الرئيسية » مقالات » رسالة ثانية مفتوحة إلى السيد مقتدى الصدر

رسالة ثانية مفتوحة إلى السيد مقتدى الصدر

السيد مقتدى السيد محمد صادق الصدر المحترم
تحية طيبة
خلال السنوات الأربع المنصرمة منذ سقوط نظام صدام حسين الدكتاتوري على أيدي القوات الأجنبية وفرض الاحتلال على العراق , ثم رفعه رسمياً وبقائه عملياً , وأنا أتابع حركة وفعل التيار الفكري والسياسي الصدري وجناحه العسكري ميليشيا جيش المهدي ضمن متابعتي للوضع السياسي والقوى السياسية الفاعلة في العراق. وقد كتبت الكثير من المقالات محاولاً تحليل طبيعة وبنية هذا التيار وجيشه ووجهة نشاطه , كما عملت ذلك مع بقية القوى والأحزاب السياسية التي وجت ضرورة البحث فيها بسبب دورها وعملها وتأثيرها في أحداث العراق في المرحلة الراهنة. ولم تكن لدى أية أحكام مسبقة على بعض القوى والتيارات الفكرية والسياسية , ومنها التيار الصدري بوضعه الجديد , رغم معرفتي الجيدة بحزب الدعوة الذي قاده لفترة غير قصيرة السيد الشهيد محمد باقر الصدر , إذ أن التيار الصدري الراهن هو شيء جديد إلى حد ما رغم علاقته بمؤسسة الصدر التي تأسست في لندن في فترة سابقة قبل سقوط النظام.
ومن خلال دراستي وتتبعي لنشاط وعمل ودور التيار الصدري وجناحه العسكري , “جيش المهدي” ثبت لي دون أن تكون لي قبل ذاك أي معرفة بكم , ولكن بفكر عمكم الشهيد السيد محمد باقر الصدر بشكل خاص وببعض كتابات وأعمال والدكم الشهيد السيد محمد صادق الصدر , بأن تياركم وجيشه يتسم بثلاث خصائص أساسية , وهي:
1. تيار فكري وسياسي وعسكري يمارس نهجاً طفولياً أو صبيانياً وغير حكيم في كل الأحوال في العمل الفكري والسياسي وفي الممارسات العملية اليومية إزاء الدولة والمجتمع وإزاء المنطقة والعالم , وبشكل خاص في تصريحات بعض أبرز أقطابه ومنهم أنتم , وهو تعبير عن غياب الوعي العقلاني بواقع الحال في العراق وتأثركم المباشر بتجارب الجيران , رغم التزامكم ببعض قضايا الناس الفقراء والمعوزين والجمهرة الأمية الواسع في المناطق الشعبية التي سحقها النظام ألصدامي وغاب عنها العلم والتنوير والقوى الديمقراطية , إذ أن التزامكم لقضايا الفقراء وتوزيع الأموال والعينيات عليهم , كما يبدو لي , هو المعبر أو الوسيلة لوصول إلى الناس البسطاء والطيبين وتحشيدهم بالوجهة التي تسعون إليها وليسوا الهدف من وراء ذلك النشاط.
2. والتعمق بدراسة تياركم من الناحيتين الفكرية والسياسية سيد الباحث نفسه أمام فكرٍ انتقائيٍ مشدودٍ إلى ماض سحيق لا يعود إلى الحاضر بأي صلة ولن يعود هذا الماضي إلى واقع الحياة رغم الموجة الراهنة التي تسبب بها النظام الدموي وحروبه وعمليات تجهيله وغيبوبة الوعي وغياب عملية التنوير والديمقراطية. وحركتكم الاحتجاجية هذه هي من بقايا حركات سياسية محبوسة بقيود الماضي والذكورية المتنمرة وفرض عبودية المرأة. إنها رؤية انتقائية متخلفة تجمع بين فكر القاعدة وطالبان من حيث الوجهة السلفية , والفكر الشيعي المغالي والمتطرف في بدعه وسلوكه , رغم الدعوة لوحدة السنة والشيعة المهلهلة. إنها النسخة الشيعية لفكر بن لادن مع إضافة المزيد من البدع المضرة بالإسلام كالضرب بالسيوف والقامات على الرؤوس (التطبير) والضرب بالسلاسل على الظهور واللطم على الصدور والموقف من الرياضة والموسيقى والغناء والمرأة وما شاكل ذلك.
3. وهي حركة تتميز بالعنف وممارسة القوة لإقصاء الآخر , بل للخلاص منه كلية بإزالته من على وجه الأرض. وهي حركة تعتبر الغاية تبرر الوسيلة , بما في ذلك استخدام السلاح للتخلص من المخالفين والمختلفين والمعارضين. إنها حركة مغامرة وطائشة في آن , ولكنها تتسم بالخطورة على الإنسان وفكر الإنسان وعلى المجتمع.
وعلى هذا الطريق ارتكب التيار الصدري وجيشه الكثير جداً من الأخطاء والمظالم وأشاع الفوضى والخراب والدمار في الكثير من مناطق البلاد وعطل الوصول إلى تعزيز الأمن والاستقرار وتسرب على أجهزة الدولة المدنية والعسكرية وأشاع البؤس والخراب والموت فيها , ولم يختلف التيار الصدر وجيشه في ذلك كثيراً عن قوى القاعدة أو عن هيأة علماء المسلمين السنة التي يقودها الطائفي حتى النخاع والمغامر الطائش الدكتور حارث الضاري , أو عن ميليشيات إسلامية سياسية طائفية شيعية وسنية أخرى و في دورها الفعال في تسميم الأجواء العراقية والتسبب في موت الكثير من الناس العراقيين الطيبين من النساء والرجال والأطفال.
لم اكتب المقالات عنكم عبثاً ولا رغبة في الإساءة لكم شخصياً أو للتيار الصدري , بل كنت أرغب صادقاً أن أوجه انتباهكم إلى الهاوية التي تدفعون أنفسكم والعراق إليها , سواء أكنتم على دراية بذلك أم بغفلة حقاً. كما جاء هذا التنبيه برسالة مفتوحة وجهتها لكم شخصياً بتاريخ الثالث عشر من شهر أيلول/سبتمبر 2006 , حيث جاء فيها جوانب من دراستي وتحليلاتي وتقديراتي الشخصية حول الوضع في العراق وحول بنية وممارسات التيار الصدري وجيش المهدي. أتمنى أن تكون تلك الرسالة قد وصلتكم واطلعتم عليها , إذ أني اعتمد عليها في كتابة هذه الرسالة الثانية.
اقتطف بعض ما جاء في تلك الرسالة حول طبيعة جيش المهدي , وأرجو أن لا تغضبكم هذه المقتطفات لأنها تعبر عن واقع حال وليس فيها أي اجتهاد يمكن أن ينسب لي :
” لقد أسستم جيشاً يتكون اليوم من جماعات خمس متباينة في بنيتها وطبيعتها وتفكيرها وأهدافها , وهي:
1. جماعات مؤمنة حقاً بما تقولونه مستندين في ذلك إلى كونهم كانوا يقلدون الوالد أثناء حياته ويثقون باجتهاداته , وبالتالي فهم معكم لهذا السبب وليس بسببكم شخصياً. كما أن بعضهم يتمنى أن تغيروا خطكم ولكنه غير قادر على التصريح بذلك , إذ أنه مهدد بالغياب عن هذه الدنيا , وهو غير راغب بذلك.
2. جماعات طائفية متطرفة تجد الوضع الجديد مناسباً لممارسة الانتقام من أهل السنة, إذ تتصور أنها هي التي اضطهدت العرب الشيعة واستغلتهم , في حين أن النظام السياسي هو الذي مارس ذلك وليس أهل السنة كأفراد وجماعات , إذ كان بين قوى نظام الحكم الكثير من الشيعة , إضافة على أكثرية سنية عربية.
3. وعليً أن أشير , وأنتم طبعاً أدرى بذلك , إلى أن في صفوف جيش المهدي من يتبع خطى أجهزة الأمن الإيرانية والحرس الثوري أو جماعات بسيج والقوى الأكثر تطرفاً , إذ تدرب هؤلاء أثناء وجوده في إيران على أيديهم وأصبح تابعاً لهم , ويسعى إلى تحقيق أهداف إيران في العراق, سواء أكان ذلك بتشديد الصراع مع القوات الأجنبية أم مع القوات العراقية أم مع المليشيات المسلحة العراقية الأخرى. وأن هؤلاء , وأن حملوا الجنسية العراقية , فهم يحملون الذهنية والهوية الفارسية والمذهبية المتشددة فعلياً. فهم والحق يقال حصان طروادة داخل تياركم وداخل قوى الإسلام السياسي العراقية وداخل المجتمع العراقي!
4. جماعات شيعية قادمة من حزب البعث وأجهزته الأمنية وأجهزة التعذيب والسجون ممن تتصورون أنها مارست التوبة على أيديكم (!) , في حين أن ما يهمها هو بث الخلافات في صفوف المجتمع وتنشيط الصراع والقتل وإشاعة الفوضى باسم جيش المهدي والاستفادة من الأوضاع لتحقيق مآربهم الشخصية ومصالحهم , وهم في ذلك ينفذون أهدافاً ومصالح أخرى ويستخدمون التيار الصدري وجيش المهدي غطاءً ساتراً لهم.
5. جماعات مرتبطة بقوى الجريمة المنظمة التي تمارس جرائمها بكل حرية وتستخدم وجودها في جيش المهدي كستار واقٍ لها يحميها من غضب السلطات العراقية والقوات المتعددة الجنسية والناس. كما أن بعضهم يعمل في زراعة المخدرات والمتاجرة بها والتي تساهم في تخريب وعي الإنسان وتحطيم إرادته الحرة.
من هنا اعتقد بأنكم أطلقتم عفريتاً متوحشاً من قمقمه ووجهتموه نحو الساحة السياسية العراقية وسلمتم بيده أحدث الأسلحة التي سرقت من مستودعات الجيش العراقي أو التي وصلتكم من فيران أو من مواقع أخرى , حيث راح يعبث بالأمن والاستقرار في البلاد وينشر إرهاباً وفساداً وموتاً واسعاً دون أن تعرفوا تماماً ما يقوم به أو أنكم تعرفون به ولا تتحدثون عنه لكي لا تحرجوا أنفسكم وهذه المجموعة المسلحة , وبهذا تشاركون في تبعات ذلك , أو أنكم في أحسن الأحوال عاجزون عن إعادة العفريت المنفلت من عقاله إلى “قمقمه”. ثم قلت في ذات الرسالة الموجهة لكم ما يلي:
” إن ما يمكنكم القيام به هو حل جيش المهدي وطلب الغفران عما قام به هذا الجيش باسمكم من أفعال محرمة في كل الأديان السماوية والقيم الإنسانية والتقاليد الشعبية في العراق , وتقديم المسئولين عن كل ذلك إلى القضاء العراقي لتأخذ العدالة مجراها الطبيعي”.

الأخ السيد مقتدى الصدر
بعد تجميدكم لجيش المهدي لمدة ستة شهور , وما حصل في بعض المناطق , تأكد لي بما لا يقبل الشك بأن هذا الجيش كان مسئولاً عن الكثير من الأعمال الخارجة عن القانون , وهو ليس سوى أداة ضاربة لكل القوى العراقية شيعية كانت أم سنية , مسيحية كانت أم صابئية مندائية أم إيزيدية , عربية كانت أم كردية أم أية جماعة قومية أخرى , فَمهمة هذا الجيش هو العبث بحياة الشعب والبلاد والسيطرة على الحكم!
ليس من طبيعتي وبعد أن خبرت الحياة السياسية العراقية لما يقرب من ستة عقود أن أجمالكم أو أن أخفي رأيي بشأنكم عنكم ولا أجد مبرراً لذلك. وإذا كان من واجبي أن أناقشكم بكل احترام وأحافظ على أدب الحوار معكم ومع غيركم , فهذا لا يمنعني بل يفرض عليَّ كمواطن عراقي أن أكون صريحاً معكم وأشير إلى ما أنتم فيه وعليه , وإلى أين تدفعون بالبلاد , إن واصلتم السير على هذا الدرب الخطر الذي سيكون مليئاً بالمزيد من الكوارث الجديدة للشعب العراقي.
يبدو لي أنكم اكتشفتم حقيقة هذا الجيش الذي تقودونه حين قررتم تجميده بعد أحداث المدينة التي ولدت فيها , كربلاء , أو أنها محاولة منكم لحني الرؤوس إلى حين مرور العاصفة ثم تعودوا لرفع الرؤوس ثانية وتباشروا ما بدأ به جيش المهدي. علماً بأني كتبت عن هذا الجيش المليشياتي المسلح في بداية تأسيسه وحذرت من هذه الخطوة وذكرت بمكوناته غير السليمة , ولم تكن تلك الرسالة إلا تتويجاً لعشرات المقالات حولكم وحول تياركم الصدري وحول جيش المهدي. لقد قررتم تجميد هذه المليشيات ستة شهور فقط , ولكن الأفضل لكم وللمجتمع العراقي أن تقوموا بحل هذا الجيش الذي غاص في الجريمة من أخمص قدميه حتى قمة رأسه. وليس من فائدة في وجوده , بل فيه أكبر الضرر عليكم وعلى المجتمع والدولة العراقية.
هل تعرفون أنكم , ودون أن تدركوا ذلك , نصَّبتم من نفسكم الإمام المهدي حين أسستم جيشاً باسمه وأصبحتم المسئول الأول عنه , وبالتالي بدأتم تمارسون ما تتصورون أن الإمام المهدي وجيشه كان سيمارسه لو عاد إلى الدنيا ثانية. ولكن ألا تشعرون بالمفاسد التي يمارسها هذا الجيش والقتل الذي اتهم به على مدى السنوات المنصرمة منذ تأسيسه؟ كم أتمنى عليكم أن تعيدوا النظر بذلك بعد أن كبتم في العمر قليلاً وأتمنى أن تكون قد نضجت لديكم بعض الأفكار غير التي سادت حتى الآن.
كم كان بودي أن تتركوا السياسة وتدخلوا الحوزة الدينية في النجف وتتعلموا على تعاليم الراحل السيد أبو القاسم الخوئي , وأن تتخلوا عن تعاليم وتوجيهات وتقليد آية الله العظمى السيد كاظم الحسيني الحائري , أو الشيخ عبد الهادي الدراجي أو غيرهما ممن يزيدون من وقوعكم في هوة الفوضى الفكرية والسياسية
تتبجحون بعدائكم للاحتلال وكأنكم وحدكم تعادون الاحتلال أو تقفون ضده. ولدي الثقة بأن الغالبية العظمى من بنات وأبناء الشعب العراقي بكل مكوناته ليسوا مع الاحتلال ولا يريدون وجود قوات أجنبية في البلاد. ولكنكم لستم ضد الاحتلال لأنه يمثل قوة أجنبية محتلة , بل هي ناجمة من خشيتكم القاتلة من الحضارة الغربية ومن الفكر الحر والديمقراطي الغربي وكل ما يأتي من الغرب من منجزات علمية وحضارية حديثة , رغم ما يأتي معه من جوانب سلبية أيضاً. فأنتم لستم ضد الاحتلال بمعناه الصحيح , بل أنتم ضد التقدم والدولة الديمقراطية والعلمانية وضد كل ما يتطلع إليه الشعب العراقي من تحرر وتحرير للفرد والفكر والمرأة.
إن من يرفع السلاح في الوقت الحاضر , يعني دون أدنى شك أنه يريد وبصورة غير مباشرة استمرار وجود القوات الأجنبية في العراق واستمرار الاحتلال وإبقاء الثلم الراهن في الاستقلال والسيادة الوطنية. ولهذا لا بد من ممارسة سياسة أكثر عقلانية وأكثر بعداُ عن التطرف والعنف , عندها يكون رفع شعاركم ضد الاحتلال سليماً وصادقاً.
أتمنى لكم موفور الصحة والسلامة.
د. كاظم حبيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *