الرئيسية » مقالات » حُزني لموت غَريبٍ ألَم القلَبِ أضْناه .. الى الشيخ رمضان عيسى الداوودي

حُزني لموت غَريبٍ ألَم القلَبِ أضْناه .. الى الشيخ رمضان عيسى الداوودي

الى الذين لم يجدوا في وطنهم مدفناً لهم أو شاهد قبر نَبكيهم، والى كل العراقيين الذين حلموا بالعودة وماتوا غرباء في منفاهم.

حزني بعد فاجعة موتك شبيه صَّراخ مدّوي في جوف ليلٍ مظلم،وأنا بِالكَاد خفف الزّمن المُّر غياب شقيقيّ الراحليْن في موجات ِسنين حصارهما العِجَاف. في منفاي المشوب بالصَّمت والقَسوة. لاتمَضي سنة عَلّيَ وبين أخرى إلاّ وأصطدم بِرَحيل عزيز أو غَالية على قلبيَ المَصْدوع مُسبقاً بآهات سنين البعد والحرمان. وفجأة تختفي من عيني وجوهٌ مَسكنونةٌ بذكريات طفولتي. كُلّ يومٍ أتعذب عَلى َفقدِ من منَحوُني ِدفء حنانهم مُبكّراً ،وعلى من واسوني ساعة العسرة لحظةَ يُتمي حِينَ خطف يد المَنون أبي المعِيل للأفواهِ الصّغِيرةِ المُسِغبة. كلّ لَيلة وفي فَضاء قَلبي العِائم على الأنْباء الموجعة أحْلم بكائنات مَدينتي، يا رَبّي وكم تلك الأحلام ترعُبني،وكأني أمّشي مطْرق الّرأس في مأتم، والنعّش المحمول على الأكتاف أشبه بمودتي.في حلمي المتكرر كرهت الوداعَ والتشائم من دخول المشافي والسّؤال عن الردهات، ومن خروج الطبّيب من صَالة العمليات.أظّل حَبيِس تلك الهَواجس ولا أفيق منها إلاّ على آذان الفَجْر وعلى بَحّة صوت المُؤذن، يانائمين لوجه الصُّبح عجّلوا بالّصَلاّة قبل الفَوت، وعجلوا بالتوبَة قبل الموْتْ. أعود مرة في حُلمي طفلاً يحبو ويلهو على صدرِ أُمه،يحن لترنيمتها العذبة،دَللوُ يا أبني لاحت نجّمة الصّباح، والليل سُكونٌ والنّوم أثقلَ حِمل العُيون. في منفاي اللعين تَعلّمتُ أن لا أتصّل بالليل خوفاً مِن نبأ رحيل من فارقتهم أونعي غائب منهم بلا إياب، يا مَنْ أضننتوني أتدرون بوجعي بلا شفاء، نأيكم عني هو رَأس البلاء والدّاء. رحْماكَ ياربّي وأنا أعوذ بِك كلّ يوم ألف مرة من الصّدمة وفي سِري أتشظى حِمَم غَضَبٍ وأخْمد بلا حول بينَ الصَّبر والصّمت، وأقول عسى الله يأتيني بأحّبتي أوَيجمعني معهم يوماً في رمْشة عيْن بعد ألف عُسْر ولو للحظة من اليُسْرِ. أفيق على هذَيان الحزن وأرى ما حولي مُقفراً والشّارع الطّويل المفَضي الى المضيف العامِر خال منَ الفرسان ومضارب القوم خال من رنة الفناجين وكَثرة اِلدِلال، بالأمس كان ألف عمرخيام يعتق مِن الكرم هائماَ بثملهِ المُوعود بلا قيدٍ أو أمرِ، أين الرِجال؟. وأين المَضياف؟، وكيف خَبت بعد ساعة النّعي جمرة المواقد، وكَيف أختفتْ من تّنور الخبزِ ألسنة النيّران. أينَ ترحابك الحار لضيوفك القادمين بِخيولهم الأصيلة؟، وكأني أسمع على مقربة منهم قَصيدة تَحولات البيّاتي الغريب وَوَله إبن عربّي في ترجُمان الأشواق،كلمني السّيد ُوالعاشق والمملوك ، والبرق والسحابةُ والقطبُ والمريد وصاحب الجلالة. في رحيلك المجلّل بالخطْب لم يبقَ للنُطّق غير ههمس مشوب أهذا هو زمن الكَبت والصّمت!، أم هو أوان رحيل الغيارى ولمِثل تلك القلوب العيون لا تكّف دمعاً وتبقى الحَمائم تنَوُح كَمداً والبيوتُ والديار والحقول تبَدو موحشة ولصاحِبِ الخير والمعروف تّئن وتشكو. فالموعد الذي كان القدَرأعدّه لكَ قد آتْ، واأسفاه على الرحيل فكان موعدنا المحدد في الربيع القادم أن نلتقي. أهٍ للزمن والقَدر والمَوت مفرَدات من الغيب وما على البشر إلاّ أنْ يقول هَيهات لِعودة الماضي والقطار الذي كنتُ في إنتظاره للأسف َفاتْ. في رَمْسكَ المعطّر بالإحْسان سلّم في سفرك السّرمديّ على الأجداث الداّرسات لَحداً والعَامرات عفواً وِذكْرا، لنديمنا المحمود لدى الكُلِّ ولصَباحِنا الربّاح دوماً، ولِصَفوتنِا الخالد بخِطه الرفيع،ولشيمانا ُأم الرّضيعة تركت في الخَافِق أحزانا،ولأُمِنّا الرّؤوم ِسَلْمانا*، وَيْلي،وَيْلي على الُبٌدُور المختفياتِ وراء الذّكرى،ولا تنسى يا شيخنا في الغربة سّلامنا الدائم لخيرِ النسّاء رحْمة العَلويّة في الضائقات كانت دوماً ذِكرانا،ولزوجها الغريب سيد حسن في دعائه يوما لم يَنسانا, وَيْلي على كلّ الأحَبابِ، وعلى دِماءِ الشُهداءِ في جِبالنا الشّماءِ، وفي سُهولنا المعَفّرة بالأشلاء،ولجثثِ الأبرياءِ في الجَنوبِ، فصَحيحٌ لا دينٌّ ولامبدأٌ لأهل ِالإرهاب.ومتى أسْتَعْبدَ المُستعِمر شعوب الله وقد خلقَهم الله من طينِ الكرامة ومن معدن الأَحرار. ألف سلام على الشهداء، سَلامٌ على الحّق، وألف سلام على مبادئ رسل الإنسانية،وعلى كتُب كّل الأنبياء،وصفوة القول:

ثلاثةٌ يَعزّ الصَبّر عِنْدَ حُلُولِها
ويَذهب عنِدها عَقْل كُلّ لَبيبِ
خُرُوج أضطرارٍ مِنْ بِلادٍ تُحِبّها
وفُرقة إخوانٍ وفَقد حَبيِب ِ


* الاسماء المذكورة في متن المقال أحبتي الذين افتقدتهم وأنا في المنفى ,

حكيم نديم الداوودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *