الرئيسية » مقالات » سفينة المطّلبي تمخر عباب بحر الولاء

سفينة المطّلبي تمخر عباب بحر الولاء

الحديث ومضة تاريخ فان لم تسجلها عدسة المؤرخ تلاشت في سماء الزمن، والتاريخ سلسلة حوادث ان لم يقيدها يراع الزمن في سجلاته تناثرت أوراق الحدث بين هذا وذاك، فان وجد راويا منصفا حافظا نال شرف الثبات وإلا ضيعته الرواة بين تزوير أو تحميله ما لا يطاق من التفاصيل، أو رميه في سلة مهملات التاريخ.
ويعد الأدب المنظوم الوجه الثاني من عملة الأدب الذي يحفظ التاريخ ورجالاته، فإذا كان الأدب المنثور نقرأه في أوراق مطويات، فان الأدب المنظوم يقرأ من على الأوراق ومن على شريط الذاكرة، ولذلك عد الشعر حافظة قوية في صدور الناظمين والرواة والحافظين وقطاعات كثيرة من الأدباء وهواة الشعر، وكما حفظ التاريخ الشعر العربي في العصر الجاهلي وما بعده الى يومنا هذا، حفظ الشعر صفحات كثيرة من سجل التاريخ، فهناك وظائف ثنائية متداخلة.
والتاريخ لوحة صماء ان لم ترسم خطوطها ريشة فنان، فالملايين الملايين من البشر سادوا وبادوا ولكن القليل القليل ممن أرخهم التاريخ في الزين والشين، والنزر القليل من هذا القليل تسطع أسماؤهم في جبين التاريخ كونهم صناع الخير فيه وحملة القيم والمعاني السامية. ومن هؤلاء الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) الذي سجل في كربلاء اكبر وأعظم ملحمة تاريخية تزداد رقعتها يوما بعد آخر. وبعد أربعة عشر قرنا قيض الله للنهضة الحسينية رجلا من نسل الشهيد مالك الأشتر (ت 39 هـ)، يتلمس التاريخ وينفض عنه غبار النسيان ويتسقّط أخباره ليقيد نهضة الإمام الحسين (ع) في اكبر دائرة موسوعية في أكثر من ستمائة مجلد.
هذه الموسوعة كانت محل الهام الشاعر العراقي عبد الحسين بن يوسف المطلبي المولود في ناحية المشرح في محافظة العمارة في العام 1937م في أسرة أدبية وعلمية، وسكن بغداد منذ شبابه، فأنشد فيها ست قصائد من الشعر العمودي والحر، واختار لإحداها عنوان “أنتِ السفينة والبحار”، فكان هو عنوان الديوان الذي صدر عن بيت العلم للنابهين في بيروت، في 88 صفحة، وقدم له الأكاديمي والشاعر الجزائري الدكتور عبد العزيز شبّين، فجاءت القصائد والمقدمة تحفة أدبية في النثر والنظم، وحسبما يقول المطلبي: “لا مراء بأن دائرة المعارف الحسينية لملمت روافد المعرفة لتكوّن منها بحاراً وتضم بعضها الى الآخر لتبحر في المحيطات ولم تنته براعتها الى هذا الحد فحسب بل قامت بصنع سفينة استطلاع يمكنها أن ترسو على موانئ المعارف في أي دائرة شاءت أو شئت. مما حدا بي أن أخاطبها (أنتِ السفينة والبحار) لأكتشف بأن محبة الحسين (ع) رمز نجاحها وإصابتها الهدف وبها يستطيع ربّانها قيادتها بكل سلاسة ويسر”.

الخليل الثاني
توقف الدكتور شبين طويلا عند مؤلف الموسوعة الفقيه الدكتور محمد صادق محمد الكرباسي بوصفه صانعا للتاريخ من خلال الموسوعة الحسينية التي دبجها بيواقيت الأفكار وجمّلها بصالح الأعمال، ولأن صاحب المقدمة شاعرا ومتبحرا في علم العروض، فانه وجد في الشاعر والعروضي الدكتور الكرباسي: “شاعر رحب الخيال خصيبه، دواته ملآنة تمده من بحار لا تنضب، إذا نثر أوجز وإذا شعر أعجز، ولا تزال يمناه تنظّر للشعر عروضه حتى تفنن فيه، فأبدع إيقاعات لم يعهدها الشعر العربي من قبله، فاستحق بذلك أن يلقب بـ (الخليل الثاني) ولم يكن هذا السبق وليد صدفة، بل كان نتيجة إلهام علوي، واجتهاد ذاتي، لم يحظ بهما إلا من أوتي الحكمة..”. ولأن الأديب شبّين وقف على مجلدات كثيرة من دائرة المعارف الحسينية وفي أبواب متفرقة وعلوم مختلفة، فكان رأيه في صاحب الموسوعة: “فلا أظن الشعر قادرا على بلوغ ذاته وصفا، ولا النثر على عدّ حسناته بلاغة، وما أصدق فيه قول النبي الأعظم (ص): إن العلماء ورثة الأنبياء”.
ومن وحي قصائد الشاعر عبد الحسين المطلبي ضرب الأديب عبد العزيز شبّين بعصى القوافي صخرة الشعر فانبجست عينا “وليد الدوح” و”فاطم تفتح دجلة للظامئين”، بعد ان وجد ان المطلبي أجاد وأبدع، لذلك كان: “من حسنات الصدف أن أتصفح القصيدة، وأستعذبها ذوقاً، وصورة، وبياناً”، ولذلك: “كلما أنشدت بيتا تلو آخر زاد إعجابي بسلاسة الشاعر وانسيابه، وبراعته في سبك الألفاظ، واختراع الصور، وتدقيق المعاني، ولن يؤتاها إلا من أحكم للشعر أدواته، فاستوعبها مبنى ومعنى ووزنا وخيالا، هذا ما لمسته معجبا فيما كتبه المطلبي”، فاستوحى شبّين من همزية المطلبي “أعني يا محمد” قصيدة “وليد الدوح”، وعارض بقصيدة “فاطم تفتح دجلة للظامئين” القصيدة الغديرية للمطلبي التي: “أنشأها في ذكرى الغدير، وصفا للعراق، وتعبيرا عن آماله، فما أن قرأتها حتى فجرت بداخلي منابع الإلهام، لما اتسمت به من سلاسة لغة، ودفقة خيال، وسحر بيان”.
ففي وليد الدوح من الوافر ينشد الدكتور شبّين في مدح صاحب الموسوعة:
حجتْ بمعينك الورْق الظّماءُ
وفاضتْ منْ فم السّلوى دلاءُ
ثم ينشد:
أكرباسي مهما لاح بدرٌ
فمن زهرا جبينك يستضاءُ
أليس النثر دونك والقوافي
فكل صحيفة كتبتْ هراءُ
ثم يختم:
صحا بيراعك الثقلان فجراً
وتحت جناحك أخضلّ الحداءُ
سماوات الهوى سبعا جلاهنّ
حرٌّ سرّ مولده جلاءُ
إذا أبصرت حبّك فانتظرها
فحيث ترى ستشرق كربلاءُ
وفي “فاطم تفتح دجلة للظامئين” ينشد شبّين من المتقارب”:
محجّلة الدوحتين أنيري
حدائق مختومةٌ بالعبير
ثم ينشد للرافدين:
الى هودج الحور بالرافدين
إليه هفا خاطري بالحبور
توشَّيتُ بالمرقدين الهلالَ
فشعَّت به داجيات العصور
وينشد للفرات:
عراق اهتفي، أنجمٌ ثاقباتٌ
بزغن بطهر البتول المنيرِ
توحَّد فيها الفراتُ الموشَّى
بأطهرِ عرشٍ، وأذكى أمير
ثم يختم الأديب الجزائري ناشدا دجلة الخير:
وفاطم تفتحُ دجلةِ للظا
مئين، فيُمناكِ مسكُ الدهورِ

نداء النصرة
في هجير كربلاء نادى الإمام الحسين (ع) بالنصرة وألقى الحجة على الناس كل الناس: “ألا هل من ناصر ينصرني”، وصدى هذا النداء الذي انطلق من حنجرة الحق باق، لان نصرة الحسين (ع) هي نصرة الرسالة المحمدية الخاتمة مادامت السماوات والأرض.
هذا النداء هو الذي شدّ الشاعر المطلبي لكتابة قصائده في الموسوعة الحسينية وعقد جمانها الإمام الحسين (ع) وصاحب يراعها المحقق الكرباسي، حيث: “وجدت نفسي في لحظة من لحظات عمري بأن شخصية كآية الله الدكتور الشيخ محمد صادق الكرباسي الذي نذر نفسه لأبي الأحرار وعكف على كتابة موسوعة ناهزت أجزاؤها الستمائة مجلد وهو في آخر بقاع العالم (لندن)، ليقول بملء فمه: لبيك يا حسين لبيك يا حسين بعد أربعة عشر قرنا فشدني العزم على أن أكون من السباقين الى نصرته ببعض القصائد التي أرجو أن تأخذ دورها في سجل الأنصار الذابين عن ابن بنت رسول (ص) تأسيا بعشرات الإخوة الذين قاموا بتقريظ هذه الموسوعة الجليلة”.
وكان هذا الديوان عربون محبة وولاء ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، وحمل عنوان أنتِ السفينة والبحار إشارة كما يقول الدكتور شبّين الى: “دائرة المعارف الحسينية، فهي سفينة علم ونجاة، تقود أهل العلم تسير بهم الى معرفة الآفاق، واكتشاف الحقائق والمعارف، وهي البحار بما تحمله من جواهر وكنوز ويواقيت، ونفائس لم يعهد مثلها في كتاب”. وإذا نقلنا حركة التاء في الضمير “أنتِ” من تحت الى فوق “أنتَ”، فصح القول (يا حسين أنتَ السفينة والبحار) من حيث قول الرسول الأعظم محمد (ص): (إن الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة وإمام خير ويمن وعز وفخر وبحر علم ذخر)، ومن حيث قول الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) (ت 148 هـ): (كلنا سفن نجاة وسفينة الحسين أسرع).

قصائد الولاء
في القصيدة الأولى يتغنى المطلبي بالموسوعة الحسينية التي “يعجز حتى الخيال على أن يحيط بها وصفا وتصويرا”، فينشد من البسيط الأول قصيدة في خمسة وعشرين بيتا، ومطلعها:
فتّشتُ كلَّ سنيِ العمرِ ما عَثَرتْ
عينايَ إلا على دمعٍ محا نظري
ثم ينشد:
موسوعة سافرت كلُّ العصور بها
وما درت أنها في أول السفر
وألفُ ألفٍ من الآفاق طائرةٌ
تحُطُّ في الروح مثل اللمح بالبصر
ويختم المطلبي:
قلبي قصيدةُ حبٍّ صامتٍ وأنا
بغيرها ليس لي في الحب من وطرِ
في قمة الصمتِ لا يرقى الخيال لها
فكيف أعزفها لحنا على وتري
وفي القصيدة الثانية من 47 بيتا من الرمل الثاني، يتطلع الى نور الموسوعة الحسينية وهو يقف على شاطئ المعرفة، فينشد:
كيف أرمي سُفُني في لجج
موجها ما زال يسمو للسماء
ثم يضيف:
كل إشعاعات فكري نفذت
في خبايا الكون لولاك هباءْ
درةٌ في يتمها أنتِ بلا
والدٍ، أمٍّ، أخٍ أو أقرباءْ
ما لها من قبلُ، من بعدُ، أرى
مَنْ هُمُ أشباهُها والنُظراءْ
ثم يتذكر قطرات الدم التي أريقت على صعيد كربلاء عام 61 هجرية، فينشد:
وحروفٍ بعضها قد جُعلتْ
جسداً للنور والبعضُ رداءْ
قطرةٌ من دَمِهِ في كربلاء
هي حزمٌ هي عزمٌ ومضاءْ
جعلتْ قنبلةً موقوتةً
جسدَ الثائرِ والموتَ بقاءْ
وفي القطعة الثالثة التي حملت عنوان الديوان، ينشد المطلبي من الشعر الحر:
أنتِ السفينة والبحار
ربّانُها جسدٌ عنيتُ الرمحَ
تُحمَلُ فوقَه الشمسُ المضيئة من دم
حتى النشور
ثم يتماهى المطلبي ولها مع الموسوعة المتنورة بضياء سيد الشهداء، فينشدها:
لو كان هذا الكون ذا حدود
كل الوجود كان ذا حدود
كنتُ إذن أنْظُمُ عِقدَ لؤلؤٍ فريد
لمهجتي
موسوعة الشهيد
مضيئة بنور حبِّ سيدي الحسين
ويذهب الوله بالمطلبي مذهبا الى تقمص شخصية قيس المنصهر بعشق ليلى “الموسوعة الحسينية: التي يستحيل فراقها، لجمال علومها وروعة فنونها، فينشد قصيدته الرابعة من السريع في 52 بيتا، ومطلعها:
موسوعةٌ ورودها غامرة
في بحر نورٍ سُفُنا ماخرةْ
ثم يقسم في الخاتمة بأن لا يستبدل حبيبته بأخرى ولا يتذكر غيرها:
وكلُّ يومٍ لا أرى حُلوتي
فالعيش فيه صفقة خاسرة
قالوا تذكر غيرها، قلتُ لا
موسوعةُ النور هي الذاكرة

وكما يقول الشاعر المطلبي فان هذه القصيدة هي: “قصيدة حب لها (الموسوعة)، وقد قارنت بين الحب الحسي المألوف وبين الحب الروحي للموسوعة المباركة. الحب الحسي هو الحب الدنيوي بجميع أنواعه وأشكاله، وقد رمزت إليه بالدنيا التي صورتها بل جسّدتها في صورة امرأة حسناء لعوب”.
أما القصيدة الخامسة ومؤلفة من ثلاثة أقسام من الشعر الحر، كانت الأولى تحت عنوان السفن الياقوتية إشارة الى أجزاء الموسوعة الحسينية، وهي: “رحلة من عالم المحسوسات الى عالم الروح حيث أجد السفن الياقوتية في انتظاري”، فينشد:
وصحوت قليلا
أأنا في سفن من ياقوت فوق شواطئ روح تغدو وتروح
وقريبا مني
كان الموجُ جبالا وهضابا في اللُجِّ الدريِّ يلوحْ
وفي القسم الثاني وتحت عنوان “الشجرة” كرمز للموسوعة فان البذرة الأولى لها: “تصير شجرة تدخل أغصانها في كل زمان ومكان وتخرج من كل زمان ومكان”، فينشد:
يا زمني خذ من دمه قطرة
خذ من دمه بذرة
اُنظر يا زمني لعروق الشجرة
طربٌ خفَّ بها للأعماق
ويتوشّح المطلبي في القسم الثالث “عباءة الزمان”، فينشد:
وفوق كل ورقةْ
من الغصون النضرةْ
كواكبٌ محلِّقةْ
وتحت كل ورقة
جنائنٌ معلَّقةْ
الأرض والسماء
عباءة خضراءْ
وفي القصيدة السادسة والأخيرة يتنقل الشاعر على جناح الولاء، ويصل به طائر الحب الى صاحب الموسوعة فيعبر عن عظيم تقديره للمحقق الكرباسي الذي وظف قلمه وما يملك من مال وصحة وزمن وعشيرة وأصحاب لخدمة معشوق الثقلين ومحبوب أهل السموات والأرضين الإمام الحسين (ع)، فنظم من الوافر قصيدة الحب والتقدير في 38 بيتا، ومطلعها:
ألا ماذا يقول هو الثناءُ
له في كلِّ خاطرةٍ سماءُ
بمن حانت جوارك يا حسين
ولادته فأرضعه الوفاءُ
إشارة الى مولد البحاثة الكرباسي في مدينة كربلاء المقدسة في الخامس من شهر ذي الحجة العام 1366 هـ (20/10/1947م).
وينهيها بمسك الختام:
سميِّ المصطفى عن كل نور
إلهي لقد رُفع الغطاءُ
على الغرفات قد كتبتْ بمسكٍ
حروفُ النور: نعم هو الجزاءُ
وسمي الرجل الذي يوافقه بالاسم وحيث أن صاحب الموسوعة الحسينية مركب الاسم (محمد صادق) فوافق النبي الأكرم في اسمه ووافقه في صفته (الصادق الأمين).
وحتى يدفع الشاعر المطلبي عن نفسه شبهة الغلو في محبته للموسوعة الحسينية وصاحبها، فيقرن محبته بالولاء لمن تناثرت عليه حروف الموسوعة وقوافيها، إذ: “ليس هناك تطرف أو تكلُّف في حبي للموسوعة الحسينية المباركة لأن حبي لها نابع من حبي لسيدي ومولاي أبي عبد الله الحسين (ع)”، والأمر كما أوضح ورأينا رأيه كما أفصح.

* إعلامي وباحث عراقي
الرأي الآخر للدراسات – لندن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *