الرئيسية » مقالات » تعليقات أولية على المجلس الوطني لإعلان دمشق

تعليقات أولية على المجلس الوطني لإعلان دمشق

أثبت النظام عن جدارة أن أي خطوة نحو حياة أفضل بالنسبة لنا كسوريين تبدأ بالضرورة من تغييره..صاغ النظام بيديه أي بسياساته وضعنا الحالي كسوريين : إما استمرار النظام و بالتالي ليس فقط استمرار الفقر و البطالة و القمع و التهميش السياسي و الاجتماعي لمعظم السوريين بل و تفاقمهما أو تغيير النظام , هذا ليس اختراعا من أحد..لكن قضية التغيير نفسها ليست على ذات الدرجة من الوضوح , ما يزال تعبير التغيير الوطني الديمقراطي يفتقر للكثير من الوضوح..السؤال الأبرز هنا عن أي تغيير ديمقراطي يجري الحديث ؟ يقول البيان الختامي للمجلس الوطني لإعلان دمشق “الديمقراطية هي جوهر هذا النظام ( أي البديل ) ” , لكن ما هي هذه الديمقراطية التي يتحدث عنها المجتمعون ؟ إنها كما يشرحونها المفهوم المعاصر للديمقراطية الذي توصلت إليه تجارب شعوب العالم..يمكن بسهولة فهم هذا المفهوم الذي يعتبره البيان الشكل الوحيد الممكن أو الصحيح للديمقراطية , لا فرق , إنهم يتحدثون عن مبادئ للحكم و دساتير و عقد اجتماعي و قوانين , و كأن مشكلة الاستبداد الرئيسية هي في عدم كفاءة الدساتير أو القوانين أو كأن مجرد وجود قوانين أو دستور يشتمل على كل هذه المبادئ هو كاف لنعتبر أننا أنجزنا هذا التحول الديمقراطي..إن حرية الإنسان تتم على أرض الواقع في إطار علاقته المباشرة مع السلطة بكل تجلياتها و التي يفترض ليس فقط أن يجري كبحها بل و جعلها تابعة لهذا الإنسان لا أن تكون هي السيد و القاضي و الحكم في نفس الوقت كحالة النظام اليوم..هذه ليس إلا استمرار للعادة الليبرالية بتجريد قضية الحرية إلى حالة قانونية دستورية تنتقل بالتالي من الواقع الفعلي و الأهم من ذلك من أيدي الناس أنفسهم إلى أيدي حفنة من جهابذة القوانين و الدساتير في العالم و طبعا لهذا التجريد غاية أساسية تتعلق بما يعجز هذا المفهوم المعاصر و الوحيد بنظر بيان المجلس للديمقراطية عن فعله..هذا يمكن بكل بساطة أن نراه في المبادئ التي يقوم عليها هذا المفهوم المعاصر الأوحد : التعددية السياسية و تداول السلطة..من الطبيعي أن هذا يعني أنه سيكون هناك مجال أكبر لاختيار الحاكم مما يتيحه الواقع الحالي للنظام , ستكون هناك تعددية و حتى فرصة و لو نظرية لتداول السلطة , أي أن هذا الحاكم لن يكون كما هو حال رأس النظام الحالي و أبيه من قبله , إلى الأبد..لكن لا هذه التعددية و لا تداول السلطة يعني أن الحكم سيكون للشعب..لا تعني هذه التوسعة في احتمالات اختيار رأس النظام أو الحاكم أنه سيكون بالضرورة خاضعا للشعب..لكي نفهم أكثر القضية تعالوا نواصل قراءة البيان إلى النقطة التي يتحدث فيها عن حقوق متساوية لكل السوريين..كيف ستضمن الدولة المدنية الحديثة هذه الحقوق المتساوية للمواطنين ؟ إن التعددية السياسية و تداول السلطة لا يعني البتة حقوقا متساوية للسوريين..في الحقيقة إن درجة توزيع هذه الحقوق بين السوريين ستترك لتقررها الصدفة , أي “بحرية” كما يقول لنا الليبراليون , و بالتالي فإن حالة حصول بعض السوريين على حقوق أكثر و حصول غالبيتهم على حقوق أقل بكثير هو نتاج للحرية – الصدفة هنا , و الجميل هنا أن معارضة هذا التوزيع غير العادل للحقوق بين السوريين سيصبح بهذه القراءة اعتداءا على الديمقراطية بل حتى على حرية السوريين ذوي الحقوق الأقل..إذا فالكلام عن حقوق متساوية ليس أكثر من استطراد جاء بحكم العادة و ليس له أية قيمة أمام الحرية – الصدفة التي سيترك المجتمع لها..السؤال إذا هو من المقصود بهذه التعددية و ذلك التداول للسلطة بين سوريين يتمتعون بحقوق متساوية على أوراق الدستور و القوانين و لكن ليس على أرض الواقع ؟ إنهم بكل بساطة أصحاب الحقوق الأكثر , الذين يتمتعون بسبب هذا الشكل من الحرية بحقوق أكثر من بقية السوريين , هم من سيشكل هذه التعددية و هم من سيتداول السلطة وفقا للقوانين التي سيضعونها هم أنفسهم لكن التي سيكون عليهم أن يطلبوا منا التصديق عليها في ظل رؤية مفروضة , ما دامت هي الرؤية الوحيدة لأنها المعاصرة و التي أثبتتها تجارب الشعوب , عن الديمقراطية تساويها بالصدفة و ليست بإرادة الناس..هذه الصدفة بالمناسبة هي من جاء بالنظام الحالي و هي من حول حياة ملايين البشر على مدى أجيال متعاقبة منذ قرون طويلة إلى ما يشبه الجحيم..هنا يجب بإصرار إعادة بعض الأمور إلى نصابها , فالأساسي ليست تلك المبادئ التي تعامل على أنها نص مقدس ليبرالي يقابل نصوص الستالينيين و الإسلاميين و يجري التعامل معها بذات الشكلانية و الغباء و التقديس , إن الإنسان هو غاية الديمقراطية و ليس مادتها , إن سعادة الإنسان و حريته الفعلية هي جوهر البديل , هذا هو المفهوم الوحيد للديمقراطية , و إن إرادة الناس الأحرار المتساويين هي المصدر الوحيد لأي حكم شرعي و ليس تطابق هذا الحكم مع نصوص مقدسة جديدة فارغة من أية مضمون و بعيدة عن الواقع..لذلك على سبيل المثال توجد شروط ضرورية لتكون الديمقراطية واقعا فعليا أبعد من مجرد امتثال شكلي لسلطة ما لقوانين تشكل ما يشبه جسر العبور إلى المزيد و المزيد من تهميش الناس , هذه المرة أيضا على الأبد ما دامت هذه هي خاتمة العالم من جديد كما يراها الليبراليون..إن سوريا و شعبها مثلا ليس ملكا خاصا لا لبشار الأسد و لا لأي نظام قادم , إنها ملك لشعبها و لذلك يجب أن يتمتع كل سوري دون استثناء بكل إمكانيات التعبير و أوسع حريات الكلام و انتقاد أية سلطة و أن يكون حقه في اقتراح أي طريق محتمل للتطور السياسي و الاقتصادي أو أية خيارات محتملة مقدسا غير قابل للمناقشة , لا يمنعه في ذلك لا روح وطنية و لا قومية و لا حتى ديمقراطية ربما تعني إسكات الناس لصالح أية طغمة حاكمة , يجب و دون أي نقاش تصفية و منع و تجريم كل أجهزة الاضطهاد السياسي و الفكري و الاجتماعي , يجب فورا اليوم و غدا و بعد غد , عدم السماح بأية قوة تحمل السلاح لقمع السوريين تحت أي سبب أو مبرر أو تفسير , يجب اعتبار كل أجهزة الأمن و خاصة كل من قام أو يقوم بتعذيب السوريين أيا كانوا مجرمين بحق كل الشعب السوري و أن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم , يجب المطالبة فورا بحل كل أجهزة الأمن و منع ظهورها من جديد و إعلان الجميع لحق أي مواطن سوري في مواجهة قهرها و قمعها غير الشرعيين مهما كان المبرر الذي تستخدمه , إن الشعب هو الذي يحتاج الحماية و ليس أي نظام مهما كان لأن مبرر وجوده هو الشعب و ليس العكس..يجب ألا يكون بمتناول لا نظام بشار الأسد و لا أي نظام آخر هراوات أو عصي من هذا النوع يرفعه في وجه خصومه أو في وجه الشعب..يجب أن يكون بمقدور السوريين أصحاب الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية , و بالتالي السياسية الأقل , أن يطالبوا دوما و دون أية حصانة لأي نظام بالعدالة الاجتماعية و الدفاع عن لقمة خبزهم أو عن حقهم في ما ينتجونه من خيرات و ثمرات بعرقهم و بأيديهم..إننا لا نملك سوى التغيير الديمقراطي لكي نبدأ حياة أفضل , لكن يجب أن يكون واضحا عن أية ديمقراطية يدور الكلام….هذا ليس ترفا فكريا أو سياسيا لنخبة تتأمل في الواقع المزري الحالي , إنه دفاع لم يبدأ اليوم و لن ينتهي في الغد عن الناس , عنهم فقط , لأنهم جوهر الحياة و ليست أية عقائد أو نصوص سبق أن تغيرت دون توقف و لن تتوقف عملية تطويرها لخير الإنسان , الغاية الوحيدة لكل الوجود البشري كما يفترض… 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *