الرئيسية » مقالات » أمل دنقل القصصية والمشهد الدرامي في شعره

أمل دنقل القصصية والمشهد الدرامي في شعره

 

 



في حياته التي امتدت ثلاثة واربعين عاماً، حاول الشاعر المصري الذي غادرنا كومض خاطف أمل دنقل “1940- 1983” ، أن يحكي لنا شيئاً من خلال ما يستحضره من تاريخ وتراث مضطربين، وأبطال من رجال ونساء شغلوا الدنيا في أيامهم، وكذلك من اللصوص والطغاة والعشاق والفرسان بأنماطهم في تجربة إبداعية واسعة تميزت نسبة كبيرة من نتاجاتها بالنضج والثراء كشكل إبداعي. كان الشاعر أول من دخل غابته البكر وأعلن عن تمرد قصائده على كل شيء خصوصاً الوضع العربي الذي كان في بداية تهاويه رسمياً، الناهض شعبياً وتحررياً. كانت بيروت وقتها تتعرض لعدوان إسرائيلي مباشر، مهدت له حرب أهلية مدمرة، عتقتها سنوات وسنوات من الطائفية والفصل على أساس الهوية. لكن القصائد لم تتمرد على الإرث الموسيقي للقصيدة الحديثة الذي وضع تأسيسه الأوائل “السياب، الملائكة، البياتي، والحيدري”، بل كان بعض تلك القصائد خاصة ما كُتب في فترة الستينات وأوائل السبعينات كلاسيكياً أخلص للعروض والقافية.أما قصائد الأيام الأخيرة للشاعر – على نفاستها وقطعها شوطاً من التطور والتجديد – فكانت أكثر الأشياء التي مستها حالة اليتم بعد رحيله في 21 مايو 1983 على فراش المرض الذي اشتد عليه في العام الأخير من عمره. كان بعض تلك القصائد بحاجة إلى لمسة الشاعر نفسه ليكتمل، وهو الذي عُرف بدقته وحرصه على مراجعة ما كان يكتب، ليظهر نتاجه أكمل بناء وأشد في قوته التعبيرية والتأثيرية، إذ تحت وطأة الموت استخلص أصدقاء الشاعر وزوجته عبلة الرويني بعض القصائد من مسودات تركها الراحل، مثل قصيدة “الذكرى الرابعة لمحمود حسن اسماعيل وغيرها.

البدايات… ونجمة السراب

“نجمة السراب” هي قصيدة على شكل حكاية صغيرة كتبها الشاعر عام 1961 ونشرها ضمن مجموعته الأولى “قصائد غير منشورة”، يمكن وضعها ضمن قصص الحب، يعالج فيها موضوعاً عادياً هو ليس عزوف الشباب عن الزواج وإنما عزوف الزواج عنهم لأسباب إقتصادية. يصف الشاعر في قصائده وصول علاقات الحب غالباً إلى طريق مسدود يصطدم بحاجز متطلبات هذا الزواج. يختزل الشاعر هذه المتطلبات إلى أبسط الكماليات وهو ثوب الزفاف، وينشغل فيه عن ضرورات أخرى أكثر أهمية، حيث يصف هذا الثوب بنجمة السراب في معارض الأزياء، ثمّ يقارن بين وحدته هو وبين قطته التي كانت تلد في غرفته. يريد أن يقول : إن الإنسان وحده من يواجه العقبات حين يرغب في مواصلة حياته الطبيعية، وهي تبدو مقارنة ساذجة يمكن مواجهتها بسؤال صريح : أي همّ “ثقيل” الذي يحمله شاب في العشرين – عمر الشاعر وقتها – يحلم بالزواج من رفيقته لكن ثوب الزفاف يبدو أمام عينيه أملاً بعيداً مثل نجمة من سراب. الحقيقة أن المقارنة التي أوردها الشاعر دنقل ليست ساذجة فيما لو أُعمل الفكر بها، فهي دلالة صارخة على الحرمان من بعض الآمال الصغيرة التي من حق الإنسان أن تتوفر أمامه قدرة تحقيقها، ومن حق أي فتاة أن ترتدي ثوب الزفاف الذي هو أمنية جميلة من أماني الجميع.

من سراب
صديقتي شدت على يدي
وقالت : “حين أزور غرفتك،
إن شئت، فلنبق معاً إلى الأبد”
ولم أرد
لأن ثوب العرس في معارض الأزياءِ
نجمة تدور في سراب.

لكن سؤالاً آخر متوقعاً يواجه من يوجه حكماً كهذا إلى القصيدة، وهو إنك تأتي بعد أربعين سنة من ولادة القصيدة، لتقول إنها مقارنة ساذجة لشاعر كان في صدر شبابه، وهذا حق، لكن حكماً آخر يسجل لقوة العبارة الوصفية في القصيدة “نجمة تدور في سراب”، أي اللاشيء الذي تفصلنا عنه مسافة فلكية. وهذا يعني أن بناء القصيدة كان أكثر متانة وتأثيراً من معادلها الموضوعي “الزواج كهمّ اجتماعي”. ولعل اختيار هذه القصيدة المبكرة فيه شيء من الظلم للشاعر الراحل الذي شغل فيما بعد الأوساط الثقافية العربية في مصر وسوريا ولبنان وفلسطين والعراق وغيرها. وخصوصاً في أوساط الأدب الذي كان يقابل العدوان الإسرائيلي عند متاريس بيروت والجنوب. لكن الهدف من هذا الخيار هو هدف بحثي في الأطوار الجنينية للقص في شعر راحلنا الجميل أمل دنقل.
بعد عشرين عاماً حظيت قصيدة “مقتل كليب، الوصايا العشر” في مجموعته “أقوال جديدة في حرب البسوس” باهتمام كبير من جمهور المتلقين مبدعين وقراء، لأنها استخدمت قصة الثأر كتقليد قبلي عربي عريق، وكذلك السلسلة الدموية التي أعقبت حادثة البسوس الشهيرة ووجهتها وجهة تحريضية جديدة، وحوّلت الثأر كواقع متخلف إلى صورة من صور الكفاح والمواجهة، هذا ما سنصله من هذه الدراسة، مع ذلك فإن قصيدة “أوجيني” 1960. التي كتبها للقائد جمال عبد الناصر، يبدو موضوعها أكثر نضجاً منه في “نجمة السراب”. حيث يعود الشاعر إلى قصة حفر قناة السويس 1869، وحياة البذخ التي عاشها خديوي مصر اسماعيل على أكتاف الفلاحين والشغيلة المصريين، وكيف كان فساد ذلك الحاكم وحياته الباذخة يكلفان الكثير من الثروات، وكذلك قصة عشقه لأوجيني، المرأة الأوروبية التي انشغل بها أكثر من انشغاله بمشروع القناة. فيما استحضر دنقل مشهد التدشين والإحتفال بعرض أوبرا “عايدة” وتفاصيل أخرى كانت كلها على حساب أحزان الآلاف من المصريين وأطفال الأطفال الذين نالهم اليتم بسبب ذلك الحاكم.
“أوجيني” هي ملحمة موجزة.

الأوبرا تزخر بالألوان
موسيقى “فيردي” وأعصاب المخمورين
بعد التدشين
أوبرا تشريد يا “عايدة”
تجلس في البنوار…
والكتف البض يداعب أعصاب أفندينا.

أما قصة رمسيس فيوجزها الشاعر في سبعة سطور هي عبارة عن مشهد حربي أو تشريفي واحد يغصّ بالصخب والحركة.

من أين ترفع السنابل الخضراء في القرى أعناقها
والجند يسحقونها في زحفهم للشام
كي يدخل الفرعون في المركبة الحربية
ليخطب الوعاظ باسمه
وتدفع الجزية
وتقول النساء قرانا … قرية قرية
وتملأ البيوت بالأيتام.

مقتل القمر وما يليها من مجموعات الشاعر


في مجموعته “مقتل القمر” يغلب السرد في الأسلوب القصصي لقصائد مثل “طفلتها” التي تتقيد بقافية الهمزة المؤنثة بهاء ساكنة شبه مدغمة، والتي تسيطر على القصيدة من أولها إلى آخرها في بناء كلاسيكي متين على حساب المعنى وحرية التصرف بانتقاء المفردة المناسبة. القصة تحكي حالة إجتماعية سائدة في الشرق، هي ضياع الأطفال وحالة الأم الفاقدة ومتاعبها في تلك اللحظة. نتلمس الأسلوب القصصي أيضاً في قصائد المجموعة الأخرى “قلبي والعيون الخضر” و”مقتل القمر”، التي تبدو أكثر قصائد المجموعة في غناها ومتانتها ووضوح صورها وثبات خطواتها الدرامية.

وتناقلوا النبأ الأليم على بريد الشمس
في كل المدينة
“قتل القمر”
شهدوه مصلوباً
تدلّى رأسه فوق الشجر.

في قصائد المجموعة “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة” تلعب القصة أدواراً متفاوتة في درجة حضورها فاعلية وضعفاً، لكنها لا تفقد هذا الدور. أحياناً يبدو الفعل الدرامي مسيطراً على القصيدة منذ بدايتها، وكأن القاريء يشهد عرضاً مسرحياً، كما هو الحال في قصيدة “السويس” وقصيدة “حديث خاص مع أبي موسى الأشعري”. وأحياناُ نلحظ هذا الدور من خلال جريان القصيدة كما في “موت مغنية مغمورة”، لكن قصيدة “الموت في لوحات” تحفل بهذا النشاط الدرامي في كل مقاطعها فيما ينتبه الشاعر إلى أشياء صغيرة، فيحرص على توصيفها ليمنح القاريء نظرة جزئية إلى اللوحة، إضافة إلى النظرة الشمولية إلى القصيدة المحددة ضمن إطارها مسبقاً. تزداد القصيدة جموحاً بدءاً من آخر قصيدة في مجموعة “بكاء بين يدي زرقاء اليمامة” وهي قصيدة “من مذكرات المتنبي في مصر” التي تتناول معاناة المتنبي مع حاكم مصر “كافور الإخشيدي”. وفي قصائد المجموعة الباقية وهي “تعليق على ما حدث، العهد الآتي، أقوال جديدة عن حرب البسوس، وأخيراً أوراق الغرفة 8”.
يقول في مذكرات المتنبي :

أمثل ساعة الضحى بين يدي كافور
ليطمئن قلبه، فما يزال طيره المأسور
لا يترك السجن ولا يطير
أبصر تلك الشفة المثقوبة
ووجهه الأسود، والرجولة المسلوبة
أبكي على العروبة
يوميء يستنشدني :
أنشده عن سيفه الشجاع
وسيفه في غمده يأكله الصدأ

“لا تصالح!” والذروة الدرامية.

أما ذروة الحضور لفن القص في قصائد الشاعر المصري أمل دنقل، فتبدو في قصيدة “لا تصالح!” التي تعيد إلى الأذهان قصة الأمير سالم الزير على شكل عدد من الوصايا يتركها كليب قبل موته قتيلاً بيد إبن عمه جساس إلى أخيه المهلهل الكبير. وهي وصايا حادّة تفتتحها لا الناهية وفعل الأمر.

لا تصالح ولو منحوك الذهب
أترى حين أفقأ عينيك
ثم أثبّت جوهرتين مكانهما
هل ترى؟!
هي أشياء لا تشترى
ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك
حسكما – فجأة – بالرجولة
هذا الحياء الذي يكبت الشوق، حين تعانقه.

وفي الوصية الثانية تبلغ الدراما أعظم تأثيراتها حين يتحول الرجاء والمقارنة بين الدم والذهب ورجحان كفة صلة الدم يرفع فوران الصور في هذه الوصية :

لا تصالح على الدم… حتى بدم
لا تصالح ولو قيل رأس برأس
أكل الرؤوس سواء؟!
أقلب الغريب كقلب أخيك
وهل تتساوى يد، سيفها كان لك
بيد سيفها أثكلك

يعلق أمل دنقل حول مجموعته “حرب البسوس” في مجلة “آفاق عربية” 1981، يقول :
“حاولت أن أقدم في هذه المجموعة حرب البسوس التي استمرت أربعين عاماً عن طريق رؤيا معاصرة، وقد حاولت أن أجعل من كليب رمزاً للمجد العربي القتيل، أو للأرض العربية السليبة، التي تريد أن تعود إلى الحياة مرة أخرى، ولا نرى سبيلاً لعودتها أو بالأحرى لإعادتها إلا بالدم والدم وحده.
وهذه المجموعة عبارة عن قصائد مختلفة استحضرت شخصيات الحرب، وجعلت كلاً منها يدلي بشهادة تاريخية حول رؤيتها الخاصة. ومن الطبيعي أن يكون لكل من هذه الشخصيات شهادتها المختلفة عن شهادة الأخرى”.

قصة أخيرة

في قصيدة “ضد من”، يصور الشاعر أمل دنقل المشهد الأخير نقلاً عن المستشفى الذي عانى على سريره الوحدة مع المرض. بعدها وبعد قصائد المجموعة “أوراق الغرفة 8” أسدلت الستارة على رحلته الإبداعية التي استمرت بضعة وعشرين عاماً. وحياته القصيرة التي توقفت عند سن الثالثة والأربعين.

ضد مَنْ؟

في غرفة العمليات
كان نقاب الأطباء أبيض
لون المعاطف أبيض، أردية الراهبات
الملاءات،
قرص المنوم، أنبوبة المصل
كوب اللبن
كل هذا يشيع بقلبي الوهن
كل هذا البياض يذكرني بالكفن
فلماذا إذا مت؟
يأتي المعزّون متّشحين
بشارات لون الحداد
هل لأن السواد
هو لون النجاة من الموت
لون التميمة ضد … الزمن

ضد من…؟
ومتى القلب – في الخفقان- اطمأن

بين لونين أستقبل الأصدقاء
الذين يرون سريري قبرا
وحياتي دهرا
وأرى في العيون العميقة
لون الحقيقة
لون تراب الوطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *