه الأرض أكرمُ
سلامٌ‎على الأقصى وكل رصاصة … ستوقظ جيلاً بالشهادة يحلمُ

لقد‎اختصرت هذه البطاقة حديثنا عن حجارة الذهول والوجع بين انتفاضتين حين يقول شاعرنا:‏

سلامٌ على الأقصى وليس بحاجة…  إلى شاعر حين الدما تتكلمُ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *