الرئيسية » مقالات » رسالة غير سرية …عن التيار الليبرالي

رسالة غير سرية …عن التيار الليبرالي

تلقيتُ قبل أيام رسالة من الصديق عبد فيصل السهلاني – ابوعبير – فيها دعوة لفتح حوار ونقاش حول الوضع السياسي العام في البلاد ،وتطوراته وآفاقه .
من أجل تفعيل دور التيار الديمقراطي الليبرالي ، و تحديد آلية عمل مطلوبة للنهوض، بواقع عمل هذا التيار، وسبل تجميع طاقاته ، وكيفية تجاوز المعوقات والعراقيل ، التي تكترث عمل الداعين والممثلين له ، في ضل المعادلات والأطر التي تتحكم في العملية السياسية اليوم وملابسات و إفرازات المرحلة الجديدة ، التي تتداخل بعض مفاصلها ،مع مخلفات النظام الدكتاتوري الكارثية ، فتزيد من قتامة اللون ، وبشاعة الصورة المشوهة ، والمطلوب منا حسبما جاء في رسالته .

السعي الجاد لتشخيص سبل العمل ، ووضع آلية عملية ومرنة ، قابلة لأستيعاب الأتجاهات الليبرالية ودعاتها وعناصرها ، لتنظيم وتفعيل ، كي يتحول إلى تيار فعال ومؤثر ، يكون له حضور في العمل السياسي ، لضمان المستقبل الديمقراطي للعراق، الذي ترهقه وتحاصره الميول و التوجاهات الطائفية الدينية ، وتتداخل فيه وتتشابك الدوائر.

لتشكيل لوحة معقدة ، يتطلب فك بعض طلاسمها ،وخيوطها السرية ، طاقات وقدرات وخبرات تفوق إمكانياتنا كأفراد .
وتحتاج إلى مؤسسات إجتماعية وثقافية، تؤسس لحالة العمل الجماعي المطلوبة المنتجة، التي من شأنها فرز المؤهلين للعمل في كافة المجالات ..

المطلوب الآن ، من الجميع ، تجاوز حالة التشاؤم ، ومرارة العمل السياسي السابق ، والإستفادة من معطيات الوضع الجديد، التي ُتتيح العمل بحرية أفضل ، قياسا ً للعهد الدكتاتوري المقيت ، شرط أن نستوعب طبيعة وخصوصية المرحلة ، وتداخلات القوى الدولية والأقليمية ، ومتابعة حالة الحراك السياسي و الإجتماعي والثقافي ، في المجتمع العراقي ، بكافة فصائله ومكوناته .

التي تنتقل ، وسط حالة من إنعدام الرؤيا المؤقته ، الناجمة من هول السقوط ، البشع والجبان للدكتاتورية ، التي إستقوت علينا ، بفعل عامل خارجي، آتٍ من وراء البحار، له أجندته وبرامجه الذي نختلف معها في زاوية ، وتتفق مع بعض هواجسنا ومطالبنا في زاوية أخرى منها .
هكذا هي الحال ، مع بقية العوامل المؤثرة، التي تلتقي و تتشابك وتتفاعل وتتصارع الآن .

المطلوب التيار الليبرالي ، حسب قناعتي كخطوة لاحقة ، بعد التخلص من حالة الشاؤم الذي لن يقدم إلا ّ المزيد من اللوم والبكاء ، إستشراف المستقبل الديمقراطي للبلاد ، وضمان التقدم في هذا الأتجاه .
من أين نبدأ ؟
ما هي الخطوة الأولى ؟
ما هي السُبل الذي تكفل ضمان الدور الإيجابي لممثلي هذا التيار ؟
كيف يمكن تجاوز الحالة المشوهة المرفوضة ،في هذا الزمن،الذي ينتج المزيد من الفساد والخراب ؟ في كافة المجالات ، جنبا ً إلى جنب مع محاولاتنا وسعينا المشروع للسير في الطريق المؤدية للخروج من النفق وبناء الحالة الأفضل ..

أرى أن يجري العمل وفق صيغة ،البدء لتأسيس الحالة الليبرالية ،التي هي في طورالصيرورة والنشوء الآن ، ومن الخطأ والسابق لأوانه الحديث عن أزمة التيار الليبرالي ،لأنه تيار غير مشكل أصلا ً ، وفي حالة جنينية ناشئة من حالة التحول ، التي يشهدها المجتمع ، بعد السقوط .
في سياق المرحلة الإنتقالية المعقدة، التي تشهد توجهنا لبناء دولة مؤسسات ، على أسس جديدة ، على أنقاض الدولة المهزومة التي سقطت لتنهار مع سقوط الدكتاتورية ، الذي يواجه مقاومة شرسة ،من بقايا البعث وأيتام العهد المقبور، والتيارات القومية والدينية المتحالفة معه
من الذين ُفرضت عليهم الحالة الديمقراطية .
من هنا نشأت مشكلة ذات أبعاد بنيوية ،تمثلت بوجود حالة ديمقراطية ، لكنها تفتقد للديمقراطيين ، وتنفذ بعض مفاصلها من خلال حلقات معادية لها اصلا ً، تناصبها العداء ، وتواجه معوقات كبيرة وجسيمة ،هي جزء من خصوصية التجربة في العراق ، وسط محيط معادي للديمقراطية من الناحية السياسية والمعرفية ، بحكم العوامل والمؤثرات الثقافية والدينية والتاريخية .
التي تسعى للبحث عن الحلول الميثولوجية ، ومستعدة لأنتضار الخلاص على أيدي شخصيات وهمية ، من نسيج الخيال، إلى ما لا نهاية ، من الزمن ، وعاجزة عن تقديم الحلول العملية والواقعية للمشاكل والصعوبات التي تواجهها ، وتكترث طريقها ، وتفضل الخوض في حالة جدل و نقاشات ٍ عقيمة غير مجدية ، خالية من الهدف والنتيجة ، تفضل الشكل ، ولا تكترث بالمحتوى .

لكنها ليست الصورة الوحيدة والأزلية ، لأننا نشهد في الطرف الثاني، الوجه الآخر للمعادلة، الذي ينشأ وينمو ويتبلور بوعي رافض للواقع الراهن ، الصعب والسيء بكافة المقاييس .
يتجسد في الكثير من المتغيرات التي لا يجوز التقليل من شأنها، ناجمة من حالة الحرية التي نشأت،في أعقاب الخلاص من الوضع السابق ، هذه الحرية التي تكفل للجميع إمكانية التعبير والعمل والتواجد ، رغم مخاطر الأرهاب وبقايا مقاومة النظام الدكتاتوري البعثي والأتجاهات القومية الشوفينية ، وتداخل العامل الدولي و الأقليمي الذي يساهم في قمع وتأخير حالة النهوض في الكثير من الأحيان، الساعى لضبط التوازنات وفق مصالحه، على حساب التيار العلماني والليبرالي ذات الطابع التقدمي، لحد اليوم.

لكن هذا ليس نهاية المطاف ،بحكم حركية المجتمع العراقي ،وتعدد مكوناته ،الذي عودنا على فرز وإنتاج المثل والقيم ، التي إنبثقت منها الحركات السياسية والفكرية والأجتماعية في كافة المراحل ، وأثبت للجميع إنه قادر على أنتاج مقومات البقاء والتواصل ، والأنتقال للحالة الأفضل ، رغم قساوة الحكام والسلاطين الذين إجتمعوا فيه وعليه ، من كل حدب وصوب.

كما تجتمع عليه اليوم كافة الأطراف في دعمها للارهاب ، من أجل إجهاض حالة النهوض الجديدة ، التي يسعى البعض لأفشالها ، بوضع العراقيل أمامها أو حرفها وتوجيهها في الطريق الخاطيء ، في إتجاهين متناقضين لمصالح الشعب العراقي يتمثلان في :

الدعوة لتسيس الدين من قبل احزاب وحركات عديدة ، وجعله الوسيلة الرئيسية للوثوب إلى السلطة ، بفعل الدور المؤثر للدين في المجتمع اليوم ، تمتلك الأمكانيات والدعم بحكم فوزها في الأنتخابات،عاجزة عن تقديم حلول لمشاكل المجتمع وتؤخر عملية التقدم إلى الأمام بحكم عدم وجود برناج إقتصادي وإجتماعي لها ، لذلك تعمل و ستعمل جاهدة ً لتقويض معالم التقدم المطلوب ، في خلق مؤسسات الدولة على أسس الديمقراطية .

لأنها تمتلك برنامجا ً آخرا ً ومغايرا ً في الطموح، جوهره خلق الدولة المحجبة ، عبر تقنين الحريات في المجتمع ، وفرض الرقابة على سلوك البشر، وتمارس لعبتها في القبول بالممارسة الديمقراطية بحدود الأنتخابات ونتائجها المضمونه لها لحد اليوم . ستسعى للقبول بها حيثما توافقت مع مطامحها في البقاء في السلطة ، لأفراغ التوجه الديمقراطي من أي محتوى إجتماعي .
وسيكون لهذا التيار الدور المؤثر لسنوات قادمة ، وخطورته تنبع من عدم إيمانه بالديمقراطية وإستعداده للأنقلاب على الوضع ، في حالة تغيير الاوضاع والتوازنات ، وهو تيار غير مستقل في بعض مفاصله ،بحكم أممية الدين الأسلامي ، الذي ترتبط احزابه بمراكز القرار في طهران والسعودية حسب ولاءاتها المذهبية .
لكنه يشهد تحولات ونمو إتجاهات ليبراليه جنينية في صفوفه تتمثل بإنفصال مجموعة مؤثرة ومهمة من قادة حزب الدعوة، التي أعلنت تشكيل التيار الديمقراطي الأسلامي ، بمبادرة من المفكر ضياء الشكرجي ، الذي يتبنى مشروع حضاري ، أساسه فصل الدين عن الدولة وكذلك الدور المؤثر والمهم الذي يلعبه السيد أياد جمال الدين، كمفكر ديمقراطي إسلامي مستقل .

وتتعاظم أهمية ودور التيار الديمقراطي الليبرالي/ العلماني، في هذا المجال بالسعي الحثيث لخلق آلية عمل فكرية بديلة ، لمواجهة المحاولات الساعية لخلق الدولة المحجبة وأسلمتها ، وهو ما يوسع رقعة العمل مع بقية الأحزاب ، التي تشهد هي الأخرى ، حالة حراك وتحولات تسير بعض مفاصلها ، بإتجاه التوجه الليبرالي ..


السعي الحثيث لأعادة شكل ومحتوى الدولة البوليسية السابقة، من بقايا حزب البعث والنظام الدكتاتوري السابق ، وبقية القوى الشوفينية العربية ، التي تعمل تحت واجهات متعددة بما فيها مؤسسات الدولة الجديدة ، و تتوحد في المواقف الداعية بصراحة وعلنية لعودة مؤسسات القمع وأجهزة الدولة المنحلة للعهد المقبور ، وتوظف إمكانياتها في كافة المؤسسات للدفاع عن البعثيين ، بمن فيهم المجرمون منهم ، وتشكل قوة ضاغطة لا يستهان بها ، تتحالف مع قوى الإرهاب، وتستفيد من الدعم الأقليمي في المنطقة وتتحكم في بعض مصادر الأقتصاد والسوق .

لا تخفي طموحها في العودة وتعلن عن نفسها بصيغ وأشكال عديدة ، يتواجد ممثلوها في البرلمان والحكومة ،والمؤسسات السيادية في الدولة ،ولها وزراؤها المعروفين ، وهذا التيار يشكل خطورة لا يجوز الأستهانه به ، بحكم عمل غالبية عناصره في مؤسسات الدولة القمعية والجيش الفاشي السابق، إضافة إلى منهله من منبع الثقافه البدوية الاستبدادية برؤية عنصرية متخلفة ، لا يعترف بالتنوع الثقافي والفكري والاجتماعي ، مما يجعله في تضاد مع الغالبية العظمى من البشر ، رغم مسعاه لتغليف أفكاره بغطاء ديني اليوم .

والموقف الحازم بوجه هذا الأتجاه وتعرية إرتباطاته السابقة والحالية ، وفضح ممارساته يشكل المهمة الرئيسية للجميع ، بمن فيهم الليبراليون الذين يستطيعون تثبيت أنفسهم في هذا المجال ، من خلال الدعوة لأستقلال القضاء وسيادة دولة القانون ، التي تكفل المساواة بين البشر ومحاسبة الذين تلطخت أياديهم بالدماء، في العهد المقبور، وما بعد السقوط ، وهي مسألة في غاية الأهمية بحكم إتساع رقعة الجمهور المتضرر من سياسات النظام السابق، التي لا يعيرها ساسة اليوم ، المنغمسين بالسرقات وحالة الفساد المقززة ، أهميتها، ويزيد في الطين بلة حالة إنعدام الخدمات وضعف المؤسسات والبطىء في تكوين وبناء الدولة لجديدة..

إن التيار الليبرالي ، سيكون له دور مع تقدم الزمن ، حيثما حدث تقدم في الممارسة الديمقراطية ، من خلال المتغيرات التي بدأت تتكون، بفعل التطورات الاجتماعية والطبقية الناشئة ، التي تفرز تحولات بنيوية وإقتصادية جديدة ، ستكون مؤثرة على العمل السياسي اللاحق ، بحكم انعكاس هذه المتغيرات على البنى التنظيمية للأحزاب التقليدية ، التي لا تستطيع التأقلم والتلاؤم مع الوضع الجديد من دون متغيرات في بنيتها وأسسها التنظيمية والفكرية الجديدة ، وهذا يشمل الجميع حيث يلاحظ وجود تطورات فكرية وسياسية عميقة المحتوى في الوسط اليساري والعلماني ، تبدأ بالحزب الشيوعي الذي اخذ يفقد الكثير من مواصفات الحزب الأيديولوجية ،وصفاته الطبقية، واهدافه الأجتماعية البعيدة المدى، ذات الطابع الشمولي، ويركز على المطالب الآنية ، ليتحول أعضاؤه ومفكروه إلى مواقع قريبة من التيار الليبرالي ، لا بل إن الكثير من دعاة الليبرالية ينحدرون منه ، وما زال يرفد الوسط الليبرالي بالمزيد من هذا العطاء .

كذلك يلاحظ تطورات فكرية في نطاق الأحزاب الكردية ، وإمتداداتها وتأثيراتها خارج حدود كردستان ، تميل وتنحو نحو هذا الأتجاه ، تتمثل بنمو الفكر الليبرالي في صفوف الأتحاد الوطني الكردستاني ، ووجود من يدعو لتحويله الى حزب ليبرالي في كردستان ، ونفس الشيء ينشأ وينمو في صفوف الحزب الديمقراطي الكردستاني، ولو بحدود أدنى ، ذات النزعة العلمانية ، مع وجود وتنامي نزعات فكرية ليبرالية في صفوف الكرد الفيليين والشبك والإيزيديين والآشوريين ، والميل لتكوين وتشكيل المؤسسات الاجتماعية والثقافية لتشكل قاعدة المجتمع المدني ، الذي يتبنى مفاهيم الديمقراطية والتعددية والفيدرالية ، منذ اكثر من عقد ونصف من الزمن الجديد ..

والمطلوب من دعاة التيار الليبرالي اليوم ، العمل وفق صيغة بعيدة المدى لتأسيس الأطر الكفيلة بوضع برامج واقعية ومناسبة تتضمن خططا ً مناسبة وقابلة للتطبيق تساهم في نمو الحالة الليبرالية وتطويرها من خلال :

– تبني مشروع فكري متكامل لنشر الفكر الليبرالي الديمقراطي الحر من خلال وسائل الأعلام بما فيها شبكة الانترنيت التي تقدم المزيد من الدراسات والبحوث في كل يوم.

– تبني دعوة للحوار والعمل من خلال قائمة مفتوحة للتيار الديمقراطي الليبرالي وتقديم وجوه مقبولة ومؤثرة تكون قادرة على إعطاء المثل الإيجابي في السلوك والعمل والدفاع عن مصالح الكادحين .

– طرح أسماء مقبولة لقائمة إنتخابية منوعه ذات طابع ليبرالي ديمقراطي / علماني / حر يكون لها حضور وتأثير والاستفادة من المستقلين والأمكانيات والكفاءات غير الحزبية من التي يجري إقصاؤها وإهمالها وإبعادها نتيجة الولاءات الطائفية والعشائرية والحزبية الضيقة التي لا تنتبه لحجم الطاقات والكفاءات خارج أطرها التنظيمية .

– الدعوة لتقييم تجارب العمل السياسي وإستخلاص تجارب الحكم السابقة ومقارنة ذلك بتجارب الشعوب الأخرى لأنها الوسيلة الوحيدة والناجحة لفرز الجديد من القيم المطلوبة التي تساعد على نشر وبلورة الفكر الليبرالي والممارسات الديمقراطية .

– البحث في ثنايا التاريخ الذي يتعكز ويستند عليه الأسلامويون والقوميون المتطرفون عن المعطيات الفكرية والسياسية والتجارب الأنسانية البديلة التي تحتوي على القيم والمفاهيم التي تنشر وتدعو لمبادىء التسامح والتعددية ورفض العنف والمساواة بين البشر.

– تبني مشروع إقتصادي وإجتماعي يكفل حقوق الأنسان في العيش الحر وتسخير الواردات الإقتصادية لخدمة الناس جميعا ً بدون إستثناء يبتدأ بمنح الأرض التي تمتلك الدولة اكثرمن60% منها ،وتوزيعها على السكان ،لغرض البناء والسكن والزراعة من دون مقابل أو بأسعار رمزية تشجيعية ، لتعويض الناس عن معاناة المرحلة السابقة ، والقضاء على الفقر بمنع إستخدام واردات النفط للشؤون العسكرية، وجعلها في خدمة الناس من خلال توفير الرواتب للعاطلين عن العمل ، وتعويض المتضررين من الأيتام ، وضحايا الحروب الدكتاتورية ، والأرهاب ، مع ضمان الخدمات الصحية على نفقة الدولة ، وتكريس الجهد الإقتصادي للدولة والمجتمع لتوفير الخدمات في كافة المجالات تحت عناوين، صحة، رفاه،سلام، خدمات ، مساواة ، عدالة إجتماعية ، الطريق للمستقبل والغد الأفضل .

هذا ما أره مناسبا ً ،كبداية لكل من يسعى لتبني الفكر الليبرالي الحر، في عراق اليوم ،والأهم أنْ يبدأ ،مَنْ يتبنى هذا الخيار، بالخطوة الأولى …. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *