الرئيسية » مقالات » الدكتور بدري حسون فريد والجزء الثاني من: قصتي مع المسرح

الدكتور بدري حسون فريد والجزء الثاني من: قصتي مع المسرح

(الذهاب إلى أمريكا للدراسة والاشتراك في انتاجات مسرحية)
فروض الغواية ولذة الكفاح

تظل الموهبة أولا وأخيرا الحافز الأساس للوفاء في تفجّرها والحفاظ على مسارها رغم العوائق الخاضعة لظروف موضوعية وذاتية تلك التي قد تؤجل لوقت،بداياتها الواعدة بالكثير واستمرارها ودفع الفنان لبذل المزيد من الجهد الإضافي لظهورها لكن الرائد بدري حسون فريد لم يأبه للنتائج التي قد تترتب بسبب إبراز موهبته وقدرته على الخشبة حتى وان اختلفت اللغة المحكية، وهي ليست اللغة الأم التي تربى وعاش ونهل منها وهذا تحدي كبير لفنان كبير قد يشكل النكوص في التواصل والتمكن من هذه اللغة إحباطا في مسيرته كفنان يتواشج مع المسرح ليس كونه وسيلة للظهور والشهرة والسعي للربح المادي، بل هو أمر كياني ومسالة وجود بعد إن بات أي تراجع عن هذا المنحى الحياتي في التعامل مع تفاصيل الحياة بكل مشاربها وتعقيداتها موقفا لا رجعة فيه، وهو تحد مقدس لأنه يؤسس لقيم وتقاليد ليست فقط لراهنية العطاء بل للقادم من الأجيال التي تنهل تجارب لرواد بذلوا الكثير وعانوا الأمرين ليمهدوا الطريق لهم، وعرفانا لتلك الجهود الخيرة فإنها ستدين حتما بالوفاء لهؤلاء الرواد الكبار. وحين يذهب فنان في بداية مشواره الفني لتكملة تحصيله الدراسي والتزود بمناهل معرفية في حقل اختصاصه والتعرف على الجديد على المستوى النظري امرأ طبيعيا رغم متاعبه، ولكن المثير هو ذلك الإصرار في التفاعل مع حركة المسرح الأمريكي رغم ركاكة اللغة، ليصبح لاحقا جزءا منه ويوطد علاقات مع كبار الرواد من الفنانين الامريكين العمالقة في ذلك الوقت وهذا الانجاز يشكل إضافة كبيرة للمسرح العراقي بالانفتاح على تجارب مسرحية كبيرة ويؤسس لذلك التقارب الذي أغنى كثيرا تجربة المسرح العراقي قياسا لتجارب مسرحية عربية كثيرة، وإذا ما عدنا لتاريخ المسرح العربي ورواده الكبار لوجدنا أن تجربة الكبير بدري حسون فريد وسعيه إلى تحقيق الانتقالة النوعية في حالة المسرح العراقية والنهوض به من خلال حالة التزاوج مع تجارب مسرحية رائدة يشار لها بالبنان دون أن ننسى جهود الفنانين الكبار من أمثال جعفر السعدي وإبراهيم جلال وجاسم العبودي وغيرهم، وهنا ينبغي على الدارسين وموثقي تاريخ المسرح العراقي عدم إغفال تلك الجهود الخيرة لهؤلاء الكبار وايلائها كل التقدير والاعتزاز لما قدموه من بذل كبير لأجيال مسرحية وجدت الطريق إمامهم سالكة للسير على ذات النهج الفني بعطائه الرائع.
سنسلط الضوء في هذه القراءة المتواضعة على أهم المحطات التي توثق لمسيرة الفنان بدري حسون فريد نظرا لما تكشفه لنا من اضاءات قد لا يعرفها المهتمون في المسرح الأمريكي ذاته على حد سواء مع الأجيال اللاحقة من فنانين ومهتمين في المسرح العراقي، تتناول أعمال وكتاب ومخرجين وممثلين كانوا يشكلون دعامات المسرح الأمريكي آنذاك، وان نبش الدكتور بدري حسون فريد في هذه الذاكرة يكون قد أسدى فعلا كبيرا للمسرح الأمريكي بعد تراكم غبار الزمان على أسماء كادت أن تنسى إن لم يكن قد حصل ذلك فعلا، مما يتوجب على أجيال هذا الفن اليوم التشبث بها والنهل من تجاربها الغنية حين كانت الصفة الملازمة لاؤلئك الرواد،الإخلاص والتعلق والحب الصوفي والالتزام الشديد بالعمل وعدم التفريط بأي مكون من مكونات العمل المسرحي، فكان كل شئ له علاقة بالمسرح مقدسا وهدفا نبيلا عندهم، مما يجعلنا نكن التقدير لتك النخبة الوفية لفن المسرح التي قدمت الكثير وبذلت الجهد الوفير لتأسيس قيم مسرحية نبيلة.
يتوزع الجزء الثاني من ( قصتي مع المسرح) على أربع وثلاثين بحثا تمتد أحداثها جميعا من 1961 إلى 1975 وكلها تتحدث عن رحلة الفنان بدري حسون فريد إلى أمريكا للدراسة والاشتراك في انتاجات مسرحية عديدة وانجازاته الكبيرة التي سنأتي على ذكرها لينهي هذا الجزء بعودته إلى الوطن وبداية رحلة المتاعب.
تتطرق جل المباحث الى أهم وابرز الأحداث التي مرت في رحلة الفنان بدري الغنية بالأسماء والأمكنة والمحطات الهامة بطريقة عرض ممتعة وميسرة بسجية الكاتب ورؤياه وطريقته في التناول التي تتسم بالبساطة والعفوية والموضوعية الشديدة وقبل هذا وذاك الحرص الشديد في نقل الأحداث بصدق لا تخلوا من تصاعد وهبوط أنفاس الكاتب حين يمر على محطات تركت في نفسه آثارا باختلاجات مختلفة بصدق شديد، منها الحزين ومنها المفرح ومنها المحير ليلتقط القارئ تلك الأنفاس من بين سطور الكتاب لتتحول أنفاسه هو ويحدث التواشج الجميل ومتعة القراءة اللذيذة. فقط نود أن نعلم القارئ أننا آثرنا ذكر المباحث وعناوينها كما سطرها الكاتب نفسه، وهو ليس نقلا تلقائيا ……. والمرور عليها بعجالة ليكوّن فكرة عن أهم أحداثها قبل الشروع في قراءة التفاصيل. والمباحث هي امتداد لمباحث الجزء الأول كما بوبها الكاتب وضمن تراتبية في التناول ليبقى القارئ على صلة بمتون الكتاب بجميع فصوله الثلاث.

المبحث الخامس عشر: دراستي في أمريكا والانتاجات التي اشتركت فيها.

يقول الفنان بدري حسون فريد في هذا المبحث: كان حصولي على بعثة وزارة التربية لدراسة فنون المسرح مؤكدا، ذلك إنني قد تخرجت من فرع التمثيل من معهد الفنون الجميلة بدرجة شرف وكنت من الأوائل، أنا والزميل سامي عبد الحميد.. وحيث أن الفرصة أو الفرص قد أتيحت بعد ثورة 14 تموز 1958 لكثير من الخريجين في الاختصاصات كافة، حيث سبقني زميلي سامي عبد الحميد للدراسة في لندن وكذلك حسن الناظمي للدراسة في معهد كودمان في شيكاغو الذي تخرج منه في بداية الخمسينات جاسم العبودي، وفي بداية الستينات جعفر السعدي وكان إبراهيم جلال هو الآخر يدرس في ذلك المعهد عند مجئ حسن الناظمي إلى أمريكا….
آثرت أن استعين بهذه المقدمة التي يذكرها الفنان بدري ليتعرف القارئ الصورة المشرقة لتاريخ المسرح العراقي متمثلة برواده الكبار وسعيهم للتحصيل والمعرفة والاطلاع على تجارب مسرحية عالمية من خلال الفعل والتفاعل مع هذه التجارب الرائدة، سعيا لتأسيس مسرح عراقي بمواصفات عالمية.
يتكلم الكاتب عن حلمه في السفر منذ طفولته… لندن- أمريكا- باريس- موسكو أو أي مكان آخر، لتعلم فنون المسرح ومشاهدة التيارات والأساليب المسرحية المختلفة. وقد واجه عقبات عديدة أحبطت مسعاه للسفر، يتطرق الكاتب إلى تلك الموانع وسعيه الحثيث لتذليلها والإصرار على السفر بأية وسيلة كانت، وعند سفره يذكر لنا وصوله إلى لندن في طريقه الى أمريكا والصعوبات التي لاقاها ثم حضوره عرض مسرحية لورنس العرب ومن ثم سفره إلى أمريكا ووصوله إلى شيكاغو محطته الدراسية ومن ثم وجهته الأخيرة إلى معهد كودمان مستخدما لغة ركيكة (عرجاء) وبداية المتاعب والإحساس بالضياع لكثرة ما لاقاه من متاعب في العيش والسكن واللغة حتى لقائه بالراحل إبراهيم جلال ولا يخلوا السرد من طرائف ونكوصات عديدة.

المبحث السادس عشر: اللقاء مع إبراهيم جلال في معهد كودمان شيتر- شيكاغو.1962

كان لقاؤه بالفنان إبراهيم جلال بداية تذليل المصاعب لما قدمه هذا العراقي النبيل من تسهيلات للعيش ووصايا هامة وطبيعة الحياة في أمريكا، ثم احتفاء الجالية العراقية بالفنان بدري وزياراتهم له.
إن عنونة المباحث هو لمساعدة القارئ في تسليط الضوء على أهم الأحداث، ليكوّن فكرة عن المبحث لتكون له بوصلة في الغور في متون الكتاب لان العنوان المغري- وهذا كان قصد الفنان بدري- يخلق فضولا كبيرا ومتناميا للإسراع في معرفة تفاصيل الحدث.
اذكر أنني قرأت مرة مقالة لناقد مسرحي مصري عن تمكن الفنان المصري من الإمساك بأدوات عمله بإتقان وخصوصا المسرحية منها، حين يذكر وبفخر اسمي الفنانين الراحلة سناء جميل والكبير جميل راتب، كونهما يمثلان باللغة الفرنسية ويعتبر الكاتب هذين الفنانين مفخرة للمسرح المصري والعربي لكونهما يسعيان إلى العالمية وتحقق لهما ذلك ، فما عسانا نقول ونحن أمام عمالقة المسرح العراقي الكثر وفي مقدمتهم الفنان بدري حسون فريد وهم يمثلون على مسارح أمريكا وبلغة ذلك البلد، انه أمر يدعو إلى الاعتزاز الكبير بهذه الكوكبة المكافحة التي ضحت بالكثير من اجل الوصول بالمسرح العراقي إلى هذا الشموخ وتلك الريادة البهية. يبقى السؤال الكبير هل أن فناني اليوم من العراقيين على بينة بهذه الانجازات الكبيرة من لدن الرواد؟ وهل هم يسيرون على ذات الخطى التي ما عرفت هدأة أو فتور؟
بكثير من الفرح يسرد لنا الفنان بدري لقاءه بالمرحوم إبراهيم جلال وحضوره عرض مسرحية باللغة الانجليزية شارك الفنان إبراهيم فيها، وبكثير من الود يذكر لنا كيف أن الفنانين التقيا في حب العراق ثم لقاؤهما معا بالدكتور ماكو عميد القسم الثقافي، وشروع الكاتب بتلقي دروس في اللغة الانجليزية في جامعة روزفلت ثم بداية الشروع في التأقلم مع الحياة الجديدة دون أن ينسى تلك اليد البيضاء التي قدمت له الكثير انه الراحل إبراهيم جلال، وكعادته في خفة دمه وروحه المرحة لا ينسى الفنان بدري أن يذكر الكثير من المطبات المضحكة التي تيسر للقارئ لحظات من الانتشاء لطرافتها.

المبحث السابع عشر: الشعور بالغربة والاغتراب ومرض حب الوطن (حنين الوطن).

يتحدث الكاتب في هذا المبحث عن العقبات التي اعترضته في العيش في هذا المجتمع الغريب الذي بدا له مغايرا للمجتمع اللندني حين سمى شيكاغو بمدينة الغرباء، والجهد الكبير الذي بذله للتكيف مع هذا المجتمع وطريقة التعامل مع مفردات الحياة فيه، ووجد في التراسل مع الأحبة في الوطن سبيلا للتخفيف من حدة ( حنين الوطن) التي بدأت تعتمل بداخله.


المبحث الثامن عشر: بداية تعلم اللغة والتأقلم التدريجي شباط 1962

يخبرنا المؤلف في هذا المبحث عن شروعه في دراسة اللغة والصعوبات التى عاناها بسبب ضعفه في اللغة التي تعتبر وسيلة الدراسة والشروع في العمل في المسرح باللغة الانجليزية.

المبحث التاسع عشر: اللقاء ألتأريخي مع إيرانا، أيلول/ سبتمبر 1962

يعتبر الكاتب لقاءه بإيرانا زيلينكاس نقطة تحول في حياته لطبيعة شخصية تلك المرأة الرقيقة والودودة، تلك الرفقة التي دامت لأكثر من ثلاث سنوات ويحتفظ بذكرى طيبة عنها ويعترف بأفضالها ونعمها الكثيرة التي قدمتها له، كالمحادثة وتقوية اللغة مع تسجيل المحاضرات، والاشتغال معه خارج وداخل المعهد وغيرها من المساعدات التي يعتبرها الكاتب خير معين له في الاستمرار في الدراسة والتمثيل.

المبحث العشرون: المقابلة مع الدكتور جارلس ماكو وحصوله على الأهلية الدراسية في المعهد 15 أيلول/ سبتمبر 1962

يتكلم الكاتب في هذا المبحث عن تفوقه في اللغة وانتقاله إلى الدراسة والشروع في دراسة المسرح، والملاحظ أن الفنان بدري كان يحرق المراحل بسرعة فائقة وتلهف للوصول إلى الهدف،واضعا مغريات العيش في أمريكا وراء ظهره إذا ما أراد أن ينجز مهمته على أكمل وجه، وهذا ما حصل فعلا، كابحا جماح رغباته وهو ما زال شابا من شان طبيعة الحياة في المجتمع الأمريكي أن تأخذه إلى حيث المتعة وأهواء الشباب، إنما هذا الشاب القادم من العراق كان يصارع تلك الرغبات بكثير من الروية والعقلانية، لأنه يعلم انه جاء لهدف نبيل وينبغي أن يحققه مهما كان الثمن.

المبحث الحادي والعشرون: اول دور تمثيلي أقدمه في مادة التطبيقات المختبرية تشرين الأول/ اوكتوبر 1962

كانت تجربة حافلة بكل شئ، الفرح، القلق، الخوف، لان الدور باللغة الانجليزية يعتبر محكا وتجربة لم يعرفها من قبل، ساعدته في فهم المسرحية صديقته ايرانا، وخرج من هذه التجربة بتثمين أساتذته له أمثال: د. جون رايخ و د. جارلس ماكو وجوسلوك حيث وجدوا فيه طاقة فنية ممكن الاستفادة منها في أعمال درامية كبيرة أخرى.

المبحث الثاني والعشرون: اداء شخصية سميرنوف في مسرحية الدب لجيكوف في الامتحان العلمي لمادة التمثيل. نهاية الفصل الدراسي الأول 1962

في هذا المبحث يستحضر الكاتب أسماء رواد تأثر بهم أمثال جوسلوك وجاسم العبودي ود. نيسن عميد المعهد الأسبق ثم اعتلاله المفاجئ الذي أدى الى تأجيل العرض ألا أن الفنان أصر على إثبات أن المسرح أهم من الصحة مما جعله يتحدى المرض والقيام بدوره على أكمل وجه مما أثار دهشة وإعجاب أساتذته، الأمر الذي حدا بالفنان إبراهيم جلال أن يبكي تأثرا وانبهارا بهذه الطاقة العراقية الخلاقة.

المبحث الثالث والعشرون: القيام باول دور في إنتاج مركزي للمعهد (الطريق الى الهند)
على المسرح الكبير في 13/1/1963

اشترك مع الفنان بدري في هذه المسرحية الفنانان العراقيان إبراهيم جلال وسعدون البياتي، إلى جانب الممثلة الأمريكية الكبيرة ليليان كيش وهي من رائدات السينما الصامتة ويذكر الفنان بدري أسماء مسرحية كبيرة عمل معها ومنهم المسرحي الكبير كورانفسكي.
ودفع هذا العرض الناجح الفنان بدري حسون فريد في التفكير في:
1- إعداد روايات عالمية ذات منحى إنساني للمسرح.
2- عدم توقف الإنتاج الفني والتقني والدرامي على مدار العام.
3- التكامل الفني في العرض المسرحي بمعنى إتقان مكونات العرض
4- التعاون الكبير بين مكونات المعهد
5- اللجوء إلى النقد المسرحي لتناول العرض
6- اكتشاف سلبيات وايجابيات العمل
7- إجراء حوارات مع كادر العمل.
وهذه الأمور من شانها أن تمنح المبدع شحنات كبيرة تثري تجربته وتجعله يتجاوز الكثير من الأخطاء التي قد تواجهه.

المبحث الرابع والعشرون: القيام بدور شخصية الطبيب المصري في مسرحية المليونيرة لبرنارد شو، إخراج د. جون رايخ على المسرح الكبير.

ينبغي الإشارة هنا وكما يؤكد الكاتب إن الإنتاج المسرحي على المسرح الكبير يمتد لمدة شهر كامل بغض النظر عن مدى الإقبال على العرض.
شاركه في هذا العمل الممثلة المشهورة باتريسيا جيسيل. أقتبس هذا العمل إلى السينما وقامت ببطولته الممثلة العالمية المعروفة صوفيا لورين.





المبحث الخامس والعشرون: الاشتراك في مسرحية كريستوفر20 من إخراج د. رايخ في 10/2/1963 على المسرح الكبير.

اشترك في هذا العمل الممثل الكبير ديفيد هرست. يتبين للقارئ أن الفنان بدري تعامل مع كبار الفنانين في المسرح الأمريكي واستحضر أسماء لعل المتابع الأمريكي لا يعرفها وهنا يكون الفنان بدري قد أسدى خدمة كبيرة للمسرح الأمريكي متمثلا برواده الكبار.


المبحث السادس والعشرون: الاشتراك في مسرحية سور الصين،( ماكس فرش)
إخراج باتريك هنري في مايس/ مايو 1963 على مسرح الاستديو في كودمان ثيتر.

بعيد العرض وجه المخرج باتريك هنري رسالة إلى الفنان بدري حسون فريد يعرب له فيها عن إعجابه الشديد بتلك الموهبة الكبيرة يقول فيها:
(عزيزي بدري…. كيف لي أن أشكرك على تفانيك وإبداعك أثناء التمارين، العمل معك متعة متواصلة، وينبوع دائم للمسرة، انك تمتلك موهبة استثنائية حقا، وسأكون مدينا لك إلى الأبد، تمتع بليلتك، وكن فخورا بنفسك.
المحب لك باتريك. في 5/ مايس/ مايو )1963.
يتضح جليا من خلال هذه الشهادة، الجهد الكبير الذي كان يبذله الفنان بدري لإعطاء صورة راقية عن الفنان العراقي الأصيل ومدى تفانيه في العمل وهذا هو وسام لكل الفنانين العراقيين من الرائد بدري حسون فريد وبمعية فناني العراق الأفذاذ الذين وصل بهم حب المسرح حد التقديس.

المبحث السابع والعشرون: القيام بإخراج أول مسرحية في قاعة 20.

كان سعي الفنان بدري تمديد فترة دراسته لدراسة الإخراج أسوة بالفنان إبراهيم جلال للحصول على شهادات عليا، فقام بإخراج مسرحية (رحلة إلى الوطن) ليوجين أونيل.
يقول الدكتور بدري في هذا الشأن (إن المقرر الدراسي لمادة الإخراج المسرحي قد فتحت أمامي آفاقا جديدة، ومنهجا علميا جديدا، بحيث كان له الأثر الكبير في ترصين مستواي العلمي).

المبحث الثامن والعشرون: الاشتراك في مسرحية الأم الشجاعة لبريخت، إخراج جوسلوك على المسرح الرئيسي الكبير في مايس/ مايو 1964.

اسند له في هذه المسرحية دور الكولونيل إلى جانب الممثلة الشهيرة والمخرجة العتيدة يوجين ليونتوفيتش، التي قامت بدور الأم الشجاعة.

المبحث التاسع والعشرون: الحصول على شهادة البكالوريوس في الإخراج المسرحي من معهد كودمان شيتر في 14/6/1964.

المبحث الثلاثون: يعنون الكاتب هذا المبحث هكذا: لولا الإيمان بالقيم لسقطت في الوحل:
يحدثنا الكاتب عن الدور المسند إليه في مسرحية كردية تتناول الأحداث بطريقة مسيئة للقضية الكردية وللأكراد مما حدا به أن يرفض بشدة القيام بالدور شارحا لأستاذه الدكتور بلّه إتكن انه يفضل العودة الى العراق على أن لا يقوم بهذا الدور مما يشير هنا إلى القيم النبيلة والوطنية الحقة التي يحتكم عليها فناننا بدري حسون فريد، الأمر الذي أثار إعجاب أساتذته وزملائه على حد سواء لهذا الموقف الصادق والمعبر عن صدق الانتماء للوطن ومكوناته وقيمه المقدسة التي لا تقبل المساومة أو التلون.

المبحث الحادي والثلاثون: الاشتراك في مسرحية مجنون شايو. تأليف جان جيردو-إخراج د. جون رايخ عام 1964 ولمدة شهر على المسرح الرئيس الكبير.

لعبت دور البطولة في هذا العمل الممثلة الكبيرة زوف كالدويل المعروفة في استراليا وأوربا وأمريكا. وقد أثار هذا العرض نقاد المسرح والإشادة بقدرات الفنان بدري في الصحف الأمريكية والفرنسية، حيث كتبت دراسات عن العرض.

المبحث الثاني والثلاثون: الاشتراك في مسرحية (فودفيل) عام 1964 من إخراج الطالب المطبق روبرت فينكولد، ثم القيام بإخراج مسرحية كوميدية اجتماعية من فصل واحد في نفس العام.

يلاحظ القارئ أن مرجلي العمل والدراسة يسيران جنبا إلى جنب دون كلل وهذا الأمر يتطلب جهدا استثنائيا وفعالا وصولا إلى الأهداف التي رسمها الفنان لحياته الفنية اللاحقة وهو سر نجاح الفنان الجاد والمتميز ليكون قدوة ويترك أثرا فنيا يخلده وهذا ما تحقق فعلا لفناننا بدري حسون فريد.

المبحث الثالث والثلاثون: الانخراط في المقرر الدراسي – أعلى مراحل فن التمثيل- مع التدريسي الممثلة القديرة والمخرجة الكبيرة (مدام جي لينا نتفج) بداية عام 1965.

في هذا المبحث يروي لنا الكاتب حكاية طريفة وقعت له، ذلك وخلال أدائه التمارين مع الفنانة نتفج لقيامه بدور سميرنوف في مسرحية الدب لتشيخوف حيث كانت هي تقوم بدور بوبوفا، انتابه صرع اللحظة، فاندمج في المشهد مسببا كسرا في رسغ الفنانة دون وعي، الأمر الذي خلق له متاعب نفسية لحجم الفعلة تم تجاوزها دون مشاكل، بعد ان خففت الفنانة نتفج عليه هول الصدمة.


المبحث الرابع والثلاثون: المؤامرة لإيقاف دراستي في مرحلة الماجستير.

واجهت الفنان بدري في هذه المرحلة مشاكل المنحة الدراسية لأسباب واهية نتيجة وشاية، ولكن تصميم الفنان وإصراره، ذلل تلك المشاكل المادية الكبيرة حيث استقامت الأمور ثانية باستمراره في الدراسة على نفقة الدولة.

المبحث الخامس والثلاثون: الاشتراك في مسرحية (هو الذي يصفع) مشروع تخرج الطالب وليم بابس عام 1965.

لاقى هذا العرض نجاحا باهرا وكان تقمص شخصية البارون حالة توحد غريبة ذرف الفنان في المشهد دموعه دون إرادة منه مما جعله يفرد فقرات في هذا المبحث لوصف هذه الحالة الفريدة والصادقة.
المبحث السادس والثلاثون: اخراج مسرحية (الشارع الملكي)، تأليف تنيسي ويليامز على مسرح الأستوديو في معهد كودمان شيتر لنيل شهادة الماجستير في الإخراج المسرحي في شباط/ فبراير 1965.

شبّه الكاتب بدري النص بالأرض الخصبة الصالحة للزراعة. بمعنى ان الاشتغال على النص إخراجا وتمثيلا ومكونات أخرى، يحيل النص المكتوب إلى حالات متحركة من صور وأخيلة وقيم قد يينع فيها عمل الفنان ليحصد ثمرات عمله.

المبحث السابع والثلاثون: الاشتراك في مسرحية (آنا كارنينا) لتولستوي. إخراج لينا تنفج وجوسلوك على المسرح المركزي الكبير عام 1965

إلى جانب بطلة أفلام كولومبيا الفنانة القديرة دولورز سوتون، تلك الفنانة التي أبدت إعجابها الكبير بقدرات الفنان بدري فاقترحت عليه القدوم إلى كاليفورنيا لتقديمه لمشاهير السينما هناك لكنه رفض هذا العرض لعزمه العودة إلى العراق.

المبحث الثامن والثلاثون: نيل شهادة الماجستير في حفل طقسي مهيب في 11/6/1965 بمرتبة الشرف الأول على الدور.

بعد انجاز هذه المرحلة الحافلة بالتحدي والمثابرة والدروس الجديرة بالتمعن والعطاء المتميز، يقرر الفنان بدري حسون فريد العودة إلى الوطن، محرابه الأبهى وكعبته في حله وترحاله. ومأواه الذي لا بديل له في الأرض كلها.






الفصل الثالث

(العودة إلى الوطن (مرحلة ترسيخ القيم المسرحية الإبداعية)

المبحث التاسع والثلاثون: بداية المتاعب بعد رجوعي إلى الوطن في 17/تموز/
1965.

كان عمر الفنان بدري حين عودته إلى الوطن السابعة والثلاثين ويذكر هو سنة تولده وهي 1927 ومن ثم سفره من كربلاء مدينته الغالية إلى بغداد للقاء الصحاب والأحبة والعائلة، ثم لقاؤه في معهد الفنون الجميلة بأصدقائه الفنانين: إبراهيم جلال، جعفر السعدي، اسعد عبد الرزاق، الحاج ناجي الراوي، جاسم العبودي وعميد المعهد آنذاك عزيز شلال عزيز. احتفى به زملاؤه أيما احتفاء وفرحوا لعودته سالما مزودا بحصيلة علمية هائلة. لكنه بعد ذلك يواجه متاعب أخمدت فيه جذوة الفرحة والاستعداد للعطاء لما تزود به من رصيد معرفي يعتبر إضافة هامة للمسرح العراقي والفنانين العراقيين جميعا.
أولى تلك المشاكل كانت معادلة الشهادة التي ذاق الأمرين من اجل الموافقة عليها بدل ان يحتفى به كأستاذ رفع اسم العراق عاليا وزود الفنانين الأمريكيين تصورا رائعا عن قدرات ومواهب الفنان العراقي، ثم مسالة سوقه إلى خدمة الاحتياط العسكرية في الوقت الذي كان المسرح العراقي بأمس الحاجة إلى طاقاته الواعدة حين ضحى بكل شئ من اجل العودة إلى الوطن لخدمة العراق والفن المسرحي العراقي.

المبحث الأربعون: اخراج مسرحية عدو الشعب كأول إنتاج بعد رجوعي إلى الوطن في نيسان 1967 ولمدة أسبوع.
كاتب هذه المسرحية هو هنريك ابسن واختيار الفنان بدري لإخراج هذا العمل له أهدافه التي نترك القارئ يتعرف عليها حين قراءته للكتاب.

المبحث الحادي والأربعون: اخراج مسرحية الساعة الأخيرة لفرقة المسرح الشعبي عام 1968 ولمدة أسبوع.

المبحث الثاني والأربعون: تأليف وإخراج مسرحية بيت أبو كمال لفرقة المسرح الشعبي، على المسرح القومي من 21 حتى 29 كانون الثاني/يناير 1969

يبقى الفنان بدري ومن خلال رفقتنا معه في هذه الذكريات المشوقة ذاكرة خصبة تستوطن الوجدان العراقي حقا، ورجلا مليئا بالجديد الذي لا يخلوا من التحدي الغريب لفنان جعل من المسرح زاده اليومي وحياته كلها لما يربطه بهذا الفن من وفاء نادر بكشف عورات ومثالب مجتمع كان يعيش حالة من الغليان وأوضاعه في غاية التردي والسوء فكان يعرّق نصوصا أجنبية تحاكي الواقع المر أو يقوم هو بتأليف النص المسرحي ويسهر على إخراجه بروح وثابة مسلطا الضوء على هذه العورات المجتمعية بأسلوب فني باهر وبلباقة الفاطن لما يجري في تفاصيل الحياة العراقية، وما العروض الميلودرامية المذهلة التي قدمها على المسارح المغربية وعايشناها بشغف كبير إلا دليل على عشقه لفنه المقدس رغم متاعبه الصحية الكثيرة.
المفارقة العجيبة التي يذكرها الدكتور بدري في هذا المبحث تلك السيارة الملغومة التي انفجرت في شارع أبي نؤاس مقابل المسرح القومي والتي سببت بفوضى كبيرة أدت إلى توقف عرض المسرحية وكأني به يربط ما حدث في الستينات بما يحدث في شوارع بغداد الآن من قتل ومفخخات وفوضى عارمة. ثم يعّرج على الأسماء التي برزت في هذا العمل أمثال: فخري العقيدي، فوزي مهدي، عدنان عبد الحسين، صادق الاطرقجي، هدية الخالدي، ومنعم خطاوي.

المبحث الثالث والأربعون: تأليف وإخراج مسرحية الجائزة عام 1969.

في هذه المرحلة يتحول الفنان بدري إلى خلية عمل بمفرده ليقوم بعدة نشاطات في آن واحد، فكان يمارس الكتابة الدرامية للإذاعة والتلفزيون، ويمارس التدريس في معهد الفنون الجميلة وفاحص نصوص درامية في الإذاعة والتلفزيون إلى جانب قيامه بالتمثيل في الإذاعة دون مقابل، ثم بإلقائه دروس في فن الإلقاء في معهد التدريب الإذاعي لفرقة الإنشاد العراقية، ومن ثم عمله مع فرقة المسرح الشعبي، ويتضح من كل هذا، إلى أي حد يكون التزام الفنان حين يتوزع بين كل هذه الأنشطة المتعددة والمتعبة جدا إذا لم يحتكم على طاقات هائلة وعشق متناه لطبيعة العمل الذي يقوم به.

المبحث الرابع والاربعون: اخراج مسرحية الحصار لعادل كاظم عام 1971.

تتناول هذه المسرحية جانبا مهما من تاريخ نضال الشعب العراقي إبان الاحتلال العثماني، ولكي يجعل النص والعمل برمته أكثر إبهارا، يقوم الدكتور بدري بإضافات فنية ولمسات إخراجية احترافية تحيل النص بهناته إلى واحة من الاجتهادات الفنية وتكييفه ليلاءم ذائقة المتلقي، وهذه إضافة ذكية من مبدع لا يجعل التعامل مع النص كعرض عادي بلمسات لا دفء فيها، بل إخضاعه إلى عين نقدية فاحصة والتعامل مع الحالة الفنية بكل مفرداتها الغنية بالتلاويين الفنية الجميلة. ويعتبر الفنان بدري مسرحية الحصار هي إحدى روائع المسرح العراقي في الربع الأخير من القرن العشرين.





المبحث الخامس والأربعون: تمثيل شخصية الكاهن آنام في مسرحية الطوفان لعادل كاظم. إخراج إبراهيم جلال على المسرح القومي/ عام 1972.

كانت هذه المحطة الفنية في ذلك الوقت آخر إسهامات الفنان بدري في التمثيل ليتفرغ بعدها إلى الإخراج المسرحي بالكامل.

المبحث السادس والأربعون: إخراج مسرحية مركب بلا صياد لأكاديمية الفنون الجميلة على المسرح التجريبي في الأكاديمية في 31/3/1973. ولمدة أسبوعين.
هذا العمل من تأليف اليخاندرو كاسونا لإعجاب الفنان بدري بهذا الكاتب لتناوله موضوعات( الله، الحب، الموت )بأسلوب إنساني ممتع وملئ بالإثارة والمعاني السامية.
فازت هذه المسرحية بجائزة أحسن عمل مسرحي، جائزة أحسن مخرج، جائزة أحسن ممثل، منحت للفنان عزيز خيون. كما قررت لجنة التحكيم منح جائزة تقديرية للفنانة ماجدولين حنا والفنانة إقبال محمد علي والفنان فلاح عبد الستار مما يدلل على أهمية هذا العرض، إخراجا وتشخيصا ونصا.

المبحث السابع والأربعون: اخراج مسرحية الدخول إلى الخيمة، باكورة إنتاج المسرح الوطني. على المسرح القومي عام 1974.

اشترك في هذا العرض أكثر من ثلاثين ممثلا وممثلة، كانوا جميعا حريصين على إنضاج هذه التجربة التي( مرجعيتها فكر عقائدي يؤمن به الجميع)، يقول الفنان بدري.

المبحث الثامن والأربعون: إخراج مسرحية الجرة المحطمة للكاتب الألماني هاينريش فون كلايست، من إنتاج أكاديمية الفنون الجميلة، على المسرح التجريبي، في 15/4/1975 ولمدة أسبوعين.
يقول الفنان بدري عن هذه المسرحية بأنها كانت من الصعوبة بمكان لمسرحتها من حيث محتواها وتناولها للأحداث وإخضاعها لعمل مسرحي يمتلك عناصر النجاح لاحتياجها إلى كادر فني مؤهل. ألا انه وبصبره وأناته وتحديه في مثل هذه الحالات، جعل النص طيعا لأنها عرضت في جل المسارح العالمية، وكأني بالفنان بدري يريد ان يذكرنا ياسلوب المواجهة الدائم إزاء الصعوبات التي باتت ديدنه ليشعر بحلاوة عمله وليخرج بعمل يتكلم الجميع عنه.
خاتمة

نغادر متحسرين هذه العتبات التاريخية الهامة من تاريخ المسرح العراقي على لسان احد أعمدته الراسخة والمتجذرة في الأرض العراقية طولا وعرضا، كنخيل العراق ذاته، ونحن ممتليئ العقول والوجدان بذكريات عاشها الفنان بدري حسون فريد بحلوها ومرها، ناحتا بأظافره تكوينات أخلاقية وفنية باهرة على سلم المجد، لا نملك إلا ان نصفق بحرارة المحب لهذا التحدي الكبير من فنان كبير بدا شامخا ولا زال رائدا لكل من يبحث عن الحقيقة وصدق الكلمة ولروح التحدي الخير، رغم كل الصعاب والمعوقات التي ما فترت فيها عزيمته على ان يخط لنا علامات فخر واعتزاز لنموذج عراقي نعتز به جميعا.
يحفل الكتاب بالعديد من الصور توثق لهذه المرحلة من حياة الفنان بدري وما رافقتها من تفاصيل داخل وخارج العراق، يصل عدد الصور الملحقة بالكتاب إلى 54 صورة. وسيتزود القارئ بعد ان ينهي قراءة الكتاب لينتقل إلى مشاهدة الصور، بمعرفة وافرة عن تاريخ المسرح العراقي من خلال علاقة الفنان بدري بالفن المسرحي ورواده الكبار عراقيون وأجانب. وألف مرحى لهذا العملاق وما قدمه للأجيال اللاحقة انه الفنان الرائد الدكتور بدري حسون فريد.

والى اللقاء مع الجزء الثالث من هذه الملحمة العراقية الخالدة.

المغرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *