الرئيسية » مقالات » أليست هذه فتاوى عدوانية لشيوخ إسلاميين متطرفين وإرهابيين ؟

أليست هذه فتاوى عدوانية لشيوخ إسلاميين متطرفين وإرهابيين ؟

في كل المهن الفكرية والجسدية في العراق والعالم في آن, يبرز دوماً من ينحرف عن أسس المهنة وأصولها وقواعدها , إضافة إلى احتمال أكبر في الخروج عن جوهر أو مضمون تلك المهنة. وفي كل الأحوال يسيء هؤلاء إلى المهنة التي يمارسونها وبشكل خاص حين لا يتقن هؤلاء المهنة ولا يفهمون دورها وإلى كل العاملين فيها. وربما لا يشعر مثل هذا الإنسان المسيء للمهنة إلى عواقب أفعاله المسيئة. فمهندس معماري مثلاً يمكن أن يؤدي إلى انهيار العمارة التي أشرف على بنائها في حالة حصول خطأ في التصميم أو في خلط مواد البناء , أو أن طبيباً عاماً أو متخصصاً يمكن أن يقود إلى موت إنسان مريض يعالجه بسبب خطأ في التشخيص أو إعطاء دواء خاطئ أو قلة عناية بأدوات العملية , ويمكن أن يحصل مثل هذا الأمر مع صاحب أي مهنة أخرى. ويلحق مثل هؤلاء الأشخاص الضرر بعدد قليل أو كثير من الناس. ولكن في غالب الأحيان يمكن اكتشاف الخطأ الذي يرتكبوه ويعاقبون عليه ويمنعون من ممارسة المهنة , وبالتالي تكون الضحية الأولى أو الضحايا الأولى سبباً في إبعاد الأذى عن الآخرين , وهو أمر شائع نسمع به كثيراً. ولكن يزداد ضرر صاحب هذه المهنة أو تلك حين تكون علاقته مباشرة وكبيرة وواسعة مع المجتمع الذي يعيش ويعمل فيه. فشيخ دين مجاز من حوزة دينية معينة , أياً كانت تلك الحوزة , حين يرتكب خطأ ما في إصدار فتوة بقضية معينة أو قضايا عديدة في آن واحد أو يعطي تصريحات معينة أثناء مقابلة صحفية معه يعتبر ما جاء فيها بمثابة فتاوى لمقلدين من الناس , وحين تعمم مضامين تلك المقابلة لتكون أشبه بفتاوى دينية , عندها يزداد خطر مثل هذا الرجل لا على مقلديه حسب , بل على المجتمع بأسره. ويزداد الأمر سوءاً حين يتحول هذا الشيخ المعمم إلى داعية سياسية يستخدم الدين لإغراض سياسية. والغريب في الأمر أن شيوخ الدين الآخرين والحوزة الدينية التي تُخرَّجْ هؤلاء بكثرة لا تتصدى لهم وليست هناك جهة مثل نقابة الأطباء التي توقف الطبيب عن العمل حين يرتكب أخطاء طبية حين تكرارها لدى هذا الطبيب أو ذاك , أو نقابة مهندسين التي تمنع عمل المهندس في مهنته مثلاً حين يتسبب في انهيار عمارة وموت الكثير أو القليل من البشر. والمشكلة هي أن كل مفتي يكون مستقلاً في الفتاوى التي يطلقها , إذ يمكن أن يأخذ بها الآخرون أو يرفضونها , ولكنهم غالباً ما يسكتون عنها.
إليكم نموذجاً لواحد من شيوخ الدين الأحياء , علماً بأن ليس الوحيد في هذا الباب , إذ تقود تلك الفتاوى إلى الكثير من المآسي والكوارث , كما يجري في العراق. وشيخ الدين هذا يعيش حالياً في دمشق ومنها أطلق تصريحاته الصحفية والفتاوى التي تذكرنا بمحاكم قرقوش في فترة الدولة العثمانية.
وصلتني عبر البريد الإلكتروني , ودون إرادتي ورغبتي , مقابلة صحفية أجرتها وكالة الأنباء الإسلامية العراقية , كما جاء في عنوان المقابلة , دون الإشارة إلى الصحفي الذي أجراها والأسئلة التي وجهها , ولكنها مرسلة باسم وعنوان شيخ الدين هذا. واسم شيخ الدين هذا ومركزه الديني , كما جاء في نص المقابلة , آية الله العظمى أحمد الحسني البغدادي. ومن نص المقابلة يبدو أنه يعمل مع جماعة المؤتمر القومي العربي المعروف بعلاقته السابقة والميتنة مع الدكتاتور صدام حسين , حيث أقامت هذه الجماعة مؤتمرها القومي العربي في بغداد في العام 2000 وفي الجامعة المستنصرية الذي افتتحه طارق عزيز. وقد دافعت هذه الجماعة عن سياسات النظام وجرائمه البشعة في أغلب مؤتمراتها. وقد كتبت نقداً عن هذه الجماعة وعن مؤتمرها المذكور وكذلك ما نشر عن مؤتمراتها السابقة. ويبدو أن شيخ الدين هذا قد أخذ على عاتقه الترويج لعدد من المسائل التي تعتبر إساءة كبيرة للأديان الأخرى وأتباع تلك الأديان وللدين الإسلامي وللمجتمع العراقي وللإنسان العراقي في آن واحد. لا شك في أن هذه المقابلة الصحفية قد نشرت في مواقع كثيرة لأنها تصب في مجرى القوى المعادية لإرساء دعائم السلم والأمن والاستقرار في العراق وتحض وتحث على القتل والتخريب والتدمير في العراق. لذا لا أجد حاجة لتعميمها مع هذه المقالة. ماذا يريد أن يوصل لنا هذا الشيخ عبر مقابلته الصحفية؟ سأحاول أن أتناول بعض ما يريده في النقاط التالية:
1. يعتبر كل أفراد القوات الأجنبية العاملة في العراق كفرة ومشركين , رغم علمه بأنهم من أتباع ديانات عديدة , ففيهم المسيحي والمسلم وربما اليهودي , إذ أن الدول المتحضرة لا تميز بين مواطنيها وبين من يجند منهم على أساس الدين أو المذهب أو القومية أو الفكر. وهو يدعو إلى قتلهم لا بسبب كونهم قوات أجنبية حسب , بل بسبب كونهم من الكفرة والمشركين ولا دين لهم. ويرتكب الشيخ بهذا معصية لأنه يرى في كل المسيحيين واليهود كفاراً لا بد من الخلاص منهم , ومثل هذا التبشير الديني الخطر يفترض أن يواجه بإقامة الدعوى عليه ومحاكمته بتهمة التحريض على اتهامه الناس بالكفر وهم من أتباع ديانات أخرى والتحريض على قتلهم. ولا يختلف مثل هذا الشيخ عن عامة الجهلة والمتطرفين الذين يرفضون الاعتراف ببقية الأديان , رغم ما ورد في القرآن ما يؤكد أنهم من أصحاب كتاب وليسوا بكفرة.
2. يقول هذا الشيخ ما يلي: “لو زنى شيخ كبير في أمه بالكعبة المشرفة ، وهو محدودب الظهر ، رجله في قبره ، وهو يتحسس بآلام المستضعفين أفضل من فقيه أو مرجع ديني ـ شيعي أو سني ـ متصد لقيادة الأمة ، وهو لم يفت حتى الآن في وجوب طرد المحتلين الكافرين !.. لان هذا السكوت المطبق من وجهة شرعية من أعظم المخالفات الإسلامية ، وفيه المردودات السلبية الخطيرة على تضليل الأمة ، وعلى ثوابتها السامية”. هل سمع أحدكم رجس أكثر من هذا الرجس. إنه اتهام لكل شيوخ الدين الذي لا يرون إمكانية خروج القوات المحتلة من البلد هذا اليوم لأسباب أمنية , بل يمكن أن يحصل ذلك في العام القادم مثلاً. إنه اتهام لكل الأحزاب الإسلامية السياسية العاملة والحاكمة في العراق. وهو لا يختلف في هذا عن قيادة جماعة جيش المهدي , أو عن بن لادن والظواهري ومن لف لفهم. وفي هذا النص البائس يرد مثلاً بشعاً ومخزياً لا لسامعه بل لكاتبه أيضاً لا يمكن القبول به بأي حال وهو اجتهاد سيء لا أسوأ منه , إذ أنه يريد أن يوجه التحريض ضد عدد غير قليل من شيوخ الدين في العراق الذين يرون وجود قوات أجنبية في العراق ولفترة محددة هو السبيل للخلاص من احتمال حرب أهلية في العراق , وأن ذهابها مباشرة يمكن أن يأتي بقوى لا تختلف عن جماعة الدكتاتور صدام حسين إلى الحكم , وهي الجماعات اليمينية المتطرفة والشوفينية والطائفية التي يتعاون مع بعضها هذا الشيخ في الخارج والداخل. كما أنه يدرك بأن هناك جمهرة كبيرة جداً في المجتمع تريد خروج القوات الأجنبية ولكنها ترى افتراض حصول ذلك في وقت لاحق ولا ترى مبرراً لطرح الأمر راهناً.
3. يرفض السيد الحسني وجود إرهاب إسلامي سياسي متطرف وسلفي أصولي دولي يقوده أسامة بن لادن والظواهري وغيرهما ممن يمارسون الإرهاب على الصعيد العالمي. والعراق هو أحد ضحايا هذا الإرهاب الدولي الإسلامي السياسي المتطرف والعدواني والتكفيري , كما حصل في الجزائر قبل ذاك ولا زالت بقاياه هناك , أو ما جرى في السعودية والمغرب والأردن ومصر , وما جرى في نيويورك أو دار السلام أو في أسبانيا وفي لندن , أو ما جرى في نهر البارد في لبنان من عمليات عسكرية دنيئة ومجرمة لجماعة فتح الإسلام الإرهابية. وهي كلها قوى ترتبط بهذا الشكل أو ذاك بقوى إرهابية فاعلة على الصعيد الدولي وتنطلق من مواقع فكرية إسلامية سياسية متطرفة وإرهابية عربية وغير عربية , ومن يرفض الاعتراف بوجود مثل هذا الاتجاه الإرهابي يشترك معه في إجرامه , شاء ذلك أم أبى , لأنه يريد التستر عليه والادعاء بعدم وجوده. وهذا الإنكار ليس سوى محاولة فاشلة وبائسة , ولكنها يمكن أن تنطلي على بؤساء الفكر والسياسة والجهلة من الناس , وهم كثر في مجتمعاتنا العربية والإسلامية , بأن الحديث عن الإرهاب الدولي ليس سوى أسطورة من صنع الغرب والولايات المتحدة الأمريكية…الخ. ويبدو أن هذا الشيخ المعمم دخل في جوقة حارث الضاري التي هي الأخرى تنسق مع جماعة المؤتمر القومي العربي وبعض قوى الإسلام السياسي المتطرفة في الأردن ولبنان , ولكن بشكل خاص مع جماعة القاعدة , وفق تأييد الضاري له في إحدى مؤتمراته الصحفية التلفزيونية.
4. ويستغل شيخ الدين هذا قرار مجلس الشيوخ الأمريكي لكي يهاجم النظام الفيدرالي ويشكك في فيدرالية كُردستان ويعتبرها تقسيماً للعراق. وهو النهج الذي تمارسه قوى المؤتمر القومي العربي وقوى البعث أيضاً , وبالتالي وضع شيخ الدين هذا نفسه في خدمة اتجاه فكري وسياسي قومي يميني شوفيني متخلف ومناهض للحقوق القومية للشعب الكردي وحقوق القوميات الأخرى والتطور السلمي في العراق.
5. ويبدو واضحاً أن الرجل من دعاة صِدامْ الأديان والثقافات , وهو أمر بالغ الخطورة لا يختلف كثيراً عن دعاوى بن لادن والظواهري ومن لف لفهم , من خلال اعتباره أن كل أتباع الأديان الأخرى كفرة. وفي الوقت الذي بدأ بعض شيوخ دين يرفضون ويدينون الإرهاب الذي تمارسه قوى إسلامية سياسية متطرفة , راح السيد أحمد الحسني البغدادي يدعو إلى القتل بحجة مكافحة الاحتلال والكفر. وقد وضع الحكومة العراقية وكل القوى السياسية الفاعلة في العراق في صف القوى المؤيدة للاحتلال والتي تستوجب القتل أيضاً , في وقت يعرف هو ومن يوجهه من القوى القومية اليمينية المتطرفة والشوفينية أن كل تلك القوى الأساسية في العراق لا تريد استمرار وجود القوات الأجنبية في العراق وتعمل على تعزيز القدرات الدفاعية والأمنية لكي تتسلم الملفات كلها بيديها وتستعيد الاستقلال والسيادة الوطنية.
إن البعض الكثير من شيوخ الدين يمارس اليوم مثل هذا الدور , وقلة منهم من يمارس دوراً مناهضاً لهذا البعض الذي يغذي الإرهاب , سواء أكانوا من السنة أم الشيعة. ويكفي أن نتابع مواقف شيخ الدين حارث الضاري وذهابه إلى الفاتحة المهزلة التي أقامها الصحفي البائس ضياء الكواز في الأردن بدعوى كاذبة هي مقتل عائلته بالكامل , التي تؤكد تهالك هؤلاء على الإساءة للوضع في العراق والتشويش على سعي المجتمع من أجل إعادة الأمن والاستقرار والطمأنينة للبلاد , رغم ما لدى كل منا من ملاحظات على ما يجري في العراق والنواقص الجدية في العملية السياسية الجارية والمحاصصة الطائفية التي لا بد من رفضها.
2/12/2007 كاظم حبيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *